بقلم الدكتور محمود سيد محمد.
الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.

ــــ
الخليج العربي لا يعاني من نقص في السلاح. دول مجلس التعاون الخليجي تنفق مليارات الدولارات على الطائرات المقاتلة والدفاع الجوي والسفن والصواريخ، وتملك بعض أحدث المنظومات العسكرية في العالم.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش ليس: كم سلاحًا تملك هذه الدول؟
السؤال الأصعب هو: إلى أي مدى تستطيع تشغيل هذا السلاح وصيانته وتطويره وتعويض خسائره من دون أن تصبح رهينة للقرار السياسي للدولة الموردة؟
وهنا يجب أن يكون النقاش أكثر دقة. الاعتماد على السلاح الأمريكي لا يعني تلقائيًا التبعية، كما أن شراء السلاح من روسيا أو الصين لا يعني الاستقلال. الولايات المتحدة توفر لدول الخليج منظومات متقدمة، وتدريبًا ودعمًا لوجستيًا وتعاونًا استخباراتيًا وتوافقًا عملياتيًا، فضلًا عن أن الوجود العسكري الأمريكي يمثل عنصر ردع مهمًا في الحسابات الأمنية الخليجية.
لكن الاعتماد الكبير على مورد واحد يخلق نقطة ضعف ينبغي حسابها.
السلاح ليس صفقة تنتهي عند التسليم
الطائرة المقاتلة ليست مجرد طائرة، ومنظومة الدفاع الجوي ليست مجرد صاروخ. وراء كل منظومة شبكة من قطع الغيار والذخائر والبرمجيات والصيانة والتحديث والتدريب.
ولهذا فإن استقلال الدولة عسكريًا له أكثر من معنى: هناك استقلال القرار السياسي، واستقلال التوريد، والقدرة على التشغيل والصيانة، ثم الاستقلال الصناعي والتكنولوجي.
ولا تستطيع حتى القوى الكبرى تحقيق استقلال كامل في كل هذه المجالات. لذلك فإن الهدف الواقعي ليس «الاستقلال المطلق»، وإنما تقليل الاعتماد ورفع قدرة الدولة على المناورة إذا تغيرت الظروف السياسية أو العسكرية.
وتكشف بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «SIPRI» حجم الاعتماد الإقليمي. ففي الفترة 2021–2025 استحوذت دول الشرق الأوسط على 26% من واردات الأسلحة الرئيسية عالميًا، وجاءت 54% من واردات الأسلحة الرئيسية للمنطقة من الولايات المتحدة. وتصدر عدد من دول الخليج قائمة كبار مستوردي السلاح عالميًا خلال الفترة نفسها. وهذه الأرقام تقيس حجم نقل الأسلحة وفق منهجية SIPRI، ولا تمثل القيمة المالية الفعلية للعقود.
هذه الأرقام لا تثبت أن السلاح الأمريكي مشكلة في حد ذاته، لكنها تكشف حجم الاعتماد على مصدر واحد في بيئة إقليمية شديدة التوتر.
واشنطن ليست المشكلة الوحيدة
هناك رأي يقول إن الحل ببساطة هو الانتقال إلى روسيا والصين.
لكن هذه المقاربة تختزل المسألة أكثر مما ينبغي.
روسيا مثلًا شهدت تراجعًا كبيرًا في صادراتها من الأسلحة الرئيسية؛ فقد انخفضت صادراتها بنسبة 64% بين 2016–2020 و2021–2025، وفق SIPRI. كما تراجعت قدرتها على تلبية بعض الأسواق نتيجة ظروف الحرب والعقوبات وإعادة توجيه الإنتاج.
أما الصين، فهي قوة صناعية وتكنولوجية صاعدة، وتمثل شريكًا مهمًا في بعض المجالات، لكنها ليست بديلًا خاليًا من المخاطر.
لذلك فإن نقل الاعتماد من واشنطن إلى موسكو أو بكين لا يحل المشكلة.
المطلوب ليس استبدال مورد بمورد، وإنما تقليل الاعتماد على أي مورد واحد.
الخليج بدأ بالفعل في بناء البديل
المهم أن بعض دول الخليج بدأت تتحرك في هذا الاتجاه.
السعودية أعلنت هدف توطين أكثر من 50% من الإنفاق الحكومي على المعدات والخدمات العسكرية بحلول 2030، فيما تشير بيانات الهيئة العامة للصناعات العسكرية إلى وصول نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى 24.89% بنهاية 2024. وتعمل الشركة السعودية للصناعات العسكرية «SAMI» على تطوير قدرات في الطيران والأنظمة البرية والبحرية والإلكترونيات والدفاع.
وفي الإمارات، أصبحت مجموعة «EDGE» نموذجًا آخر للصناعة الدفاعية الخليجية، مع نشاط في الطائرات المسيّرة والأسلحة الذكية والرادارات والحرب الإلكترونية والفضاء وغيرها من المجالات.
لكن هناك فارقًا مهمًا بين تجميع منتج أجنبي وبين امتلاك التكنولوجيا.
التوطين الحقيقي يبدأ عندما تمتلك الدولة المهندس الذي يفهم المنظومة، والمصنع الذي ينتج المكونات، والبرمجيات التي تستطيع تطويرها، ومراكز الاختبار، وحقوق الصيانة والتحديث، وسلسلة إمداد قادرة على العمل في ظروف الحرب.
وهذه عملية لا تُبنى في عام أو عامين.
ماذا لو طال أمد الحرب؟
هنا تظهر قيمة الاستقلال الصناعي بصورة أوضح.
في حرب قصيرة قد لا يظهر أثر الاعتماد على الخارج بصورة كبيرة. لكن ماذا يحدث إذا امتدت المواجهة لأشهر؟
ماذا لو ارتفع استهلاك الذخائر؟
ماذا لو تأخرت قطع الغيار؟
ماذا لو احتاجت الطائرات إلى عمليات صيانة واسعة؟
ماذا لو أصبحت بعض الأنظمة بحاجة إلى تحديثات أو دعم فني لا يمكن توفيره محليًا؟
هذه السيناريوهات لا تعني أن واشنطن ستوقف دعم حلفائها بالضرورة، لكنها تفرض سؤالًا استراتيجيًا مشروعًا: هل تستطيع الدولة مواصلة عملياتها العسكرية إذا تعطلت إحدى حلقات سلسلة الإمداد؟
من هنا تصبح المخزونات الاستراتيجية، وتعدد مصادر التوريد، ومراكز الصيانة الإقليمية، والإنتاج المحلي، عناصر من الأمن القومي وليست مجرد ملفات صناعية.
المشكلة الخليجية جماعية أيضًا
هناك جانب آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي: الأمن الخليجي لا يمكن التعامل معه بالكامل من خلال ست خطط منفصلة.
دول مجلس التعاون تمتلك قدرات مالية وعسكرية كبيرة، لكن بناء قاعدة دفاعية مشتركة يمكن أن يخفض التكلفة ويرفع الكفاءة.
لماذا لا يكون هناك صندوق خليجي مشترك للصناعات الدفاعية؟
ولماذا لا تُنشأ مراكز إقليمية مشتركة لصيانة الطائرات والرادارات والمنظومات البرية والبحرية؟
ولماذا لا تتجه الدول الست إلى مشروعات مشتركة في المسيّرات والرادارات والحرب الإلكترونية والاتصالات والأقمار الصناعية؟
قد لا تكون الفكرة في إنتاج مقاتلة خليجية غدًا، فهذا هدف مكلف وغير واقعي على المدى القصير.
الأكثر واقعية أن يبدأ العمل بالمكونات التي يمكن إنتاجها محليًا، ثم الأنظمة الفرعية، ثم التطوير المشترك، وصولًا إلى منظومات أكثر تعقيدًا.
من شراء السلاح إلى شراء المعرفة
كل صفقة تسليح كبرى يجب أن تُطرح معها مجموعة من الأسئلة:
كم عدد المهندسين الذين سيتدربون؟
ما التكنولوجيا التي ستنتقل؟
ما نسبة التصنيع المحلي؟
هل تستطيع الدولة صيانة المنظومة وتطويرها؟
هل توجد مراكز أبحاث وجامعات تشارك في المشروع؟
وماذا سيبقى داخل الدولة بعد انتهاء العقد؟
هذه الأسئلة أهم من حجم الصفقة نفسها.
فالإنفاق العسكري الذي ينتهي عند استلام السلاح يرفع القدرة العسكرية في المدى القصير، أما الإنفاق الذي يبني مصنعًا ومختبرًا ومهندسًا وسلسلة توريد فيضيف إلى القوة الوطنية عامًا بعد عام.
الطريق ليس الانفصال عن الحلفاء
لا تحتاج دول الخليج إلى قطع علاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة، ولا إلى الانضمام إلى «معسكر شرقي».
الأكثر واقعية هو بناء سياسة تقوم على تعدد الشركاء وتعدد مصادر التكنولوجيا.
تستطيع دول الخليج أن تتعاون مع الولايات المتحدة في مجالات، ومع أوروبا في مجالات أخرى، ومع الصين أو غيرها في مجالات مناسبة، مع الحفاظ على خطوط حمراء واضحة في التكنولوجيا الحساسة والأمن القومي.
لكن التنويع وحده لا يكفي.
فإذا كانت الدولة تشتري ستة أنواع من السلاح من ست دول، لكنها لا تستطيع صيانة أي منها دون الشركات الأجنبية، فقد تنوعت مصادرها ولم تحقق استقلالها.
ولهذا يجب أن يسير التنويع مع التوطين.
سبع خطوات عملية
إذا أرادت دول الخليج تقليل اعتمادها الخارجي، فهناك خطوات يمكن البدء بها:
1. تنويع مصادر التسليح للأنظمة الحيوية، وعدم وضع كل القدرات في يد مورد واحد.
2. إنشاء مخزون استراتيجي من الذخائر وقطع الغيار الحساسة بما يتناسب مع سيناريوهات الحرب المحتملة.
3. توسيع مراكز الصيانة والإصلاح الخليجية بحيث لا ترتبط جاهزية المنظومات بالكامل بمراكز خارج المنطقة.
4. ربط العقود العسكرية بنقل التكنولوجيا والتدريب والبحث والتطوير، بدل الاكتفاء بشراء المنصات الجاهزة.
5. إنشاء صندوق خليجي للصناعات الدفاعية يمول المشروعات المشتركة بدل تكرار الإنفاق في كل دولة بصورة منفصلة.
6. الاستثمار في العنصر البشري، خصوصًا في الهندسة والإلكترونيات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية.
7. الانتقال تدريجيًا من التجميع إلى التصميم والتطوير؛ لأن امتلاك التكنولوجيا هو المرحلة التي تمنح الصناعة الدفاعية قدرتها الحقيقية على الاستمرار.
الخليج أمام خيار استراتيجي طويل المدى، وليس أمام صفقة سلاح جديدة.
فالقوة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ التي تدخل المخازن، وإنما بقدرة الدولة على إبقائها في الخدمة عندما تتغير الظروف.
السلاح الأمريكي يمكن أن يكون جزءًا من أمن الخليج، وكذلك السلاح الأوروبي أو الآسيوي، لكن لا ينبغي أن يتحول أي مورد إلى مفتاح وحيد للقوة العسكرية.
الهدف ليس أن يتوقف الخليج عن شراء السلاح، وإنما أن يتوقف عن شراء السلاح وحده.
فالاستقلال الحقيقي يبدأ عندما تتحول الصفقة من نهاية للعلاقة مع المورد إلى بداية لبناء معرفة وصناعة وقدرة محلية.
وعندها يصبح السؤال مختلفًا:
ليس «من سيحمينا إذا اندلعت الحرب؟»، بل «إلى أي مدى نستطيع أن نحمي أنفسنا إذا تغيرت شروط الحرب والسياسة..
سبق صوتك .. يسبقك