إيران تلوّح بقطع شريان الإنترنت العالمي.. هل تتحول الحرب إلى معركة ضد العالم الرقمي؟
محمود سيد محمد
المؤسسة المصرية للفكر الاستراتيجي والدراسات الدولية

لم تعد الحروب تُقاس بعدد الصواريخ التي تنطلق أو المنشآت التي تتعرض للقصف وحدها. فهناك بنية تحتية لا يراها الناس، لكنها تحمل جانبًا أساسيًا من الاقتصاد العالمي: كابلات الاتصالات الممتدة تحت البحار، ومراكز البيانات التي تعتمد عليها المصارف والشركات والخدمات الحكومية.
في 11 أكتوبر 2026، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن الإعلام الرسمي الإيراني تصريحات لمحسن رضائي، المسؤول الإيراني البارز، تضمنت تهديدًا باستهداف الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي في المنطقة إذا تجدد القتال. ويمنح هذا التوثيق التصريح مصدرًا محددًا، وإن كان لا يغني عن الرجوع إلى التسجيل أو النص الإيراني الأصلي.
الرسالة الإيرانية تتجاوز التهديد العسكري التقليدي؛ فطهران تلوّح بتوسيع دائرة المواجهة لتشمل بنية رقمية ترتبط مصالحها بدول وشركات كثيرة، بعضها ليس طرفًا مباشرًا في الحرب.
البحر الأحمر.. نقطة حساسة في شبكة الإنترنت
وفقًا للاتحاد الدولي للاتصالات، تحمل الكابلات البحرية أكثر من 99% من حركة تبادل البيانات الدولية. ويكتسب البحر الأحمر أهمية خاصة في ربط شبكات الاتصالات بين أوروبا وآسيا، ما يجعل أي اضطراب واسع في ممراته مصدر قلق يتجاوز دول المنطقة.
لكن قطع كابل لا يعني سقوط الإنترنت. فالشبكات تستخدم مسارات بديلة، وإن كانت قدرتها على استيعاب حركة البيانات تتفاوت. وقد يؤدي تعطل عدة مسارات في وقت واحد إلى بطء الاتصالات، وتعطل بعض الخدمات الرقمية، وارتفاع تكاليف التشغيل.
وشهد مارس 2024 أضرارًا في كابلات اتصالات بالبحر الأحمر، تناولتها وكالة رويترز في تقرير نشرته يوم 2 مارس. وتوضح هذه الواقعة هشاشة بعض المسارات، لكنها لا تثبت أن إيران كانت وراء تلك الأضرار.
ثلاثة سيناريوهات للتصعيد
السيناريو الأول هو استمرار التهديدات دون استهداف مباشر للكابلات. وفي هذه الحالة، قد تكون النتيجة زيادة الإنفاق على الحماية والتأمين، ومراجعة الشركات لمواقع مراكز البيانات، وتعزيز الاستعداد للطوارئ. وقد تحقق طهران ضغطًا سياسيًا دون تحمل تكلفة هجوم مباشر.
السيناريو الثاني يتمثل في تعرض كابل أو مركز بيانات لضرر محدود خلال مواجهة عسكرية. وقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات محلية أو إقليمية، بحسب موقع المنشأة وحجم الأضرار وتوافر البدائل. لكن تحديد المسؤولية سيحتاج إلى أدلة فنية، لا إلى مجرد وقوع الحادث في منطقة التوتر.
أما السيناريو الثالث، فهو وقوع أضرار متزامنة في عدة مسارات بحرية، بالتزامن مع استهداف منشآت رقمية أو تعطيل أعمال الإصلاح. وهذا قد يفاقم الاضطرابات ويؤثر في خدمات مالية وتجارية عبر الحدود. ومع ذلك، لا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن انقطاع الإنترنت العالمي نتيجة حتمية لهذا السيناريو.
واشنطن وتل أبيب.. حسابات الرد
تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل قدرات متقدمة في الأمن السيبراني والاستخبارات التقنية، لكن حماية شبكة بحرية ممتدة آلاف الكيلومترات ليست مهمة سهلة. كما أن ملكية الكابلات وتشغيلها موزعان بين شركات وتحالفات دولية.
إذا استهدفت إيران بنية رقمية مرتبطة بمصالح أمريكية أو إسرائيلية، فقد تواجه ردًا سيبرانيًا أو اقتصاديًا أو عسكريًا، وفقًا لطبيعة الهجوم وحجم الأضرار. وقد تتسع المواجهة إذا أصابت الضربات منشآت مدنية أو مصالح لدول خليجية لا تريد الانخراط في الحرب.
وتزداد خطورة الحسابات عندما تتداخل المنشآت المدنية مع الاستخدامات العسكرية. فتعطل مركز بيانات قد يؤثر في خدمات تجارية ومدنية إلى جانب أي استخدامات أخرى، وهو ما يجعل تقدير الأضرار المحتملة عنصرًا أساسيًا في قرارات الرد.
القانون الدولي.. حماية الكابلات مسؤولية مشتركة
تمنح اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الدول حق مد الكابلات البحرية، وتتضمن المادة 113 التزام الدول بتجريم إتلاف الكابلات عمدًا أو نتيجة إهمال جسيم في الحالات التي تحددها المادة. لكن تطبيق الأحكام القانونية يتوقف على مكان الحادث والاختصاص القضائي والوقائع المثبتة، ولا تعني الاتفاقية أن كل عطل يشكل جريمة دولية تلقائيًا.
وفي حالة النزاع المسلح، تبرز قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن العمليات السيبرانية أثناء النزاعات تخضع للقانون الدولي الإنساني، مع استمرار النقاش بشأن بعض تفاصيل تطبيقه على الهجمات التي تعطل الأنظمة دون إحداث تدمير مادي مباشر.
لذلك، فإن استهداف بنية رقمية مدنية لا يصبح مشروعًا لمجرد أن الدولة المستهدفة تستخدم التكنولوجيا لأغراض عسكرية؛ بل يتطلب تقييمًا قانونيًا لطبيعة الهدف والظروف المتوقعة للهجوم.
مصر أمام مسؤولية استراتيجية
تحتل مصر موقعًا مهمًا في مسارات الاتصالات التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. وهذا يمنحها قيمة اقتصادية واستراتيجية، لكنه يفرض عليها الاستعداد لاحتمال تعطل بعض المسارات الإقليمية.
وتحتاج القاهرة إلى تعزيز التنسيق مع شركات الاتصالات، وتنويع مسارات الربط البرية والبحرية، وتطوير خطط الإصلاح والطوارئ، والتعاون مع الدول المطلة على البحر الأحمر لحماية البنية التحتية المشتركة.
المطلوب ليس التعامل مع انقطاع الإنترنت بوصفه خطرًا وشيكًا، بل اختبار قدرة الشبكات على مواصلة العمل إذا تعطلت عدة مسارات في وقت واحد.
فالتهديد الإيراني لا يثبت أن العالم على أبواب انقطاع رقمي شامل، لكنه يكشف اتساع نطاق الأهداف المحتملة في الحروب الحديثة. وقد لا يحتاج أي طرف إلى قطع الإنترنت عن العالم كي يسبب أزمة؛ فقد يكفي تعطيل عدد محدود من المسارات الحساسة لفرض تكاليف اقتصادية وسياسية كبيرة.
وبالنسبة إلى مصر، فإن حماية الكابلات البحرية أصبحت جزءًا من حماية الاقتصاد والأمن القومي، في منطقة يمكن أن تنتقل فيها المواجهة من الصواريخ ومنشآت الطاقة إلى البنية التي تحمل بيانات العالم.