أخبار عاجلة
حزام الأزمات.. من البحر الأحمر إلى الساحل: هل تتشكل جبهة جيوسياسية واحدة؟
حزام الأزمات.. من البحر الأحمر إلى الساحل: هل تتشكل جبهة جيوسياسية واحدة؟

حزام الأزمات.. من البحر الأحمر إلى الساحل: هل تتشكل جبهة جيوسياسية واحدة؟

حزام الأزمات.. من البحر الأحمر إلى الساحل: هل تتشكل جبهة جيوسياسية واحدة؟

 

يقلم الدكتور محمود سيد محمد.
الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.


لم تعد أزمات المنطقة تتحرك في مسارات منفصلة كما كانت تبدو قبل سنوات. حرب السودان تؤثر في أمن البحر الأحمر، وأزمة إثيوبيا ترتبط بسؤال الوصول إلى البحر وعلاقاتها مع إريتريا والصومال، بينما أصبح باب المندب مرتبطًا مباشرة بأمن الملاحة وقناة السويس.

لكن الخطأ هو التعامل مع هذه الأزمات باعتبارها حربًا واحدة. الأدق أنها بؤر مختلفة بدأت تتصل ببعضها عبر الجغرافيا والممرات البحرية والموارد وتنافس القوى الخارجية.

وهذا هو التحول الأخطر.

في 21 سبتمبر الجاري، أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة، بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وفانو وجيش تحرير أورومو، تشكيل تحالف ضد حكومة آبي أحمد. أهمية الخطوة ليست في إعلان التحالف وحده، وإنما في أنها تجمع قوى كانت تقاتل بعضها بعضًا، في وقت تشهد فيه تيغراي توترات جديدة. ومع ذلك، فإن قدرة هذه الجماعات على العمل العسكري والسياسي كجبهة واحدة ما زالت موضع شك بسبب خلافاتها ومواقعها الجغرافية المختلفة.

إثيوبيا هنا ليست مجرد أزمة داخلية. فهي دولة محورية في القرن الإفريقي، وأي اضطراب واسع داخلها ستكون له انعكاسات على إريتريا والسودان والصومال، وعلى معادلات البحر الأحمر.

من السودان إلى البحر الأحمر

السودان يمثل الحلقة الأكثر وضوحًا في هذه السلسلة.

الحرب التي بدأت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع تحولت إلى ساحة تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع المصالح الإقليمية والدولية. وتقول تقارير أممية حديثة إن الدعم الخارجي بالسلاح والطائرات المسيّرة أصبح عاملًا مهمًا في استمرار الحرب، بينما تشير تقارير أخرى إلى امتداد تأثير الصراع إلى الحدود مع إثيوبيا وليبيا وتشاد.

وبذلك لم يعد السودان مجرد دولة غارقة في حرب أهلية؛ بل أصبح موقعًا تتقاطع عنده مصالح متعددة: البحر الأحمر، القرن الإفريقي، الساحل، طرق التجارة، الذهب، والهجرة.

ثم تأتي اليمن.

فإذا كان السودان يمثل البوابة البرية إلى قلب القرن الإفريقي، فإن باب المندب يمثل البوابة البحرية. وتصاعد تهديد الملاحة في البحر الأحمر يعيد رسم الحسابات الأمنية لمصر والسعودية، لأن اضطراب باب المندب لا يتوقف عند سواحل اليمن؛ بل يصل أثره إلى قناة السويس والطاقة والتجارة الدولية.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن تجدد هجمات الحوثيين على الملاحة وامتداد نفوذهم على أجزاء استراتيجية من الساحل اليمني رفعا مستوى المخاطر على باب المندب بصورة مباشرة.

وهنا تحديدًا تتقاطع المصالح المصرية والسعودية.

مصر معنية مباشرة بأمن قناة السويس والبحر الأحمر، والسعودية معنية بأمن سواحلها الغربية ومنشآتها النفطية ومسارات صادراتها. ولذلك فإن التعاون بين القاهرة والرياض في أمن البحر الأحمر لم يعد ملفًا ثانويًا، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي. وقد عكست زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة في 15 سبتمبر تصاعد أهمية هذا الملف في ظل التطورات في باب المندب.

ولماذا تدخل القوى الكبرى؟

لأن البحر الأحمر لم يعد بحرًا إقليميًا بالمعنى التقليدي.

الولايات المتحدة موجودة عسكريًا، والصين لديها مصالح وقواعد ووجود اقتصادي، وروسيا تعمل على توسيع حضورها في إفريقيا، بينما تتحرك تركيا والإمارات والسعودية وإيران وإسرائيل وفق حسابات مختلفة.

الموانئ أصبحت جزءًا من الصراع.

برًّا، تتنافس القوى على النفوذ في السودان والصومال وإثيوبيا وليبيا ودول الساحل. وبحرًا، تتزايد أهمية الموانئ والجزر والممرات البحرية.

والتنافس الخليجي نفسه انتقل إلى إفريقيا. دراسات حديثة تشير إلى أن التنافس السعودي ـ الإماراتي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي أصبح أحد العوامل التي تعيد تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة، بالتوازي مع حضور تركيا وإسرائيل والقوى الدولية.

أما الساحل، فهو الحلقة الغربية في هذا الحزام.

فالتقرير الأممي الخاص بمكتب الأمم المتحدة لغرب إفريقيا والساحل رصد استمرار الهجمات الإرهابية، والتوترات بين الدول، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، واستغلال الجماعات المسلحة لضعف الدولة والمناطق الحدودية. وفي مالي وحدها شهد عام 2026 تصعيدًا كبيرًا في نشاط الجماعات المسلحة وامتداد الهجمات إلى طرق ومناطق استراتيجية.

وهنا تظهر أهمية الجزائر.

فالجزائر ليست جزءًا من أزمة البحر الأحمر، لكنها تقع عند نقطة اتصال بين شمال إفريقيا والساحل، وتملك حدودًا واسعة مع منطقة أصبحت تشهد توسعًا في نشاط الجماعات المسلحة وتنافسًا متزايدًا بين القوى الدولية. ولهذا فإن إدراج الجزائر في معادلة “الدول الارتكازية” لا يستند إلى قربها من البحر الأحمر، وإنما إلى موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في أمن الساحل وشمال إفريقيا.

أما العراق، فدخوله في هذه المعادلة مختلف.

العراق ليس دولة ارتكاز جغرافية في الحزام الإفريقي، لكنه جزء من الجبهة الشرقية للأمن العربي، ويتأثر مباشرة بالتنافس الإيراني ـ الأمريكي والإسرائيلي وبأمن الخليج والطاقة. لذلك من الأدق وصفه بأنه دولة مؤثرة في منظومة الأمن الإقليمي، وليس وضعه في الفئة نفسها مع مصر والسعودية والجزائر.

وهذا التفريق مهم.

مصر والسعودية والجزائر.. ثلاث جغرافيات مختلفة

مصر تمثل نقطة الاتصال بين المتوسط والبحر الأحمر، والسعودية تتحكم في جزء رئيسي من الساحل الشرقي للبحر الأحمر وتجاور أهم ممرات الطاقة في العالم، بينما تمثل الجزائر ثقلًا جغرافيًا وأمنيًا في شمال إفريقيا والساحل.

ليست المشكلة إذن في أن هذه الدول ستدخل حتمًا في حروب.

المشكلة أن مساحة المناورة أمامها تضيق كلما اتصلت الأزمات ببعضها.

فإذا استقر السودان، تراجعت ضغوط مهمة على مصر والبحر الأحمر.

وإذا هدأ باب المندب، انخفض الضغط على قناة السويس والسعودية.

وإذا تراجعت التهديدات في الساحل، أصبح أمن الجزائر وشمال إفريقيا أكثر استقرارًا.

أما إذا حدث العكس، فقد تبدأ الأزمات في تغذية بعضها بعضًا.

أين يمكن أن ينفجر المشهد؟

هناك أربع إشارات تستحق المراقبة:

أولًا: تحول التحالف الإثيوبي الجديد من إعلان سياسي إلى تنسيق عسكري فعلي، خصوصًا إذا توسعت المواجهات في تيغراي أو امتدت إلى مناطق أخرى.

ثانيًا: انتقال أزمة البحر الأحمر من تهديد الملاحة إلى إغلاق فعلي أو طويل الأمد لباب المندب، بما يرفع كلفة التجارة والطاقة بصورة كبيرة.

ثالثًا: تحول الحرب السودانية إلى صراع إقليمي مباشر عبر الحدود، بدل بقائها في إطار الحرب الداخلية المدعومة خارجيًا.

رابعًا: اتساع نشاط الجماعات المسلحة في الساحل باتجاه طرق التجارة والحدود مع دول شمال إفريقيا، بما يخلق اتصالًا أمنيًا مباشرًا بين الساحل والبحر المتوسط.

هذه هي عتبات التصعيد الحقيقية، وليس مجرد ارتفاع حدة الخطاب السياسي.

ثلاثة مسارات أمام المنطقة

المسار الأول هو الاحتواء: تبقى الأزمات منفصلة نسبيًا، وتنجح القوى الإقليمية في منع انتقالها من دولة إلى أخرى.

المسار الثاني هو الترابط التدريجي: لا تنفجر حرب إقليمية شاملة، لكن تتحول الموانئ والحدود والموارد والممرات البحرية إلى ساحات تنافس بالوكالة.

أما المسار الثالث فهو الاندماج الأمني: تتزامن أزمات السودان والقرن الإفريقي والبحر الأحمر والساحل، بحيث يصبح التعامل مع أي ملف منفرد غير ممكن دون معالجة الملفات الأخرى.

وهذا المسار الأخير هو الأكثر خطورة، لكنه ليس قدرًا محتومًا.

الخطر الحقيقي ليس في كثرة الأزمات.. بل في اتصالها

العالم لا يحتاج إلى حرب واحدة حتى يدخل مرحلة شديدة الاضطراب.

يكفي أن تتصل عدة أزمات صغيرة ومتوسطة عبر الممرات البحرية والحدود والأسواق والسلاح والمصالح الدولية.

من هنا يجب قراءة ما يحدث في السودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال واليمن وليبيا والساحل ليس باعتباره سلسلة حروب متطابقة، وإنما باعتباره حزامًا من الأزمات تتقاطع داخله المصالح.

والسؤال الذي ستواجهه مصر والسعودية والجزائر ودول المنطقة خلال المرحلة المقبلة ليس: من سيشتعل أولًا؟

بل: كيف تمنع انتقال النار من بؤرة إلى أخرى؟

ففي الجغرافيا السياسية، لا تنتقل الأزمات دائمًا بالدبابات. أحيانًا تنتقل عبر ميناء، أو حدود، أو طريق تجاري، أو جماعة مسلحة، أو أزمة طاقة.

وهذا بالضبط ما يجعل البحر الأحمر والساحل الإفريقي في المرحلة المقبلة ليسا ملفين منفصلين، وإنما اختبارًا لقدرة دول المنطقة على إدارة عالم تتراجع فيه المسافات بين الأزمات.

 

اقرا ايضا

الشرق الأوسط يعاد تشكيله.. من يملك مفاتيح المرحلة الجديدة؟

شاهد أيضاً

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان   عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي – العراق  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *