أخبار عاجلة
حروب الممرات البحرية.. حين يصبح غذاء العالم وطاقته رهينة للصراع
حروب الممرات البحرية.. حين يصبح غذاء العالم وطاقته رهينة للصراع

حروب الممرات البحرية.. حين يصبح غذاء العالم وطاقته رهينة للصراع

حروب الممرات البحرية.. حين يصبح غذاء العالم وطاقته رهينة للصراع

 

بقلم د محمود سيد محمد
المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.


 

أصبحت الممرات البحرية أوراق ضغط في الصراعات الدولية؛ فتهديد الملاحة في مضيق هرمز يضع إمدادات الطاقة العالمية تحت الاختبار، بينما أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية كيف يمكن لتعطل صادرات البحر الأسود أن يهدد أسواق الحبوب ويرفع كلفة الغذاء. وفي الحالتين، تتجاوز آثار الصراع حدود أطرافه، لتصل إلى اقتصادات تعتمد على الاستيراد، ودول تتحمل أعباءً لم تشارك في صنع المواجهة.

مضيق هرمز.. نقطة اختناق في سوق الطاقة

تنبع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز من حجم التدفقات التي تمر عبره. وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو 20.7 مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل النفطية عبرت المضيق في عام 2024، بما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية. كما مر عبره نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا خلال العام نفسه.

هذه الأرقام تفسر لماذا لا تقتصر مخاطر التصعيد في المضيق على الدول المطلة عليه. فأي اضطراب مستمر يمكن أن يرفع أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين، ثم ينتقل أثره إلى النقل والإنتاج وأسعار السلع. وتزداد المخاطر على الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة، خصوصًا عندما تتزامن زيادة الأسعار مع ضغوط على العملات الأجنبية وارتفاع تكاليف التمويل.

ووفق تقرير نشرته رويترز في 23 أكتوبر 2026، سجل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، عبر خريطة الحوادث البحرية التي يتابعها الباحث نوام رايدان، 28 هجومًا مؤكدًا أو مبلغًا عنه في أكتوبر، و113 حادثة منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير 2026. وأشار التقرير إلى أن المنظمة البحرية الدولية سجلت بدورها 120 حادثة في مضيق هرمز ومناطق أوسع من الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب. وتظل هذه الأرقام مرتبطة بمنهجية الرصد والإبلاغ، إذ حذرت جهات مختصة من أن نقص البلاغات الطوعية قد يحول دون تسجيل جميع الحوادث.

المشكلة إذن لا تتعلق فقط بإغلاق المضيق بصورة كاملة؛ فاستمرار التهديد قد يكون كافيًا لرفع علاوات التأمين، وتأخير الرحلات، ودفع شركات الشحن إلى إعادة حساب المخاطر. وفي أسواق الطاقة، قد تؤثر المخاوف من نقص الإمدادات في الأسعار قبل حدوث النقص الفعلي.

البحر الأسود.. حين تتعطل صادرات الغذاء

قدمت الحرب الروسية الأوكرانية مثالًا آخر على توظيف الممرات البحرية في الصراع. فأوكرانيا من كبار مصدري الحبوب، وكان البحر الأسود مسارًا رئيسيًا لنقل إنتاجها إلى الأسواق الخارجية. ومع تعطل الصادرات في بداية الحرب، تراجعت الكميات الشهرية المصدرة بشدة؛ ووفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، انخفضت صادرات الحبوب الأوكرانية من نحو ستة ملايين طن شهريًا في الظروف المعتادة إلى قرابة 322 ألف طن في مارس 2022.

ساهمت مبادرة حبوب البحر الأسود، التي بدأت في يوليو 2022، في استئناف جزء مهم من حركة التصدير، ونُقل عبرها نحو 32.8 مليون طن من الأغذية قبل انتهائها عقب انسحاب روسيا منها في يوليو 2023. واضطرت أوكرانيا بعد ذلك إلى الاعتماد بدرجة أكبر على موانئ الدانوب ومسارات بحرية بديلة، في محاولة للحفاظ على تدفق الصادرات رغم المخاطر.

توضح هذه التجربة أن أمن الغذاء لا يرتبط بحجم الإنتاج وحده، بل بقدرة المنتجين على إيصال المحاصيل إلى الأسواق. وقد تؤدي زيادة تكاليف النقل أو التأمين، أو نقص السفن المتاحة، إلى تقليص هامش الربح للمصدر ورفع السعر على المستورد. وتكون الدول منخفضة الدخل أكثر عرضة لهذه الصدمات، لأن ارتفاع فاتورة الغذاء قد يضغط على موازناتها ويحد من قدرتها على توفير احتياجات السكان.

قناة السويس.. أثر الملاحة في الاقتصاد المصري

تكتسب هذه التطورات أهمية مباشرة لمصر، التي ترتبط قناة السويس لديها بحركة التجارة العالمية وإيرادات النقد الأجنبي. وتظهر البيانات الرسمية أن عدد السفن العابرة للقناة تراجع من 26,434 سفينة في عام 2023 إلى 13,213 سفينة في عام 2024، فيما انخفضت الإيرادات من نحو 10.25 مليار دولار إلى قرابة 3.99 مليار دولار.

ارتبط هذا التراجع باضطرابات البحر الأحمر وتحول شركات شحن إلى مسارات أطول حول رأس الرجاء الصالح. ولا تعني هذه الأرقام أن جميع خسائر القناة يمكن تفسيرها بعامل واحد، لكنها تكشف مدى تعرض الإيرادات المصرية لتغيرات أمن الملاحة، حتى عندما تقع المواجهات خارج الأراضي المصرية.

كما أن امتداد الاضطرابات من البحر الأحمر إلى الخليج قد يضاعف الضغوط على التجارة والطاقة في الوقت نفسه. فارتفاع تكاليف النقل والتأمين قد يزيد كلفة الواردات، بينما يؤدي تراجع العبور عبر القناة إلى تقليص أحد مصادر النقد الأجنبي. ومع ذلك، لا يمكن افتراض أن انخفاض حركة الملاحة يؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع متناسب في أسعار القمح أو فاتورة استيراده؛ إذ تتداخل في ذلك الأسعار العالمية وسعر الصرف ومصدر الشراء وشروط التعاقد.

ما المطلوب؟ ثلاثة مسارات للتحرك

أولًا: بناء تخطيط اقتصادي قائم على السيناريوهات. تحتاج مصر إلى ربط تطورات هرمز والبحر الأحمر بتقديرات دورية لأسعار الطاقة والشحن والتأمين وإيرادات قناة السويس، وقياس أثر كل سيناريو في احتياجات النقد الأجنبي وفاتورة الاستيراد. وينبغي تحديث هذه التقديرات وفق مؤشرات قابلة للرصد، مثل عدد الحوادث البحرية، وكلفة التأمين، وحركة السفن، وأسعار النفط، بدل انتظار تحقق الأزمة ثم التعامل مع نتائجها.

ثانيًا: تعزيز مرونة إمدادات الغذاء والطاقة. يتطلب ذلك تنويع مصادر الاستيراد ومسارات النقل كلما كان ذلك ممكنًا اقتصاديًا، ومراجعة مستويات المخزون الاستراتيجي، والاستعداد لتقلبات الأسعار وفترات تأخر الشحنات. فالهدف ليس الاستغناء عن الممرات الرئيسية، وهو أمر غير واقعي، بل تقليل الاعتماد على مسار واحد أو مورد واحد عندما تسمح الظروف بذلك.

ثالثًا: تطوير التعاون الإقليمي في أمن الملاحة. يمكن لمصر العمل مع الدول المطلة على البحر الأحمر، بالتنسيق مع المؤسسات البحرية الدولية، على آلية منتظمة لتبادل معلومات الحوادث والإنذارات المبكرة وتقييم المخاطر. ويجب أن يكون هذا التعاون عمليًا، بحيث يتيح سرعة الاستجابة للمخاطر، ويدعم سلامة السفن، ويحد من المفاجآت التي ترفع تكلفة النقل وتربك الأسواق.

من يملك قرار التصعيد ومن يدفع الفاتورة؟

تكشف أزمات هرمز والبحر الأسود والبحر الأحمر أن السيطرة على الممرات البحرية تمنح الدول أدوات ضغط مؤثرة، لكنها لا تضمن لها مكاسب مستدامة. فالدولة التي تستخدم الملاحة لإلحاق الضرر بخصومها قد تواجه بدورها ارتفاع تكاليف التجارة، وتشدد الإجراءات الأمنية، وتسارع البحث عن طرق بديلة تقلل الاعتماد على الممر الذي تملك فيه نفوذًا.

ولا تكفي الحماية العسكرية وحدها لتحقيق أمن مستقر؛ فهي قد تقلل المخاطر المباشرة، لكنها لا تعالج أسباب الصراع ولا تمنع تكرار التهديد. وتظل التسويات السياسية التي تضمن حرية الملاحة وتحد من التصعيد ضرورة لحماية التجارة الدولية من التحول إلى رهينة دائمة للمواجهات.

المعيار الحقيقي ليس قدرة القوى الكبرى على تأمين عبور السفن أثناء الأزمة فحسب، بل قدرتها على منع تكرارها. فكلما طال استخدام الممرات البحرية أداةً للضغط، اتسعت الفاتورة لتشمل الدول المستوردة والمصدرين والمستهلكين، بل وحتى القوى التي تراهن على هذه الورقة لتحقيق أهدافها. فهل ينتقل المجتمع الدولي من إدارة مخاطر الملاحة بعد وقوعها إلى معالجة الصراعات التي تجعل التجارة العالمية رهينة لها، قبل أن تتحول أداة الضغط إلى عبء على مستخدميها وصانعيها معًا؟

 

شاهد أيضاً

السودان بين حرب الموارد وتحديات السيادة الوطنية

السودان بين حرب الموارد وتحديات السيادة الوطنية

السودان بين حرب الموارد وتحديات السيادة الوطنية بقلم المحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *