تحت وفوق الوسادة…الكيد في فقه النساء والرجال!
بقلم الكاتبة هيام سلّوم – سوريا

كلما مررتُ بسورة يوسف، استوقفني سؤالٌ لا أعرف لماذا ظلّ يعود إليّ كل مرة: أيُّ الكيدين كان أشدَّ فتكًا بيوسف: كيدُ النساء أم كيدُ الرجال؟ فالنساء أحببن يوسف حتى انتهى به الحب إلى السجن، والرجال حسدوه حتى انتهى به الحسد إلى الجُبّ. امرأةٌ أغلقت عليه الأبواب، ورجالٌ أغلقوا عليه بئرًا. امرأةٌ كادت بدافع الرغبة، ورجالٌ كادوا بدافع الغيرة.
كلما تأملت القصة، وجدت أن السؤال نفسه ربما يحمل افتراضًا خاطئًا. الكيد ليس مؤنثًا ولا مذكرًا. الكيد إنساني. فالإنسان، حين يعجز عن استعمال القوة، يبحث عن طريق آخر للوصول إلى غايته. وهنا يصبح الذكاء سلاحًا، ويصبح التدبير وسيلة، وتتحول معرفة الآخر إلى مفتاح يمكن أن يفتح بابًا… أو يفتح جرحًا.
ولأن المرأة كانت، في معظم مراحل التاريخ، أضعف جسديًا من الرجل، كان عليها أن تتقن فنونًا لا تحتاج إلى عضلات؛ أن تقرأ الوجوه، وأن تفهم الصمت، وأن تلتقط ما لا يُقال، وأن ترى ما يختبئ بين الكلمات. لكن المشكلة لا تبدأ من الذكاء. المشكلة تبدأ حين يتحول الذكاء من وسيلة للنجاة إلى وسيلة للإيذاء.
وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف. فالكيد ليس شرًا في ذاته، كما أن القوة ليست خيرًا في ذاتها. السيف لا يختار من يقتل، واللسان لا يختار من يجرح، والذكاء لا يختار غايته. الإنسان هو الذي يفعل.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل المرأة كيدها أعظم؟ بل: ماذا يفعل الإنسان حين يعرف نقطة ضعف الآخر؟ هل يحفظها له كأمانة؟ أم يحتفظ بها كخنجر، ينتظر لحظة الطعن؟
حضرتني قصة جميلة سأذكرها. يُحكى أن تاجرًا كتب على جدار دكانه: «كيد الرجال غلب كيد النساء». استفزت العبارة امرأةً كانت تشتري منه، فقررت أن تجعله يعيد النظر في جملته. تنكرت في هيئة عجوز، وعادت إليه بعد أيام، ونسجت أمامه حكاية عن ابنها العاشق لامرأة متزوجة، وأنه يريد قطعة قماش لها.
خرجت من الدكان، وسألت عن بيته، ثم دخلته بحجة الصلاة، وتركت في بيت التاجر قطعة القماش التي أخذتها منه. عاد الرجل إلى بيته، فرأى القطعة. وهنا لم تحتج المرأة إلى أن تقول شيئًا. تركته لظنّه. فنسج عقله وحده بقية القصة، وأخذه شكه إلى أن زوجته هي صاحبة الأمر، فطردها.
ثم عادت المرأة بعد فترة لترى حاله، فإذا بحياته قد انهارت، وتجارتُه قد توقفت. عندها كشفت له الحقيقة. ففهم أنه لم يُخدع بكذبة كاملة، بل خُدع بما صدّقه عقله.
وهذه هي المسألة. أخطر أنواع الكيد ليس أن تكذب على إنسان، بل أن تجعله يُكمل الكذبة بنفسه. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يضلله؛ أحيانًا يكفي أن تعطيه نصف حقيقة، وسيقوم خوفه، أو غيرته، أو غروره، بصناعة النصف الآخر. وهنا يصبح الكيد فنًا نفسيًا أكثر منه مجرد حيلة.
كانت المرأة ذكية، نعم. لكن الذكاء وحده لا يصنع حكيمًا. فقد استطاعت أن تثبت فكرتها، لكنها استخدمت بيتًا كاملًا مختبرًا لإثباتها. وما قيمة أن تنتصر في لعبة، إذا كان ثمن الانتصار قلبًا مكسورًا؟
ربما هذه هي النقطة التي يغفل عنها معظم الحديث عن الكيد. نحن ننبهر بالدهاء حين يكون موجّهًا ضد الآخرين، ثم نكتشف متأخرين أن الدهاء بلا أخلاق ليس حكمة، بل مكرٌ أنيق.
إن كيد النساء ليس سرًا أنثويًا، وكيد الرجال ليس امتيازًا ذكوريًا. الرجل قد يكيد بسلطته، والمرأة قد تكيد بذكائها. الرجل قد يستخدم المال، والمرأة قد تستخدم العاطفة. الرجل قد يحاصر بالجسد، والمرأة قد تحاصر بالكلمة. لكن النتيجة واحدة حين تغيب الأخلاق: إنسان يؤذي إنسانًا.
ولعل أجمل ما في قصة يوسف أن القرآن لم يجعل الكيد حكرًا على جنس. يوسف لم يسقط في الجب لأن الرجال أقوى منه فحسب، ولم يدخل السجن لأن النساء أضعف منه. لقد كان، في الحالتين، ضحيةً لرغبات الآخرين.
وهذا يعيدنا إلى أصل الحكاية: المشكلة ليست في جنس الكائد، بل في قلبه حين يجعل من قدرته وسيلةً لإيذاء من لا يستطيع.
وبرأيي، فإن المرأة حين تجد رجلًا لا يهدد قوتها، لا تحتاج إلى أن تخفي قوتها خلف الحيلة. حين تشعر بالأمان، يصبح ذكاؤها بناءً. وحين تشعر بالخوف، قد يتحول ذكاؤها إلى دفاع.
وهذه ليست حكاية النساء وحدهن. إنها حكاية البشر جميعًا.
فحتى الرجل الذي يبدو شديدًا قد يتحول إلى طفل خائف حين تُمسّ نقطة ضعفه، وحتى المرأة التي تبدو ناعمة قد تخفي في صمتها قدرةً على قلب المشهد كله.
الحية ملساء، ناعمة، صامتة. لكن لا أحد عاقل يختبر نعومتها بيده. وكذلك البشر. لا تستهن بإنسان لأنه هادئ، ولا تظن أن من لا يرفع صوته لا يملك جوابًا. فبعض الناس لا يحاربونك بما في أيديهم، بل بما يعرفونه عنك. وبعضهم لا يحتاج إلى أن يهدم جدارك؛ يكفيه أن يعرف أين يضع إصبعه، حتى يتشقق الجدار من داخله.
وهنا يعود السؤال القديم: ليس المهم أن نعرف من يكيد أكثر: النساء أم الرجال. المهم أن نسأل: من الذي يملك القدرة على الكيد، ثم يمتلك الأخلاق التي تمنعه من استخدام تلك القدرة؟
هناك يبدأ النضج. أن تعرف كيف تؤذي، ولا تؤذي. أن تعرف أين يوجع الآخر، ولا تضع يدك على وجعه. أن تمتلك السر، ولا تستخدمه. أن تستطيع الانتقام، ثم تختار العفو.
فأعلى درجات القوة ليست أن تكون قادرًا على كسر الآخر؛ بل أن تكون قادرًا على كسره، ولا تفعل. أن تعرف موضع ضعفه، ثم تحرسه بدل أن تستغله. أن تمتلك مفتاح بابه، ثم لا تدخل منه إلا بإذنه. أن تستطيع أن تترك أثرًا مؤلمًا في حياته، ثم تختار أن تترك له السلام.
فالقوة الحقيقية ليست في قدرتك على الإيذاء، بل في قدرتك على الإيذاء ثم انتصارك على نفسك.
أما الكيد، فيبقى مجرد سكين. والسكين لا تحمل أخلاقًا في ذاتها. قد تقطع بها الخبز، وقد تقطع بها اليد. وقد تكون في يد طبيبٍ تنقذ حياة، أو في يد غاضبٍ تنهيها. السكين لا تمنح نفسها المعنى. اليد التي تمسكها هي التي تمنحها معناها.
ولذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم: من أكثر كيدًا… الرجل أم المرأة؟ بل: من يستطيع أن يعرف موضع الجرح، ثم يختار ألا يطعن؟
هناك فقط يصبح الذكاء حكمة، والقوة رحمة، والقدرة أخلاقًا.
وهناك، فوق وتحت الوسادة، حيث نخفي أسرارنا ومخاوفنا وأشياءنا التي لا نريد لأحد أن يراها، نكتشف الحقيقة الأعمق: أن أخطر ما نضعه تحت وسادتنا ليس سرًا يعرفه الآخرون عنا، بل قدرةٌ نملكها على إيذائهم ولا نستخدمها.
فليس النبل أن تكون عاجزًا عن الأذى. النبل أن تكون قادرًا عليه… ثم تختار السلام.