الشرق الأوسط يعاد تشكيله.. من يملك مفاتيح المرحلة الجديدة؟
بقلم د. صالح السقا.
رئيس الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.
لم تعد منطقة الشرق الأوسط تتحرك من أزمة إلى أخرى كما كان يحدث في السنوات الماضية. ما يجري الآن أكبر من ذلك. هناك تغير واضح في قواعد اللعبة نفسها، وفي طريقة إدارة الصراع، وفي حسابات الدول التي وجدت نفسها أمام واقع لم تعد فيه الحدود الجغرافية كافية لحماية مصالحها.
الحرب مع إيران فتحت الباب أمام أسئلة لم تكن مطروحة بهذه الحدة من قبل. مضيق هرمز أصبح في قلب المواجهة، والبحر الأحمر لم يعد مجرد ممر تجاري، وباب المندب تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية، بينما بقيت غزة ولبنان وسوريا ساحات مفتوحة على احتمالات متعددة.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: المنطقة لم تعد أمام صراع واحد يمكن احتواؤه، وإنما أمام صراعات متشابكة، كل واحد منها يغذي الآخر.
في سبتمبر الجاري، اتسعت تحركات الحوثيين في اليمن بصورة لافتة، مع سيطرتهم على أجزاء واسعة من الساحل المطل على البحر الأحمر ووصولهم إلى مناطق وجزر قريبة من باب المندب، بحسب تقارير نقلت عن مصادر يمنية ودولية. الأمم المتحدة وصفت التطورات في اليمن بأنها دخول إلى مرحلة أكثر خطورة.
هذه التطورات لا تخص اليمن وحده.
من يسيطر على باب المندب يملك ورقة مؤثرة في حركة التجارة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، ويقترب من أحد أهم الشرايين التي تصل آسيا بأوروبا عبر قناة السويس.
ولهذا فإن أي اضطراب في هذه المنطقة ستكون له انعكاسات مباشرة على مصر ودول الخليج والأسواق العالمية.
واللافت أن السعودية نفسها أصبحت أمام معادلة أكثر تعقيدًا. فبعد أن كان البحر الأحمر يمثل بالنسبة إليها طريقًا بديلًا عن مضيق هرمز، جاءت التطورات في اليمن لتضع هذا البديل تحت الضغط أيضًا. كما تعرضت منشآت وخطوط نقل الطاقة السعودية لهجمات، الأمر الذي زاد حساسية ملف أمن الطاقة والممرات البحرية.
وهنا تتضح أهمية الموقف المصري.
القاهرة تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره جزءًا من أمنها القومي، وليس مجرد ممر ملاحي. وأي تغير في وضع باب المندب ينعكس بالضرورة على حركة الملاحة في قناة السويس وعلى الاقتصاد المصري وعلى أمن البحر الأحمر كله.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يؤكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في سبتمبر، أهمية أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب دعم مسار سياسي للأزمة اليمنية.
لكن المسألة لا تقف عند حدود البحر الأحمر.
في الخليج، أصبح مضيق هرمز أحد مفاتيح الأزمة. وهو ما يجعل إيران قادرة على التأثير في واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم، بينما تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها منع تحول هذا المضيق إلى أداة ضغط دائمة.
وهنا تغيرت طبيعة الصراع.
لم يعد السلاح وحده هو المقياس. الموانئ، خطوط النفط، الجزر، الممرات البحرية، حركة السفن وأسعار الطاقة أصبحت كلها جزءًا من المعركة.
ولهذا فإن ما يحدث في هرمز لا يمكن فصله عن باب المندب.
إذا أُغلق أو تعطل أحد الممرين، تستطيع الدول المتضررة البحث عن بدائل جزئية. أما إذا تعرض الممران للضغط في الوقت نفسه، فإن المشكلة تصبح أكبر بكثير، لأنها تمس حركة الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب في وقت واحد.
وفي الخلفية توجد إسرائيل ولبنان وغزة وسوريا.
فحتى عندما ينخفض مستوى القتال في جبهة، لا يعني ذلك أن المنطقة دخلت مرحلة الاستقرار. الوضع في جنوب لبنان لا يزال هشًا، والأمم المتحدة تحدثت خلال سبتمبر عن تدهور أمني ووجود عسكري إسرائيلي متزايد شمال الخط الأزرق. وفي غزة، لا يزال الملف الإنساني والسياسي بعيدًا عن التسوية النهائية.
أما سوريا، فتبدو هي الأخرى جزءًا من صراع النفوذ الإقليمي. تركيا وإسرائيل تنظر كل منهما إلى مستقبل النفوذ داخل الأراضي السورية من زاوية مختلفة، فيما تحاول دمشق تثبيت سيادتها في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. وقد ظهر هذا التوتر بوضوح في النقاشات الأخيرة داخل مجلس الأمن.
السؤال إذن ليس: هل ستنتهي هذه الحرب أم لا؟
السؤال الأهم هو: ماذا سيبقى بعد أن تهدأ المدافع؟
فالمنطقة التي ستخرج من هذه المرحلة لن تكون بالضرورة هي المنطقة التي دخلت إليها.
هناك ترتيبات أمنية جديدة تظهر في الخليج وحوله. السعودية وتركيا وباكستان وقعت في أغسطس اتفاق دفاع مشترك، في خطوة تعكس بحث بعض دول المنطقة عن صيغ أمنية لا تعتمد بالكامل على المظلة الأمريكية التقليدية.
وفي الوقت نفسه، تحاول دول عربية الحفاظ على مساحة للمناورة بدل الانخراط في محور واحد.
وهذا تحديدًا ما يجعل المرحلة المقبلة مختلفة.
القاهرة لا تستطيع التعامل مع أمن البحر الأحمر بمعزل عن الخليج، ولا تستطيع الرياض فصل أمنها عن اليمن وإيران، ولا تستطيع دول الخليج تجاهل ما يحدث في هرمز، كما لا يمكن فصل كل ذلك عن مستقبل غزة ولبنان وسوريا.
لقد أصبحت الملفات مترابطة.
والخطر الحقيقي ليس فقط في اندلاع حرب جديدة، وإنما في أن تتحول المنطقة إلى مجموعة أزمات دائمة، كل أزمة منها تمنح الأخرى أسبابًا جديدة للاستمرار.
لكن وسط هذا المشهد توجد فرصة أيضًا.
دول المنطقة أصبحت تدرك أن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية لا يضمن دائمًا الأمن. والسنوات الأخيرة أظهرت أن القوى الكبرى قد تتدخل عندما تتوافق مصالحها مع التدخل، وقد تعيد حساباتها عندما تتغير كلفة الحرب.
ولهذا بدأ الحديث عن ترتيبات أمنية إقليمية جديدة يأخذ مساحة أكبر في النقاش السياسي والاستراتيجي.
لكن بناء نظام أمني جديد لن يكون سهلًا.
فالخلافات بين دول المنطقة عميقة، والثقة ليست كاملة، ومصالح إيران تختلف عن مصالح إسرائيل، ومصالح تركيا ليست دائمًا متطابقة مع مصالح العرب، كما أن الولايات المتحدة لن تتخلى بسهولة عن موقعها التقليدي في المنطقة.
لذلك نحن أمام مرحلة انتقالية طويلة، وليس أمام تغيير يحدث بين ليلة وضحاها.
الشرق الأوسط اليوم يقف أمام مفترق طرق.
إما أن تستمر المنطقة في إدارة أزماتها بالطريقة القديمة: حرب، ثم هدنة، ثم أزمة جديدة، ثم تدخل خارجي، ثم عودة إلى نقطة الصفر.
وإما أن تبدأ الدول الرئيسية في المنطقة بالنظر إلى الأمن باعتباره مصلحة مشتركة، لا مجموعة تحالفات مؤقتة ضد خصم محدد.
وهنا ستكون مصر أمام مسؤولية كبيرة.
فموقعها الجغرافي يجعل أمن الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط وغزة وليبيا ملفات تمسها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ولذلك فإن الدور المصري لن يكون مرتبطًا فقط بما تملكه القاهرة من أدوات عسكرية، وإنما بقدرتها على الجمع بين الأمن والسياسة والدبلوماسية والحفاظ على قنوات الاتصال مع الأطراف المختلفة.
المشهد لم يُحسم بعد.
لكن المؤكد أن الشرق الأوسط الذي سيخرج من هذه المرحلة لن يكون هو نفسه الذي دخلها.
المعركة الحقيقية بدأت تتجاوز سؤال من ينتصر في الحرب؟ إلى سؤال أكبر بكثير:
من سيضع قواعد اللعبة عندما تنتهي الحرب؟
وهنا تحديدًا ستظهر الدول التي تملك القدرة على حماية أمنها، وتأمين مصالحها، والحفاظ على استقلال قرارها، دون أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لحسابات الآخرين.