وعي المسؤولية وإرهاصات التخلص من التشرذم
وعي المسؤولية وإرهاصات التخلص من التشرذم

وعي المسؤولية وإرهاصات التخلص من التشرذم

بقلم عبد الخالق الفلاح – باحث وإعلامي – العراق 

عند مواكبة الأحداث السريعة التي تمر بالمنطقة، يراودنا هنا سؤال وهو: إلى متى سوف تظل دولها تحت وجود الحماية الغربية على أراضيها (لا تندف ولا تغزل) عبر قواعد عسكرية لا تنتفع منها سوى البذخ في الصرف عليها من قوت شعوبها؟

هذه القواعد اندمجت على مدى عقودٍ في معادلة الأمن والسياسة في المنطقة لردع الخصوم، وكانت منصاتٍ لإدارة الحروب، وضمانةً أمنيةً تعتمد عليها دولها في مواجهة التهديدات الإقليمية.

لكن هذه المعادلة التي بدت مستقرةً أعواماً بدأت تضطرب مع تصاعد التوترات الإقليمية في المنطقة، الأمر الذي يضعها – في ظلّ التصعيد – في موقف (كبش فداء).

وإذا ما قلنا إن الجنون هو الخروج عن اصطلاحات العقلانية والمنطق وفقدان التوازن، فإن هذا ما أوصلت إليه أمريكا المنطقة، ووضعتها في الخطّ الأمامي للحرب التي أشعلتها دون مبرر حالياً في المنطقة؛ بدل أن تسعى وتبذل كل ما في وسعها لتجنّب نيران الحرب المجنونة التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة رئيسها دونالد ترامب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية دون تخطيط، وقدمت خسائر كبيرة في الأموال والأرواح دون الوصول إلى الأهداف التي ادعتها في بداية الحرب.

وأقر ترامب بعد أشهر بأن هناك قتلى بين صفوف العسكريين الأمريكيين، بالرغم من أن الأنباء في السابق كانت تتحدث عن جرحى فقط تم نقل بعضهم إلى ألمانيا للعلاج حيث توجد قواعد عسكرية أمريكية، إضافة إلى الحالات الحرجة التي أصيب بها هؤلاء العسكريون الأمريكيون، ولم تفكر بعواقبها وصعوبة الخروج من وحلها.

خيم التشرذم على جميع قواعدها في المنطقة، وتفكر بالهروب من المنطقة، وعليها العمل من أجل الخلاص من مخمصتها. دول المنطقة عليها إعادة التفكير في نموذج أمني مستقبلي مستقل، والاعتماد على أفكار جديدة، وإيجاد صيغ أخرى مشتركة لحماية بلدانها ومواطنيها؛ وهي غارقة في نومها الرهيب، يهشم العنف والفوضى والضياع والخراب كل زواياها، وتؤكل بلدانها، فحالات الحروب والتوترات أرهقتها وتحولت إلى استنزاف ممنهج يستهدف مقدراتها ويتلاعب بمصائر دولها.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه بعض صنّاع القرار بأحلام وردية ووهمية عبر الخطب المتلفزة ومنصات التواصل، تدفع المجتمعات المسالمة ثمناً باهظاً من أمنها واقتصادها ومستقبل أجيالها. ومهما تكن المبررات والتوترات الحالية على المشهد الإقليمي الذي يعيش حالة من الجمود والمراوحة المؤلمة بين نوايا التهدئة ونوازع التوتر، مما يثير مخاوف مستمرة من خروج الأوضاع عن السيطرة وانزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة مفتوحة وطويلة الأمد؛ رغم الجهود الجارية لتجاوز هذه المرحلة، وهي التي لديها من قدراتها الذاتية الهائلة ما كان يؤهلها لأن تكون في مكان آخر غير هذا المكان.

ولا يمكن تحميل المتآمرين عليها من خارجها وحدهم المسؤولية عن كل ما هي فيه من تراجع وتدهور وعنف ودمار؛ لأن السبب وراء الكثير مما هي فيه هو تلك النظم التي تسلطت عليها بكل وسائل القمع والقهر، وأوصلتها إلى الحالة المزرية التي هي تمر فيها في الوقت الحالي رغم وجود الكثير من الحلول التي يمكن الوصول إليها لو اجتمعت الإرادات في حكامها، ولو تركت أمور السياسة والحكم لأهلها من المتمرسين بها والقادرين على إيجاد الحلول التي تنجي المنطقة من التوترات وليتحملوا المسؤولية عنها… وإنما أخذته منهم عنوة لتشغل الدور كله لنفسها، حتى أبحنا أمام طوائف ترفع أعلام دول وتتحدث إلى العالم باسمها.

ولو لم يكن هذا الواقع الذي تعيشه هذه المنطقة مع نفسها منذ سنوات طويلة، لما تمكنت قوى الشر في الخارج من اختراق كل تلك الدول والمجتمعات، وتدمير شرايين حياتها، وفقدان قابليتها للحياة وقدرتها على الاستمرار، ووصول صراعاتها وأزماتها إلى نقطة اللا حل… والأمثلة ناطقة في كل مكان.

ويكفي أن ننظر حولنا، وللأسف الشديد، فإن كل يوم يمر على هذه المنطقة يأتي أسوأ من اليوم الذي قبله، وسوف يأتي اليوم الذي بعده وهو أسوأ منه… فعن أي بارقة ضوء أو أمل نتوقع وسط كل هذا الظلام والإحباط والضياع؟

هذه منطقة بائسة تعيش شعوبها حالة من الدمار النفسي العنيف الذي تجاوز كل حدود الاحتمال رغم كل الخيرات التي فيها، بعد أن تحالفت ضدها كل الظروف وحرمتها من حقها في الحياة الحرة والآمنة، وهي أبسط شروط الحياة وحقوق الإنسان…

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»… حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان      يمثل كتاب «مستقبل بلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *