أخبار عاجلة
من الملاجئ إلى الألغام.. أوروبا تعيد حسابات الحرب
من الملاجئ إلى الألغام.. أوروبا تعيد حسابات الحرب

من الملاجئ إلى الألغام.. أوروبا تعيد حسابات الحرب

من الملاجئ إلى الألغام.. أوروبا تعيد حسابات الحرب

بقلم الدكتور محمود سيد محمد..
المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية..

 


هناك شيء تغير في أوروبا.

ليس لأن حربًا بين روسيا وحلف شمال الأطلسي أصبحت وشيكة، ولا لأن الحكومات الأوروبية قررت خوض مواجهة عسكرية مع موسكو، وإنما لأن القارة بدأت تتصرف للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة على أساس أن السلام لم يعد افتراضًا مضمونًا.

في 26 مارس 2025، أطلقت المفوضية الأوروبية «استراتيجية اتحاد الاستعداد»، وطالبت الدول الأعضاء برفع قدرة السكان على الاعتماد على أنفسهم لمدة 72 ساعة في حالات الطوارئ، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير المخزونات، وتعزيز التعاون المدني ـ العسكري. وفي الوثيقة نفسها جرى التعامل مع الأزمات باعتبارها قد تكون طبيعية أو صحية أو سيبرانية أو عسكرية.

بعدها بثلاثة أشهر، اتخذ الناتو في قمة لاهاي قرارًا أكثر وضوحًا: رفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035؛ منها 3.5% للاحتياجات العسكرية الأساسية، وما يصل إلى 1.5% للبنية التحتية والأمن السيبراني والمرونة المدنية والقاعدة الصناعية الدفاعية. ووصف إعلان القمة روسيا بأنها تهديد طويل الأمد للأمن الأوروبي الأطلسي.

لكن قراءة هذه التحولات باعتبارها قرارًا أوروبيًا موحدًا ستكون خطأ.

شرق أوروبا ليس غربها

الدول الواقعة على الجناح الشرقي للناتو تنظر إلى روسيا من موقع جغرافي مختلف تمامًا.

بولندا ودول البلطيق وفنلندا ترى الحرب الأوكرانية من زاوية حدودية مباشرة، ولذلك دفعت باتجاه زيادة الإنفاق والجاهزية بصورة أسرع من عدد من دول غرب أوروبا. وفي استطلاع شمل أكثر من 16 ألف شخص في 12 دولة أوروبية، كانت الأغلبية في بولندا والدنمارك والمملكة المتحدة وإستونيا والبرتغال مؤيدة لزيادة الإنفاق الدفاعي، بينما كانت إيطاليا الدولة الوحيدة في العينة التي عارضت فيها الأغلبية زيادة الإنفاق.

وفي ألمانيا نفسها، أظهر استطلاع ZDF في يونيو 2025 أن 65% من المشاركين أيدوا رفع الإنفاق للوصول إلى هدف الناتو البالغ 5%، لكن الفارق الداخلي كان واضحًا: 68% في غرب ألمانيا مقابل 49% في شرقها.

إذن، الحديث عن «أوروبا» باعتبارها عقلًا أمنيًا واحدًا لا يعكس الواقع.

هناك إجماع متزايد على ضرورة رفع الجاهزية، لكن ليس هناك إجماع مماثل حول حجم الإنفاق، وسرعة إعادة التسلح، وحدود الاستقلال الأوروبي عن الولايات المتحدة، أو كيفية دفع فاتورة هذه السياسة.

5% من الناتج.. من أين تأتي الأموال؟

قرار لاهاي يبدو كبيرًا على الورق، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عند الموازنات.

الناتو يقول إن دول أوروبا وكندا رفعت إنفاقها الدفاعي الحقيقي في 2025 بنحو 20% مقارنة بعام 2024، إلى أكثر من 571 مليار دولار بأسعار 2021.

لكن الوصول إلى 5% ليس مجرد زيادة في بند الدفاع.

هو يعني نقل موارد ضخمة من قطاعات أخرى إلى الأمن والدفاع، في قارة تعاني أصلًا من ارتفاع الديون وتكاليف الطاقة وتباطؤ النمو وشيخوخة السكان.

ألمانيا مثال واضح. فقد ارتفعت موازنة الدفاع الألمانية إلى نحو 62.3 مليار يورو في 2025، ومع الأموال الأخرى المخصصة للدفاع بلغ إجمالي الإنفاق نحو 86.4 مليار يورو. كما عُدلت قواعد «كبح الديون» للسماح بإنفاق دفاعي أكبر.

لكن هذه ليست نهاية المشكلة.

فبرلين مطالبة في الوقت نفسه بتمويل البنية التحتية والخدمات العامة وتحفيز اقتصاد يعاني من مشكلات هيكلية. وفي بقية أوروبا تختلف الحسابات أكثر: فرنسا تواجه قيودًا مالية، وإيطاليا لديها أولويات داخلية، وإسبانيا أعلنت موقفًا أكثر تحفظًا تجاه الوصول إلى مستويات الإنفاق التي يريدها الناتو.

ولهذا فإن إعادة تسليح أوروبا ليست قرارًا عسكريًا فقط؛ إنها معركة داخلية على المال والأولويات السياسية.

الصناعة العسكرية.. المشكلة ليست في المال وحده

الحرب الأوكرانية كشفت مشكلة أعمق: أوروبا تستطيع تخصيص الأموال، لكنها لا تستطيع تحويل الأموال إلى ذخائر ومنظومات دفاعية بين ليلة وضحاها.

في بداية الحرب، كانت قدرة صناعة الاتحاد الأوروبي على إنتاج قذائف المدفعية كبيرة العيار تقدر بنحو 300 إلى 400 ألف قذيفة سنويًا. وبحلول يناير 2024 ارتفعت القدرة إلى نحو مليون قذيفة، بينما وضعت المفوضية هدفًا للوصول إلى مليوني قذيفة سنويًا بحلول نهاية 2025.

ولهذا أطلقت المفوضية برنامج ASAP لدعم إنتاج الذخائر، بتمويل أوروبي ونرويجي بلغ نحو 513 مليون يورو، بهدف معالجة اختناقات رئيسية في البارود والمتفجرات والقذائف والصواريخ. وتقول المفوضية إن البرنامج يستهدف سلسلة الإنتاج بأكملها، وليس المصانع النهائية فقط.

المشكلة إذن ليست عدد المصانع فقط.

هناك البارود، والمتفجرات، والمواد الخام، والمحركات، وسلاسل الإمداد، والعمالة المتخصصة، وعقود الشراء طويلة الأجل.

ولهذا يمكن أن تعلن الحكومات عشرات المليارات من اليورو، لكن تحويل هذه الأموال إلى قدرة عسكرية مستدامة يحتاج سنوات.

حتى الألغام عادت إلى الحسابات

ربما يكون التطور الأكثر دلالة هو عودة بعض دول شرق أوروبا إلى إعادة التفكير في الألغام المضادة للأفراد.

في 18 مارس 2025، أعلن وزراء دفاع بولندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا توصيتهم بالانسحاب من اتفاقية أوتاوا، وبرروا ذلك بتدهور البيئة الأمنية والتهديدات التي يرونها على الجناح الشرقي للناتو. وفي بيانهم أكدوا في الوقت نفسه استمرار التزامهم بالقانون الدولي الإنساني.

هنا يجب التوقف.

الألغام ليست مجرد سلاح آخر في المخازن. اتفاقية أوتاوا قامت على أساس تقليل خطر هذه الأسلحة على المدنيين حتى بعد انتهاء الحروب.

لذلك فإن العودة إليها تفتح معركة قانونية وأخلاقية حقيقية: أين ينتهي حق الدولة في الدفاع عن حدودها، وأين تبدأ مسؤوليتها عن آثار السلاح الذي قد يبقى في الأرض سنوات بعد توقف القتال؟

وهذا يفسر لماذا لا يمكن اختزال الخطوة في عبارة «أوروبا تستعد للحرب».

الأدق أن نقول إن بعض دول أوروبا الشرقية تعيد تقييم قيود كانت قد قبلتها في زمن أمني مختلف.

فرنسا تفتح ملف الردع النووي

وهناك طبقة أخرى أكثر خطورة في الحسابات الأوروبية: السلاح النووي.

فرنسا هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تمتلك قوة نووية، بينما توجد المظلة النووية الأمريكية ضمن منظومة الناتو، إلى جانب الترسانة البريطانية.

في 13 يوليو 2025، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الردع النووي الفرنسي سيظل «سياديًا» وتحت القرار الفرنسي، لكنه كلف وزير الدفاع ورئيس الأركان ببدء حوار استراتيجي مع الشركاء الأوروبيين حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الردع الفرنسي في أمن القارة. كما أعلن زيادة إضافية قدرها 10 مليارات يورو على عامي 2026 و2027 لتسريع إعادة التسلح الفرنسي.

لكن باريس لم تعرض هذا باعتباره إنشاء «مظلة نووية أوروبية» بديلة عن الولايات المتحدة.

وهنا يجب أن يكون التحليل دقيقًا.

السؤال المطروح في أوروبا هو كيف يمكن تعزيز الردع الأوروبي، وليس أن قرارًا أوروبيًا موحدًا بشأن السلاح النووي قد اتخذ.

وهذا فرق كبير.

وماذا تقول موسكو؟

لا يمكن تحليل إعادة بناء الردع الأوروبي من دون قراءة الطرف الآخر.

في نوفمبر 2024، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسومًا يعتمد المبادئ الجديدة لسياسة روسيا في مجال الردع النووي، لتحل محل وثيقة 2020. والوثيقة الروسية تحدد رسميًا المخاطر والظروف التي يمكن أن تدخل فيها الأسلحة النووية في الحسابات الروسية.

ومن وجهة نظر موسكو، توسع البنية العسكرية للناتو واقترابها من الحدود الروسية جزء من المشكلة الأمنية التي تواجهها روسيا.

أما الناتو فيرى أن تعزيز قدراته يأتي ردًا على ما يعتبره تهديدًا روسيًا طويل الأمد.

وهكذا أصبح الطرفان يتحركان داخل دائرة كلاسيكية من الردع والردع المضاد: كل طرف يقول إنه يعزز قدرته للدفاع عن نفسه، بينما يقرأ الطرف الآخر هذه الزيادة باعتبارها تهديدًا إضافيًا.

وهذه تحديدًا هي أخطر نقطة في المشهد.

فالحرب قد لا تكون هدفًا لأي من الطرفين، لكن تراكم القدرات العسكرية ورفع الجاهزية وتوسيع الخطط الدفاعية يزيد أهمية إدارة الأزمات ومنع سوء التقدير.

أوروبا أمام معادلة صعبة

المشكلة الأوروبية ليست في معرفة أن عليها أن تكون أقوى عسكريًا؛ بل في كيفية فعل ذلك دون أن تدفع المجتمعات الأوروبية ثمنًا اقتصاديًا وسياسيًا يفوق قدرتها على الاحتمال.

الرأي العام نفسه ليس كتلة واحدة. استطلاعات 2025 أظهرت دعمًا لزيادة الإنفاق في دول عديدة، لكنها أظهرت أيضًا اختلافات واضحة بين الشمال والشرق من جهة، والجنوب وبعض دول الغرب من جهة أخرى. وفي استطلاع أوروبي آخر، رأى 52% من المشاركين أن أوروبا غير مستعدة عسكريًا لخوض صراع طويل، رغم أن 67% أيدوا زيادة الاستثمار الدفاعي؛ أي أن هناك قلقًا من ضعف الجاهزية، لكن ليس بالضرورة تفويضًا مفتوحًا لأي مستوى من الإنفاق.

وهذا هو التناقض الأوروبي الحقيقي:

الخوف من الحرب يدفع إلى التسلح، لكن تكلفة التسلح قد تصبح في حد ذاتها مشكلة سياسية.

وبينما ترفع بولندا ودول البلطيق جاهزيتها، تناقش ألمانيا حجم الإنفاق وآثاره، وتحاول فرنسا تمويل إعادة التسلح في ظل ضغوط مالية، وتبقى دول أخرى أكثر تحفظًا.

لذلك لا توجد «أوروبا واحدة» في هذه المسألة.

هناك أوروبا الشرقية التي ترى التهديد قريبًا، وأوروبا الغربية التي تحاول الجمع بين الردع والدبلوماسية والاستقرار الاقتصادي، وأوروبا نووية جزئيًا تعتمد أيضًا على الولايات المتحدة داخل الناتو.

الدرس العربي

ما يجري في أوروبا يستحق اهتمام العالم العربي، ليس لأن الحرب الروسية ـ الأوروبية حتمية، وإنما لأن أوروبا نفسها أعادت تعريف مفهوم الأمن.

مخزون غذائي.

وقود.

دواء.

دفاع جوي.

ذخائر.

صناعة عسكرية.

بنية تحتية قادرة على الصمود.

أمن سيبراني.

قوات احتياط.

وردع نووي.

كل هذه الملفات أصبحت جزءًا من مفهوم واحد للأمن القومي.

وهنا يجب أن تنتبه الدول العربية إلى درس واضح: القوة العسكرية لا تبدأ عند حدود الدولة فقط، وإنما تبدأ من قدرة الدولة على الاستمرار عندما تتعطل سلاسل الإمداد والأسواق والطاقة والاتصالات.

أوروبا لا تقول إن الحرب ستبدأ غدًا.

لكنها تتصرف على أساس أنها لا تريد أن تُفاجأ بها إذا بدأت.

وهذا هو جوهر التحول.

من الملاجئ إلى الألغام، ومن مخازن الغذاء إلى مصانع القذائف، ومن الإنفاق التقليدي إلى حسابات الردع النووي، تعيد أوروبا بناء منظومة أمنها على فرضية لم تعد تستبعدها: أن زمن السلام المضمون قد انتهى.

ويبقى السؤال الأهم:

هل تستطيع أوروبا أن تعيد بناء قوتها العسكرية بالسرعة التي تتطلبها المخاطر، من دون أن تدفع اقتصاداتها ومجتمعاتها ثمنًا يهدد التماسك السياسي الذي تريد حمايته.

شاهد أيضاً

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان   عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي – العراق  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *