ملف خاص: ثلاث سنوات على “طوفان الأقصى”.. قراءة تحليلية موسعة في تفاصيل المعركة الكبرى وسقوط اختبار “وحدة الساحات” وتداعيات النفوذ الإقليمي والدولي
تونس / غزة – “سبق”:
تتزامن الذكرى السنوية الثالثة لعملية “طوفان الأقصى” مع مراجعات استراتيجية واسعة النطاق للمشهد الجيوسياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط. فبين تفاصيل الساعات الأولى للهجوم الأضخم والأجرأ الذي قادته كتائب عز الدين القسام في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبين الانعكاسات العميقة والمؤلمة التي هددت نفوذ حلفاء إيران وأسقطت الرهانات على مفهوم “وحدة الساحات”، تقف المنطقة اليوم أمام مرحلة مفصلية غيرت جذرياً قواعد اللعبة السياسية والعسكرية، وأعادت رسم خارطة التحالفات والصراعات الإقليمية والدولية برمّتها، لافتتاحة مرحلة جديدة من تاريخ صراع المنطقة.
أولاً: ملحمة “طوفان الأقصى”.. من ساعة الصفر إلى قلب الميدان
انطلقت المعركة الكبرى فجر يوم السبت 7 أكتوبر 2023 بتوجيه مباشر من قائد الأركان في كتائب القسام، محمد الضيف، متجاوزة حدود التخطيط الميداني التقليدي لتشكل مفاجأة استراتيجية كبرى أربكت المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية بالكامل:
-
الضربة الصاروخية الأولى: أُطلق أكثر من 5 آلاف صاروخ وقذيفة في الدقائق العشرين الأولى من عمر العملية، استهدفت بدقة المواقع العسكرية، والمطارات، والتحصينات الإسرائيلية في غلاف غزة وعدد من المدن الكبرى، رداً على الاعتداءات المستمرة بحق المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس المحتلة.
-
التسلل المزدوج والاقتحام البري والبحر والجو: تزامنت الصواريخ مع عمليات اقتحام معقدة وممنهجة؛ حيث تسلل المقاومون الفلسطينيون عبر السياج الحدودي الفاصل، واستخدمت وحدات “الضفادع البشرية” التسلل البحري نحو شواطئ عسقلان وزيكيم، إلى جانب استخدام المظليين من فوج “الصقر” التابع لكتائب القسام لاختراق التحصينات الحدودية الحصينة.
-
السيطرة على القواعد والمستوطنات: نجحت قوات المقاومة في السيطرة الكاملة على عدة مستوطنات وقواعد عسكرية محيطة بالقطاع، أبرزها قاعدة “رعيم” العسكرية التي تمثل مقر قيادة فرقة غزة في الجيش الإسرائيلي، فضلاً عن السيطرة على مواقع في سديروت، كيسوفيم، وبئيري، وإغلاق معابر غلاف غزة وقطع الإمدادات العسكرية عن قوات الاحتلال في ساعات الصباح الأولى.
-
الرد الإسرائيلي المدمر وتداعياته: في المقابل، أعلنت الحكومة الإسرائيلية وجيش الاحتلال الدخول رسمياً في “حالة حرب”، وأطلق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت عملية أُطلق عليها اسم “السيوف الحديدية”. وشنت آلة الحرب الإسرائيلية غارات جوية وتدميراً ممنهجاً غير مسبوق استهدف البنية التحتية الأساسية، والمستشفيات، والأحياء السكنية في قطاع غزة، مما خلّف عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، وملايين النازحين قسراً في ظروف إنسانية كارثية غير مسبوقة في تاريخ الصراع الحديث.
ثانياً: “وحدة الساحات” على المحك.. هل سقطت تحت الضربات الإسرائيلية؟
فتحت الحرب الباب واسعاً أمام تقييم نقدي وصارم لكفاءة ومصداقية مفهوم “وحدة الساحات” بعد مرور ثلاث سنوات من الضربات المتتالية وتوسيع دائرة الاغتيادات التي طالت القيادات العسكرية والسياسية العليا في المحور:
-
وهم استراتيجي وعجز ميداني: وصف محلل الشؤون العسكرية والسياسية، مهند العزاوي، المعارك بأنها كشفت عما وصفه بـ “وهم وحدة الساحات”، مبيناً أن غياب نظام المعركة المشترك، والعقيدة القتالية الموحدة، والموارد المترابطة أدى إلى قتال حركة “حماس” منفردة في الميدان، بينما اكتفى “حزب الله” وبقية الحلفاء بدور الإسناد المحدود. واعتبر العزاوي أن طهران استخدمت مواردها وشبكة نفوذها حصراً لحماية نفسها ومصالحها الاستراتيجية المباشرة عندما تعرضت لضربات قوية، بدلاً من توفير الحماية الفعلية لحلفائها على الأرض.
-
أخطاء جسيمة في التقدير: من جهته، اعترف الكاتب والباحث السياسي جعفر سلمان بأن شعار “وحدة الساحات” استُخدم سياسياً في مرحلة سابقة لبناء قوة ردع وهمية، لكنه أخفق بوضوح عند لحظة التطبيق العملي بسبب تعرض الأذرع العسكرية للاستهداف الإسرائيلي المباشر واحدة تلو الأخرى. وأشار إلى أن الحرب كشفت عن اختراق أمني كبير ومبالغة مفرطة في تقدير قوة محور المقاومة مقابل الاستهانة بقدرات الخصم الإسرائيلي والدعم الغربي والأمريكي المطلق.
-
روايات متباينة حول مسؤولية قرار الهجوم: برز تباين واسع بين الضيوف حول خلفيات اتخاذ القرار والجهات المستفيدة أو المتورطة في التخطيط. فبينما رأى المتحدث باسم حركة “فتح”، إياد أبو زنيط، أن القرار كان فردياً ولم تكان إيران أو حزب الله على علم مسبق به، مما أخر استجابتهما وأتاح لإسرائيل الاستفراد بالجبهات، شدد مدير المؤسسة الفلسطينية للإعلام “فيميد”، إبراهيم المدهون، على أن العملية كانت “فلسطينية 100%” ونبعت من تقديرات حماس الذاتية لمواجهة التهديدات الوجودية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني ومقدساته، مرجعاً تعثر الإسناد الكامل إلى مفاجأة التوقيت والتدخل الأمريكي المبكر.
ثالثاً: تداعيات الاغتيالات ومستقبل موازين القيادة الإقليمية والدولية
ألقت موجات الاغتيالات الواسعة والممنهجة التي نفذتها إسرائيل بحق القيادات العسكرية والسياسية بظلال ثقيلة على مستقبل الفصائل وشبكة التحالفات الإقليمية برمتها، وأفرزت تحديات غير مسبوقة:
-
نجاح عملياتي مؤقت أم فراغ استراتيجي؟ اعتبر مهند العزاوي أن اغتيال القيادات يمثل نهجاً عسكرياً قديماً طورت التكنولوجيا أدواته الميدانية والاستخباراتية، بهدف شل منظومة القيادة والسيطرة واستثمار الفراغ السياسي والعسكري الحاصل، واصفاً النتائج بنجاح عملياتي واضح للاحتلال.
-
مرونة تنظيمية وسط مخاض مفتوح: في المقابل، شدد جعفر سلمان على أن الطبيعة الهرمية والمؤسسية لكل من حماس، وحزب الله، والنظام الإيراني تجعل عمليات اغتيال القادة تفرض بالضرورة مساراً آلياً لاستبدال الكوادر وإعادة ترتيب دوائر صنع القرار رغم فادحة الخسائر البشرية والمعنوية التي تكبدتها هذه التنظيمات خلال المواجهات الأخيرة.
-
الارتدادات الدبلوماسية وتغيير مسار السلام: على الصعيد السياسي، أشار مراقبون إلى أن الهجوم وتداعياته المدمرة أدى إلى إعادة توجيه بوصلة الاهتمام الدولي نحو القضية الفلسطينية بعد سنوات من التهميش، وأوقف مسارات تطبيع إقليمية كانت في مراحلها النهائية، مما فرض واقعاً جديداً يربط الاستقرار الإقليمي بالحل العادل للقضية الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية.
رابعاً: آفاق المستقبل السياسي وإعادة الإعمار بعد عاصفة الطوفان
في ظل التعقيدات الميدانية والإنسانية المتشابكة، تبرز تساؤلات جوهرية حول اليوم التالي للحرب وكيفية إدارة قطاع غزة ومستقبل التسوية السياسية برمتها:
-
مأزق إدارة القطاع: تشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن غياب رؤية سياسية واضحة لإدارة قطاع غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية يضع الأطراف الإقليمية والدولية أمام فراغ إداري وأمني معقد، خاصة في ظل رفض الأطراف الفلسطينية لأي وصاية خارجية أو ترتيبات أمنية تتجاوز الإرادة الوطنية.
-
كلفة الإعمار والرهانات الدولية: تحولت عملية إعادة إعمار ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية إلى تحدٍّ إنساني ومالي غير مسبوق يتطلب تضافر جهود دولية كبرى، شريطة توفر استقرار سياسي يضمن عدم تكرار دوامات العنف والدمار، بينما تظل خيارات المقاومة والعمل الدبلوماسي متصارعة في رسم ملامح المرحلة المقبلة من تاريخ الشرق الأوسط.
وتبقى المنطقة معلقة أمام أسئلة مصيرية كبرى حول قدرة هذه القوى على إعادة ترميم شبكة نفوذها العسكري والسياسي، وسط تساؤلات ملحة عن الأفق السياسي ومستقبل القضية الفلسطينية برمتها بعد سنوات من الدمار الهائل والخسائر البشرية التي غيرت وجه الشرق الأوسط ووضعت مستقبل الأمن الإقليمي والدولي على صفيح ساخن لا يهدأ.
سبق صوتك .. يسبقك