بقلم محمود سيد محمد – المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية

لم تصل أربع مقاتلات من طراز «سوخوي سو-30» إلى مطار نيامي وحدها.
معها وصلت طائرة نقل عسكري من طراز «إليوشين Il-76»، وطائرة للتزود بالوقود جوًا من طراز «إليوشين Il-78».
وقد تبدو هذه التفاصيل للوهلة الأولى مجرد خبر عسكري آخر يضاف إلى أخبار الساحل الأفريقي المضطرب، لكن قراءة المشهد بعيدًا عن ضجيج البيانات تكشف أن الأمر قد يكون أكبر من عملية دعم عسكري عابرة.
السلطات النيجرية تقول إن هذه الخطوة تأتي في إطار «الدعم الاستراتيجي» الذي تقدمه الجزائر للقوات المسلحة النيجرية.
وهنا تحديدًا يجب التوقف.
فكلمة «استراتيجي» ليست تفصيلًا لغويًا في مثل هذه الملفات، خصوصًا عندما يكون الدعم متعلقًا بمنظومة جوية تضم مقاتلات ثقيلة وطائرة للتزود بالوقود في الجو. نحن أمام قدرة عسكرية يمكن أن تغير طريقة إدارة المجال الجوي، وتوسّع نطاق العمليات، وتمنح الطرف المستفيد هامشًا أكبر في التحرك.
والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: لماذا أرسلت الجزائر هذه الطائرات؟
بل: لماذا الآن؟
الجزائر تنظر إلى الجنوب باعتباره خط دفاعها الأول
من السهل أن يقرأ البعض التحرك الجزائري باعتباره محاولة للتمدد جنوبًا، لكن هذه القراءة تبدو سطحية إذا تجاهلت الجغرافيا.
الجزائر دولة صحراوية ضخمة، وحدودها الجنوبية تضعها مباشرة أمام منطقة الساحل بكل أزماتها: جماعات مسلحة، تهريب، حدود رخوة، أزمات سياسية، وصراعات داخلية تتغير أطرافها بصورة مستمرة.
وبالتالي فإن ما يحدث في النيجر ومالي وليبيا لا يمكن أن يبقى بالنسبة للجزائر شأنًا خارجيًا خالصًا.
هناك قاعدة بسيطة في الأمن القومي:
الدولة لا تنتظر الخطر حتى يصل إلى حدودها؛ الدولة الذكية تحاول التعامل معه قبل أن يصل.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الدعم الجزائري للنيجر باعتباره نوعًا من «الدفاع المتقدم»؛ أي مساعدة الدولة المجاورة على امتلاك قدرة أكبر على السيطرة على أراضيها ومجالها الجوي، بدل انتظار انتقال الفوضى إلى الحدود الجزائرية.
وهذه ربما تكون إحدى أهم الرسائل التي تحملها الطائرات التي وصلت إلى نيامي.
لماذا «سو-30» تحديدًا؟
اختيار مقاتلات «سو-30» ليس تفصيلًا تقنيًا.
هذه طائرة ثقيلة متعددة المهام، صممت لتنفيذ مجموعة واسعة من المهام الجوية، وتمتلك قدرة على العمل لمسافات كبيرة مقارنة بالطائرات الخفيفة.
لكن المفاجأة الأكبر تكمن في وجود «Il-78» معها.
طائرة التزود بالوقود جوًا تعني أن الحسابات لا تتعلق فقط بالمقاتلة نفسها، وإنما بزيادة قدرتها على البقاء في الجو والعمل على مسافات أبعد.
بعبارة أخرى، نحن لا نتحدث عن «طائرات» بالمعنى البسيط، بل عن منظومة قدرة جوية.
ومتى ما أضيفت إلى هذه المنظومة عناصر أخرى، مثل التدريب والصيانة والاستطلاع والاتصالات والقيادة والسيطرة، فإن النيجر يمكن أن تنتقل تدريجيًا من امتلاك طائرات عسكرية إلى امتلاك قدرة جوية أكثر استقلالًا.
وهنا تتضح أهمية الخطوة. من يملأ الفراغ بعد تراجع الغرب؟
الساحل الأفريقي يعيش منذ سنوات عملية إعادة ترتيب شاملة.
القوى الغربية التي امتلكت نفوذًا عسكريًا واسعًا في المنطقة لم تعد تتمتع بالموقع نفسه. وفي المقابل ظهرت روسيا كلاعب أمني مهم، بينما تحافظ الصين على حضورها الاقتصادي، وتحاول دول المنطقة نفسها التخلص من فكرة أن أمنها لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال قوة أجنبية.
في هذا الفراغ، تتحرك الجزائر بطريقة مختلفة.
فهي ليست قوة عظمى تبحث عن قاعدة عسكرية جديدة، وليست دولة خارجية تحاول إدارة الساحل من بعيد.
الجزائر دولة مجاورة للساحل، وتملك مصالح أمنية مباشرة فيه.
وهذا يمنح تحركها طبيعة مختلفة.
إنها لا تحتاج إلى أن تقول إنها تريد «قيادة الساحل»، لأن الجغرافيا وحدها تجعلها جزءًا من معادلة أمنه.
النيجر تبحث عن شيء أكبر من السلاح
أما نيامي، فالمعادلة بالنسبة لها واضحة.
النيجر تريد بناء قدرة عسكرية أكثر استقلالًا، خصوصًا في ظل التحولات التي شهدتها علاقاتها مع القوى الغربية.
لكن امتلاك السلاح لا يكفي وحده.
القضية الحقيقية هي: من يدرب؟ من يصون؟ من يوفر قطع الغيار؟ من يطور أنظمة القيادة والسيطرة؟ ومن يضمن استمرار القدرة التشغيلية بعد سنوات؟
لهذا فإن قيمة الدعم الجزائري لن تقاس بعدد الطائرات التي هبطت في نيامي، وإنما بما إذا كان هذا الدعم سيخلق قدرة مؤسسية نيجرية تستطيع العمل بصورة مستقلة ومستدامة.
إذا حدث ذلك، فنحن أمام تحول حقيقي.
أما إذا ظل الأمر في حدود إرسال معدات لفترات محدودة، فسوف يبقى تأثيره رمزيًا أكثر منه استراتيجيًا.
الجزائر لا تريد ساحلًا تابعًا.. بل ساحلًا مستقرًا
ربما يكون هذا هو الفارق الأساسي في قراءة السياسة الجزائرية.
الجزائر تدرك أن السيطرة على الساحل ليست هدفًا واقعيًا لأي دولة إقليمية، وأن محاولة فرض النفوذ بالقوة ستخلق خصومًا أكثر مما ستخلق حلفاء.
لكن وجود دول مستقرة وقادرة على حماية حدودها يمثل مصلحة مباشرة للجزائر.
ولهذا يمكن النظر إلى التعاون مع النيجر باعتباره محاولة لبناء «حزام أمني» غير مباشر حول الحدود الجنوبية.
ليس حزامًا من القوات الجزائرية، وإنما من دول تمتلك قدرة أكبر على حماية أراضيها.
وهذا النموذج، إذا نجح، قد يكون أكثر استدامة من التدخل العسكري المباشر.
ولكن.. هناك حسابات لا يمكن تجاهلها
التحرك الجزائري ليس بلا مخاطر الساحل ليس فراغًا سياسيًا.
هناك مالي، وهناك ليبيا، وهناك قوى دولية لها مصالحها، وهناك روسيا والصين وتركيا والولايات المتحدة، إلى جانب دول إقليمية أخرى تراقب التطورات.
وأي توسع في التعاون العسكري الجزائري مع دول الساحل قد يُقرأ من بعض الأطراف باعتباره بداية لتشكيل محور إقليمي جديد.
وهنا تحتاج الجزائر إلى قدر كبير من الحذر.
فنجاح سياستها لا يتوقف على قدرتها العسكرية فقط، وإنما على قدرتها على إدارة التوازنات السياسية المعقدة في المنطقة.
القوة وحدها لا تصنع النفوذ.
القوة عندما تُدار بحسابات سياسية دقيقة هي التي تصنع النفوذ.
هل نحن أمام محور أمني جديد؟
من السابق لأوانه إعلان ولادة محور عسكري جزائري-نيجري بالمعنى التقليدي.
لكن المؤشرات تستحق المتابعة.
إذا استمر التعاون في مجال الطيران، وتوسع إلى التدريب والاستخبارات والدفاع الجوي ومراقبة الحدود، ثم امتد إلى دول أخرى في الساحل، فقد نكون أمام بداية ترتيبات أمنية جديدة.
وهنا لن تكون القضية «الجزائر مقابل روسيا» أو «الجزائر بدل فرنسا».
المعادلة أكثر تعقيدًا.
الساحل نفسه بدأ يبحث عن نموذج أمني جديد، تكون فيه دول المنطقة صاحبة القرار الأول، بينما تختار هي شركاءها الخارجيين وفق مصالحها.
والجزائر قد تكون واحدة من أهم الدول القادرة على التأثير في هذا التحول.
المعركة الحقيقية ليست في السماء
قد تكون الصور القادمة من مطار نيامي قد ركزت على المقاتلات والطائرات العسكرية.
لكن المعركة الحقيقية ليست في السماء وحدها.
المعركة هي: من يمتلك قرار الأمن في الساحل؟
هل يبقى القرار مرتبطًا بالقوى الكبرى التي جاءت من خارج المنطقة؟
أم تنتقل المبادرة تدريجيًا إلى الدول الأفريقية نفسها؟
وإذا كان هذا التحول قد بدأ بالفعل، فإن وصول «سو-30» إلى نيامي قد يكون مجرد مشهد صغير في صورة أكبر بكثير.
صورة لمنطقة تتغير فيها التحالفات، وتتراجع فيها مظلات قديمة، وتظهر فيها قوى إقليمية تبحث عن دور جديد.
وفي هذه الصورة تقف الجزائر أمام اختبار حقيقي.
فإما أن تنجح في تحويل قوتها العسكرية والجغرافية إلى نفوذ مسؤول يحافظ على الاستقرار ويمنع تمدد الفوضى، وإما أن تتحول التحركات الجديدة إلى فصل آخر من فصول التنافس على الساحل.
وفي الحالتين، فإن هبوط أربع مقاتلات «سوخوي 30» في نيامي ليس مجرد خبر عسكري.
إنه إشارة إلى أن قواعد اللعبة في الساحل الأفريقي تتغير.. وأن الجزائر قررت ألا تراقب هذا التغيير من بعيد.