النوري الصل.. حين يكون الصحفي أكبر من المهنة
بقلم عبد الله دقامسة / صحافي أردني مقيم في الإمارات
أحاول أن أكتب عنه، فأجدني أتحايل على المفردات. أستدعي الكلمات واحدة تلو أخرى، وأعبث باللغة علّها تسير حيث أريد، ثم أكتشف أن بعض الرجال أكبر من أن تحتويهم جملة، وأن بعض القامات تضيق بها الأوصاف مهما اتسعت.
النوري الصل واحد من هؤلاء. أسميه، بكل ثقة (المعلّم) ولست أول من يفعل.
فقد قيل، في وصف مكانته بين أهل المهنة:
«هناك صحفيون.. وهناك النوري».
عبارة تختصر الكثير، لكنها لا تقول كل شيء؛ لأن الرجل لم يكن يومًا صحفيًا كبيرًا فحسب، بل كان كبيرًا في أخلاقه بقدر ما كان كبيرًا في مهنته، وفي إنسانيته بقدر ما كان صارمًا في احترافيته.
هو من أولئك الذين لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم كي تُسمع هيبتهم، ولا إلى استعراض خبرتهم كي تعرف أنك أمام رجل خبر الصحافة وعرف دروبها ومطباتها وأسرارها.
يكفي أن تجلس إليه، أن تناقشه في خبر أو عنوان أو زاوية، لتدرك أنك أمام صحفي لم يتعامل مع المهنة بوصفها وظيفة، بل عاشها باعتبارها قدرًا اختاره وأحبّه وأخلص له.
جاء النوري من تونس الخضراء، من بلاد عرفت للكلمة قيمتها وللصحافة تاريخها، وحمل معه شيئًا من صلابة أهلها ودفئهم معًا.
هناك بدأ الحكاية، وغاص في بحور الصحافة حتى أصبح واحدًا من معلميها، وترك أثره في صحيفة «الشروق»، كما ترك شيئًا من علمه وخبرته لدى أجيال مرّت به وتعلمت منه في معهد الصحافة وعلوم الإخبار بمنوبة.
لم يحتفظ بما يعرف لنفسه.
وهذه، ربما، واحدة من أجمل خصاله. فبعض الصحفيين يخشون أن يمنحوا أسرار مهنتهم لغيرهم، كأن المعرفة تنقص حين نتقاسمها.
أما النوري فكان من مدرسة أخرى؛ مدرسة تؤمن بأن المعلم الحقيقي لا يُقاس بما يحتفظ به، بل بما يتركه في الآخرين.
لذلك، أينما مرّ، ترك وراءه صحفيين أفضل.
علّم من عملوا معه أن الخبر ليس سباقًا إلى زر «النشر»، وأن العنوان ليس مجرد كلمات كبيرة، وأن الصحافة ليست ضجيجًا ولا ادعاءً ولا استعراضًا.
علّمهم أن التفاصيل الصغيرة قد تصنع قصة كبيرة، وأن الصحفي حين يفقد دقته يفقد جزءًا من نفسه، وحين يفرّط في مهنيته لا تعيده آلاف الأخبار إلى المكان الذي كان فيه.
ثم دارت البوصلة من المغرب العربي إلى الخليج، ومن تونس إلى الإمارات؛ أرض الخير التي اختارها لتكون محطة أخرى من رحلته، فإذا بها تصبح أكثر من محطة.
هنا واصل النوري ما بدأه هناك. واصل علاقته القديمة بالكلمة، وواصل صناعة الصحفيين، وواصل الدفاع عن مهنة أحبها ربما أكثر مما أحب أن يتحدث عن نفسه.
وفي «إرم نيوز»، حيث يتولى رئاسة التحرير، لا تحتاج إلى وقت طويل لتكتشف أن حضوره يتجاوز المسمى الوظيفي.
فهناك فرق كبير بين أن تكون رئيسًا للتحرير وأن تكون معلّمًا للتحرير.
الأول يمنحه المنصب صلاحياته، أما الثاني فتصنعه السنوات والخبرة والمواقف والقدرة على أن تجعل من حولك أفضل مما كانوا عليه.
والنوري من الصنف الثاني.
قد يختلف معك، وقد يقسو مهنيًا على نص كتبته، وقد يعيدك إلى جملة ظننت أنها مكتملة، أو إلى عنوان اعتقدت أنه لا يحتاج إلى كلمة أخرى، لكنه يفعل ذلك بعين الرجل الذي يريد للنص أن يصبح أفضل، وللصحفي أن يتعلم، وللمهنة ألا تخسر أمام الاستسهال.
وربما لهذا ظل قريبًا من الجميع. قريبًا ممن عرفوه في البدايات، وممن عملوا معه في منتصف الطريق، وممن يلتقونه اليوم. لا يبني المسافات حوله، ولا يتعامل مع الناس بمقاييس المناصب والمصالح، ولا يسأل قبل أن يمنح مودته: ماذا سيعود عليّ من هذا الإنسان؟ في زمن أصبحت فيه العلاقات، لدى كثيرين، دفاتر حسابات؛ بقي هو وفيًا بلا فاتورة.
وفي زمن صار المال عند البعض معيارًا لقيمة الرجال؛ بقيت قيمة الرجل عنده في كلمته.
وفي زمن تراجعت فيه المروءة أمام المصلحة؛ ظل وفيًا لمروءة قديمة، من ذلك النوع الذي يجعلك تشعر أن بعض الصفات الجميلة لم تنقرض بعد.
أمين على المهنة، أمين على الناس، وأمين على الود.
وحين أبحث عن صورة تشبهه، أجدني أعود إلى النخلة.
ليس فقط لأنه يعيش اليوم في الإمارات، حيث تصطف أشجار النخيل في الطرقات والبيوت والذاكرة، بل لأن في النخلة شيئًا منه: جذور ثابتة، وقامة باسقة، وظل يتسع للآخرين، وعطاء لا يطلب مقابله ضجيجًا.
كأن نخيل الإمارات عرف القادم من تونس فأحبّه، وكأنه وجد فيه شيئًا من طبعه: الثبات والعطاء والكبرياء الهادئ. ومن تونس الخضراء إلى أرض الخير، تغيرت الجغرافيا ولم يتغير الرجل.
بقي النوري الصل ذلك الصحفي الذي تسكنه المهنة، وذلك المعلم الذي يفرح حين يرى أثر ما زرعه في تلاميذه، وذلك الإنسان الذي يستطيع، من دون ضجيج، أن يتملك قلوب من عرفوه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه المرء بعد رحلة طويلة في الصحافة ليس أرشيفًا من آلاف الأخبار، ولا عناوين تصدرت الصفحات، ولا مناصب كُتبت إلى جوار اسمه.
الأجمل أن يترك أثرًا في البشر.
أن تجد صحفيًا في تونس يقول: تعلمت منه.
وآخر في الإمارات يقول: تعلمت منه.
وثالثًا في مكان بعيد يتذكر نصيحة قالها له قبل سنوات وما زالت ترافقه كلما جلس أمام شاشة بيضاء ليكتب.
تلك هي السيرة التي لا تحتاج إلى ورق.
وذلك هو المنصب الذي لا يصدر به قرار ولا ينتهي بقرار: أن تكون معلّمًا.
لهذا، كلما حاولت أن أبحث للنوري الصل عن صفة تليق به، أعود إلى البداية.
أعبث باللغة قليلًا، أستدعي الألقاب الكبيرة، وأجرّب العبارات الرنانة، ثم أتركها جميعًا جانبًا.
فبعض الرجال لا يحتاجون إلى كثير من الصفات.
يكفي أن تقول: هناك صحفيون كثيرون… وهناك النوري الصل.
أما نحن، الذين عرفناه عن قرب، فلنا اسم آخر أكثر اختصارًا، وأكثر محبة، وأكثر دلالة