بقلم شيماء حسين اللامي باحثة في الشأن السياسي العراقي – العراق

تأتي التحولات السياسية والحرجة التي يمر بها العراق اليوم لتضع مفهوم “الرأي العام” تحت مجهر التفكيك والتحليل؛ فلم يعد الشارع العراقي مجرد مساحة متلقية للخطاب السياسي الرسمي، بل تحول إلى فاعل غير مباشر يصيغ حدود المناورة أمام القوى النافذة ويفرض معادلات جديدة في إدارة المشهد العام، إذ إن وجود رأي عام فاعل ومؤثر يعني وجود مشاركة سياسية حقيقية داخل الدولة.
أولاً: من العاطفة الأيديولوجية إلى “العقلانية البرغماتية” والتأصيل النظري
يكشف التأمل في حركة الشارع العراقي المعاصر عن تحول نوعي في أدوات التشكيل والوعي:
تراجع الخطاب التقليدي: تراجعت قدرة الشعارات العامة والمقولات الهوياتية على تعبئة الجماهير لحساب تقييم الأداء؛ فالرأي العام يُعرف بأنه المعتقدات والقيم والاتجاهات التي يعبر عنها فرد أو جماعة كبيرة من الناس حول الأمور السياسية المعاصرة (كما أشار ولتر روزنبوم)، أو أنه يتألف من مواقف الناس المجتمعين في فئات حول موضوع مركزي (وفق تعريف دوب).
ظاهرة جمعية ومرتكز علم النفس الاجتماعي: لا ينفصل الحديث عن الرأي العام كظاهرة جمعية عن دراسات علم النفس الاجتماعي والسلوك الجمعي؛ إذ يتصل اتصالاً وثيقاً بعلم السياسة ويكفل الحريات ويكتسب أهميته من اهتمام الحكومات بصوت الشعب لتوسيع نطاق المشاركة الفاعلة.
المسار التاريخي للتحول: لم يعرف العراق نظم الحكم الديمقراطية منذ نشأة الدولة عام 1921 مروراً بنظم الحكم الجمهورية (1958-2003) التي اتسمت بالاستبداد رغم نص الدساتير على الحريات. وانتقل الرأي العام العراقي من الحالة الكامنة إلى الحالة العلنية بعد عام 2003 مع صدور دستور 2005 الذي شدد على حرية الرأي والتعبير والمشاركة في الانتخابات البرلمانية ومجالس المحافظات.
ثانياً: ملف السيادة والمشاركة السياسية في الوجدان الجمعي
يحتل ملف السيادة الوطنية وإدارة القرار الأمني رأس اهتمامات الشارع العراقي في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة:
التوازن بين الاستقرار والتحديات: يدرك الموقف الجمعي خطورة الانزلاق نحو التجاذبات الإقليمية، ويطالب بحصر السلاح بيد الدولة واستكمال بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية على أسس مهنية.
استحقاق الحوكمة والديمقراطية: يختلف دور الرأي العام بحسب طبيعة النظام؛ ففي النظام الديمقراطي تكفل الحريات (حق إبداء الرأي، وحق الاجتماع، وحق تكوين المنظمات، وانتخاب الممثلين) مما يتيح التعديل على صياغة الأطر الرئيسية لأداء المؤسسات الرسمية. إن وجود رأي عام واعي ومدرك يجعله قوة ضاغطة تلجئ الحكومات إلى تحقيق رغبات الجماهير.
ثالثاً: البيئة الاتصالية والوسائط الإعلامية
تشكل أدوات الإعلام والاتصال الركيزة الأساسية لتوجيه وصياغة توجهات الشارع العراقي:
الفرق بين الإعلام والاتصال: بينما يعبر الإعلام عن تقديم محتوى ثابت من معطيات وأخبار ومعرفة، يمثل الاتصال عملية حوارية وتفاعلية تستلزم تبادل الآراء والعلاقات.
تأثير التطور التكنولوجي: إن التطور الحاصل في وسائل الإعلام وظهور وسائط جديدة على البيئة الاتصالية (من الصحف والمجلات إلى الراديو والتلفزيون والوسائل الرقمية) مضاعف من تأثيرها على الرأي العام، لتشكل قنوات اتصال بين الحكومة والجمهور لتعريض سياساتها ومشروعاتها. كما أسهم هذا التطور التكنولوجي في إعطاء فائدة كبيرة للوصول إلى الأهداف ورصد نتائج الانتخابات والمشاركة في النقاشات العامة.
رابعاً: ملف رفع التجاوزات السكنية والسلاح (التحديات الحالية وموقف الشارع)
تُواجه الحكومة العراقية تحدياً استراتيجياً مزدوجاً، حيث يأتي ملف إزالة التجاوزات السكنية والعشوائيات ليتقاطع مع ملف حصر السلاح بيد الدولة والتنظيمات المسلحة، مما يتسبب في انقسام حاد في الرأي العام العراقي:
الاتجاه المؤيد (فرض القانون والتحديث): يرى أن إزالة التجاوزات ضرورة حتمية لفرض هيبة الدولة، وفك الاختناقات المرورية، وتوسيع البنى التحتية، ومنع تجريف الأراضي واستغلالها من قبل مافيات العقارات، معتبرين أن تطبيق القانون خطوة رئيسة لبناء دولة المؤسسات.
الاتجاه المعارض (العدالة الاجتماعية والبُعد الإنساني): ينظر للحملة بكثير من الريبة والرفض إذا اقتصرت على الطبقات الفقيرة التي ألجأتها أزمة السكن للعيش في العشوائيات، محذراً من إخلاء المنازل دون توفير بدائل سكنية لائقة، ومطالباً بالتمييز بين المتجاوز المضطر وبين شبكات النفوذ.
خامساً: أساليب امتصاص الرأي العام وتوجيهه نحو المسار الصحيح
لتحويل هذه الأزمات إلى فرصة لتعزيز الثقة بالدولة، يتعين على السلطات التنفيذية اتباع الآليات الآتية:
الفصل بين الحالات الإنسانية ومافيات الأراضي: التمييز الإجرائي والقانوني بين الأسر الفقيرة المستحقة للدعم الاجتماعي وبين الجماعات التي تتاجر بالأراضي العامة وتستغل الثغرات التنظيمية.
توفير البدائل السكنية مسبقاً: تفعيل مشاريع توزيع قطع الأراضي المخدومة والقروض السكنية وتطبيق قرارات تمليك الأراضي الزراعية المؤهلة قبل الشروع بالإزالة لتفادي خلق أزمات نزوح جديدة.
الاتصال السياسي الشفاف: إطلاق حملات توعية وإفصاح رقمي مستمر يشرح الأسباب الاستراتيجية للمشاريع العامة، ويبين للجمهور آليات التعويض والبدائل لدحض الإشاعات وقطع الطريق على التوظيف السياسي للأزمة.
التكامل بين الرقابة والخدمات: إتاحة الفرصة للإعلام والمنظمات المدنية لمراقبة تطبيق القانون، لضمان إنفاذه بمهنية وشفافية ودون تعسف.
سادساً: الرقابة المجتمعية وتحديات الإصلاح
يقف الرأي العام اليوم كشريك فاعل في عملية صنع القرار ومراقبة الأداء المؤسسي:
مكافحة الفساد والخدمات: أظهرت الدراسات السياسية والميدانية أن الرأي العام العراقي لعب دوراً مهماً في مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات العامة، والمشاركة في مراجعة السياسات الاقتصادية والسياسية رغم وجود عقبات ومؤثرات متعددة.
ضرورة التفاعل المباشر: يتطلب نجاح عملية التحول الديمقراطي تكريس الجهود لنشر الوعي الفكري والسياسي عبر وسائل الإعلام الوطنية لتوطيد أركان الدولة.