“وحش التضخم المستعصي”: قراءة نقدية للمحلل الاقتصادي العربي بن بوهالي في أسباب وأبعاد ارتفاع التضخم في تونس
تونس – “سبق”:
نشر المحلل الاقتصادي العربي بن بوهالي تحليلاً مطولاً على منصة التواصل الاجتماعي “فايسبوك” تحت عنوان “وحش التضخم المستعصي الجديد: القصة الحقيقية وراء أرقام التضخم المزمن والمستعصي (Sticky inflation Monster)”، سلّط فيه الضوء على الأسباب الهيكلية والنقدية الكامنة وراء عجز الحكومات عن كبح جماح التضخم في تونس، متناولاً بالتفصيل أرقام شهر أغسطس 2026 وتداعياتها على الاقتصاد الوطني والقوة الشرائية للمواطنين.
مفاصل الأزمة: لماذا يعود التضخم للارتفاع؟
أشار بن بوهالي في تحليله إلى أن البنك المركزي التونسي يواجه موجة ثانية من التضخم المرتفع بعد عودة المؤشر للارتفاع إلى 5.4 بالمائة في شهر أغسطس المنقضي مقارنة بـ 5.1 بالمائة في يوليو، مرجعاً ذلك إلى جملة من العوامل البنيوية والسياسات المالية:
-
الضرائب وتضخم دفع التكلفة (Cost-Push inflation): لفت المحلل إلى أن لجوء الحكومة لزيادة تحصيل الضرائب بنسبة 8 بالمائة هذا العام (و7 بالمائة في 2025) لتعويض تكاليف الطاقة، وزيادة الضرائب غير المباشرة كالقيم المضافة، ينعكس مباشرة على أسعار التجزئة ويغذي التضخم قصير الأجل.
-
تداعيات قطاع التمويل الأصغر: أشار إلى نمو الإقراض في قطاع القروض الصغرى بنسبة 20 بالمائة ليصل إلى 3,010 مليون دينار، مستهدفاً طبقة الفقراء بمعدلات فائدة تصل إلى 30 بالمائة سنوياً لنحو 856,000 مقترض (استناداً لتقرير البنك المركزي في 27 أغسطس 2026)، وهو ما يرفع تكاليف المعيشة على الفئات الضعيفة التي تنفق دخلها أغلبـه على الغذاء والصحة والنقل.
-
التضخم النقدي (Monetary Inflation): ارتفاع المعروض النقدي (M1) بنسبة 14 بالمائة سنوياً ووصول السيولة النقدية إلى 30,000 مليون دينار، إلى جانب استمرار العجز المزدوج (الميزانية والميزان التجاري) واللجوء لطباعة النقود.
-
الاقتصاد الموازي وسلاسل الإمداد: عجز السلطات عن السيطرة على الاقتصاد الموازي (الذي يمثل نحو 40 بالمائة من النشاط الاقتصادي مقابل 60 بالمائة للقطاع المنظم) ورفض إصلاح شبكات التوزيع أو إلغاء الاعتماد على الشيكات في الدفع.
-
تشوهات الدعم: اعتبر بن بوهالي أن الدعم التقليدي للغذاء والطاقة يشكل “كابحاً ميكانيكياً” مؤقتاً يخفي التضخم الحقيقي؛ بدليل أن المواد المدعومة لم ترتفع سوى بنسبة 0.2 بالمائة الشهر الماضي، بينما قفزت أسعار المواد غير المدعومة (في السوق الحرة) بنسبة 8.5 بالمائة (أي بـ 42 ضعفاً).
تآكل القوة الشرائية وفقدان 20 بالمائة من قيمة الدينار
استند المحلل إلى بيانات المعهد الوطني للإحصاء (INS) ليُبيّن أن مؤشر أسعار المستهلك بلغ 197.3 نقطة في أغسطس، مما يعني أن تكلفة سلة السلع والخدمات تضاعفت مقارنة بسنة الأساس 2015 (100 دينار)، مسجلة زيادة حقيقية بمتوسط 8.46 بالمائة سنوياً على مدى 11.5 سنة.
وأكد التحليل أن الأسر التونسية فقدت أكثر من 20 بالمائة من قوتها الشرائية الحقيقية خلال السنوات الثلاث الماضية، مبيناً أن الزيادة الأخيرة في الرواتب بنسبة 5 بالمائة (أي 3.5 بالمائة صافي) ستلتهمها بالكامل معدلات التضخم الحالية، مما يزيد من الضغط المعيشي.
مقترحات وحلول للخروج من الأزمة
ختم بن بوهالي تحليله بتقديم توصيات اقتصادية هيكلية تتضمن:
-
إصلاح الدعم: إعادة توجيه دعم الغذاء والطاقة واستهداف الفئات التي تحتاجه حقاً (نحو 40 بالمائة من السكان).
-
التعاون مع المؤسسات الدولية: ضرورة استئناف التفاوض والتعاون مع صندوق النقد الدولي لاقتراض نحو 3 مليارات دولار بفوائد مخفضة (3 بالمائة) لدعم احتياطي العملة الأجنبية (لتغطية واردات 150 يوماً)، تحسين التصنيف الائتماني لدى وكالة “فيتش” إلى درجة (BBB-)، حماية الدينار، ومكافحة التضخم المستورد وصدمات الإمداد العالمية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية.
سبق صوتك .. يسبقك