أخبار عاجلة
إس-400 في مصر.. هل تغيّر موسكو قواعد اللعبة في سماء الشرق الأوسط؟
إس-400 في مصر.. هل تغيّر موسكو قواعد اللعبة في سماء الشرق الأوسط؟

إس-400 في مصر.. هل تغيّر موسكو قواعد اللعبة في سماء الشرق الأوسط؟

إس-400 في مصر.. هل تغيّر موسكو قواعد اللعبة في سماء الشرق الأوسط؟

 

بقلم الدكتور محمود سيد محمد – الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.

 


في السياسة لا تأتي بعض صفقات السلاح منفصلة عن سياقها. أحيانًا تكون المنظومة الصاروخية نفسها هي الجزء الأقل أهمية في القصة، بينما تكون الرسالة التي تحملها هي الأهم.

 

وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن انتقال منظومات «إس-400» التركية إلى دولة أخرى جديرًا بالمتابعة.

 

في 26 سبتمبر 2026، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن تركيا لا تستطيع نقل المنظومات الموجودة لديها إلى دولة ثالثة من دون موافقة موسكو، وإن روسيا يمكن أن توافق على ذلك إذا كانت الدولة المستقبلة صديقة ومسؤولة وتقدم ضمانات بعدم إعادة نقلها. وبعدها بأيام، أكد الكرملين أن الاتصالات بشأن نقل المنظومات جارية بالفعل.

 

هذه المرة لم يكن الحديث عن شائعة عابرة.

 

لكن اسم الدولة المستقبلة ظل خارج الإعلان الروسي. وهنا دخلت مصر إلى دائرة الاحتمالات التي تتداولها بعض التقارير، رغم عدم وجود إعلان مصري رسمي يؤكد أن القاهرة طلبت الحصول على المنظومات التركية.

 

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد صفقة تسليح، لكن خلفها قصة أكبر بدأت قبل تسع سنوات.

 

عندما قررت تركيا شراء «إس-400» من روسيا، كانت تعرف أنها تدخل منطقة شديدة الحساسية بالنسبة إلى واشنطن.

وفي النهاية دفعت أنقرة ثمن القرار: عقوبات أمريكية بموجب قانون «كاتسا»، وإخراجها من برنامج «إف-35». الولايات المتحدة قالت في ذلك الوقت إن الصفقة تمثل خطرًا على التكنولوجيا والمصالح الأمنية الأمريكية.

 

اليوم تحاول تركيا الخروج من هذا المأزق.

 

ولهذا فإن نقل المنظومة إلى دولة ثالثة يخدم أنقرة قبل أن يخدم أي طرف آخر. فإذا تخلصت تركيا من «إس-400»، فإنها تزيل أحد أكبر الملفات التي تعقد علاقتها الدفاعية مع واشنطن، خصوصًا مع استمرار الحديث عن مستقبل مشاركتها في برنامج «إف-35».

 

أما روسيا، فلديها حساب مختلف. موسكو لا تريد أن تبيع أنقرة المنظومة أو تنقلها كيفما تشاء. لافروف وضع شرطًا واضحًا: موافقة روسية، ودولة صديقة ومسؤولة، وضمانات تمنع انتقال المنظومة مرة أخرى.

 

إذن، نحن أمام صفقة لها ثلاثة أطراف حتى قبل معرفة اسم المشتري: تركيا التي تبحث عن مخرج، وروسيا التي تريد التحكم في مصير سلاحها، والولايات المتحدة التي تراقب ما سيحدث لملف «إس-400» التركي.

 

فأين تقف مصر من كل ذلك؟

 

هنا تصبح المسألة أكثر إثارة للاهتمام.

 

مصر ليست غريبة على منظومات الدفاع الجوي الروسية. وبحسب بيانات رسمية مصرية، تمتلك القوات المسلحة منظومات «إس-300» و«بوك إم2» و«تور إم2»، إلى جانب منظومات غربية مثل «باتريوت» و«هوك».

 

لذلك فإن وصول «إس-400» إلى القاهرة، إذا حدث، لن يكون بداية قصة الدفاع الجوي المصري، بل إضافة إلى شبكة قائمة بالفعل.

 

وهذا فارق مهم.

 

الحديث عن مدى الصاروخ وقدرته على إصابة الأهداف لا يكفي وحده للحكم على قيمة المنظومة. الدفاع الجوي الحديث منظومة متكاملة: رادارات، إنذار مبكر، قيادة وسيطرة، حرب إلكترونية، طائرات مقاتلة، وصواريخ متعددة المديات.

 

ومن ثم فإن السؤال الذي يهم العسكريين ليس: هل «إس-400» قوية؟

 

السؤال هو: ما الذي ستضيفه تحديدًا إلى ما تمتلكه مصر بالفعل؟

 

هذه النقطة هي التي يغفلها كثير من الحديث الدائر حول الصفقة.

 

فالقاهرة لا تبحث عن قطعة سلاح لمجرد عرضها في قائمة التسليح. أي منظومة جديدة تعني تدريبًا وقطع غيار وصيانة وذخائر وبنية تشغيلية، والأهم قدرتها على العمل داخل شبكة تضم معدات من مصادر مختلفة.

 

وفي الحالة المصرية، هذه ليست مشكلة جديدة، لأن الجيش المصري بنى خلال السنوات الماضية قوة تسليح متعددة المصادر. لكن تعدد المصادر يمنح القاهرة مرونة سياسية، وفي الوقت نفسه يفرض عليها حسابات تقنية أكثر تعقيدًا.

 

ثم تأتي إسرائيل.

 

لا يعني امتلاك «إس-400» أن المجال الجوي المصري سيصبح مغلقًا أمام أي طائرة معادية. هذه صورة مبالغ فيها. الحرب الجوية الحديثة لا تُحسم ببطارية صواريخ واحدة، مهما كانت قدراتها.

 

لكن وجود منظومة دفاع جوي بعيدة المدى، إذا أُدمجت بكفاءة داخل شبكة الإنذار والقيادة والسيطرة المصرية، يمكن أن يضيف طبقة جديدة إلى الحسابات التي تجريها أي قوة جوية عند التخطيط لعمليات في المنطقة.

 

وهنا تظهر أهمية الموقع المصري.

 

مصر ليست دولة هامشية في خريطة الشرق الأوسط. هي تطل على البحر المتوسط والبحر الأحمر، وتتحرك أمنيا في دوائر تمتد من ليبيا والسودان إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر. لذلك فإن أي زيادة حقيقية في قدرات الدفاع الجوي المصرية ستُقرأ إقليميًا، وليس مصريًا فقط.

 

لكن موسكو لا تنظر إلى المسألة من زاوية مصر وحدها.

 

بالنسبة إلى الكرملين، انتقال «إس-400» إلى دولة جديدة يعني الاحتفاظ بنفوذ روسي في واحدة من أكثر صفقات السلاح إثارة للجدل بين روسيا والغرب. أما تركيا، فتريد استخدام الملف لفتح طريق العودة إلى التعاون الدفاعي الأمريكي، أو على الأقل تخفيف العقبات التي خلفتها الصفقة الروسية.

 

ولهذا فإن خروج «إس-400» من تركيا قد يكون بداية تسوية أكبر من مجرد نقل بطاريات صاروخية.

 

وقد يكون اسم مصر، إذا ثبتت صحته، مهمًا تحديدًا لهذا السبب.

 

القاهرة لديها علاقات عسكرية مع روسيا، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات عسكرية واستراتيجية قوية مع الولايات المتحدة. وبالتالي فإن أي صفقة كبيرة من هذا النوع ستكون محسوبة من الطرفين، وليس قرارًا تقنيًا يتعلق بالدفاع الجوي فقط.

 

لكن يجب التوقف هنا عند نقطة أساسية: حتى الآن لا توجد أمام الرأي العام المصري صفقة معلنة باسم «إس-400 التركية».

 

المؤكد أن موسكو وافقت من حيث المبدأ على إمكانية نقل المنظومات إلى دولة ثالثة وفق شروط محددة، والمؤكد أن الكرملين أعلن في 30 سبتمبر أن اتصالات بشأن عملية النقل جارية. أما أن تكون مصر هي الدولة المقصودة، فهذا ما لم تؤكده القاهرة رسميًا حتى الآن.

 

وهذا لا يقلل من أهمية القصة، بل يزيدها.

 

لأن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع تركيا بيع «إس-400»؟

 

الجواب الروسي واضح: تستطيع، ولكن بشروط موسكو.

 

السؤال الأصعب هو: إلى أين ستذهب المنظومات؟

 

إذا وصلت إلى مصر، فستكون موسكو قد نقلت سلاحًا خرج من قلب أزمة روسية–تركية–أمريكية إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم. وستكون القاهرة أمام إضافة عسكرية جديدة، بينما ستضطر واشنطن وإسرائيل إلى إعادة حساب بعض تفاصيل المشهد الجوي الإقليمي.

 

أما إذا ذهبت إلى دولة أخرى، فسيبقى الملف مع ذلك مؤشرًا على تغير مهم: «إس-400» التي كانت سببًا في أزمة بين تركيا والولايات المتحدة أصبحت الآن ورقة تستخدمها موسكو وأنقرة لإعادة ترتيب علاقاتهما مع الغرب.

 

لهذا لا أعتقد أن قيمة القصة في البطارية الصاروخية وحدها.

 

القصة في المكان الذي ستذهب إليه، وفي الدولة التي ستملكها، وفي الثمن السياسي الذي سيدفعه كل طرف مقابل تغيير موقعها على خريطة الشرق الأوسط.

 

شاهد أيضاً

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان   عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي – العراق  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *