أخبار عاجلة
السودان وإيران.. هل بدأت واشنطن تضيق الخناق على القاهرة؟
السودان وإيران.. هل بدأت واشنطن تضيق الخناق على القاهرة؟

السودان وإيران.. هل بدأت واشنطن تضيق الخناق على القاهرة؟

 بقلم محمود سيد محمد.

الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.


 

في الأيام الأخيرة، لاحظت شيئاً مقلقاً في قراءتي للتحركات الأمريكية، ليس في البيانات الرسمية، بل في تفاصيل صغيرة تبدو منفصلة لكنها، في رأيي، ترسم مساراً واضحاً.

أتحدث عن تقارير الأسلحة الكيميائية في السودان، وعن تحركات وزارة الخزانة الأمريكية ضد بنوك إماراتية لها فروع مصرية، وعن تصعيد الخطاب ضد الشبكات المالية التي تخدم إيران.

للوهلة الأولى، قد يبدو كل ملف قائماً بذاته. لكن حين تجمعهم معاً، يفرض السؤال نفسه بقوة: هل بدأت واشنطن فعلياً في استخدام أوراق السودان وإيران للضغط على مصر؟ أعتقد أن الجواب أكثر تعقيداً من مجرد نعم أو لا.

 

حكاية الكلور: مادة للتنقية أم ذخيرة للحرب؟

 

لنكن صريحين: فكرة أن الجيش السوداني يُنتج أسلحة كيميائية من الكلور ليست جديدة، لكن توقيت إعادة إحيائها الآن، بالتزامن مع تصعيد أمريكي آخر في المنطقة، يحمل دلالة.

الكلور بطبيعته مادة مزدوجة الاستخدام. يمكن أن يكون وسيلة لتنقية مياه الشرب لملايين السودانيين، ويمكن أن يتحول، في ظروف معينة، إلى سلاح رخيص وفعال في حرب العصابات. السؤال الفني الذي يجب أن يطرحه المحللون، وليس مجرد تناقل الأخبار، هو: هل الكميات التي دخلت السودان تتجاوز الاحتياج المدني الطبيعي للدولة؟ وهل هناك دليل ملموس على تحويل هذه الأسطوانات إلى ذخائر في ورش ميدانية؟

بدون إجابة واضحة على هذين السؤالين، ستبقى القضية في منطقة رمادية، وهي أخطر المناطق في السياسة الدولية، لأنها تسمح لكل طرف بإسقاط روايته عليها.

 

لماذا يقلقني هذا الملف كمراقب مصري؟

 

لأن السودان لمصر ليس مجرد حدود جنوبية، هو عمق استراتيجي. أي فوضى في الخرطوم تعني تداعيات مباشرة على ملفات حساسة: مياه النيل التي لا تقبل القسمة، أمن البحر الأحمر الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة المصرية، وحدود لم تكن يومًا محصنة ضد التسلل أو الهجرة غير الشرعية.

مصر تتعامل مع الجيش السوداني باعتباره الضامن الأخير لوحدة الدولة هناك، ليس لأنها تتبنى طرفاً على حساب آخر، بل لأنها تعرف جيداً أن تفكك السودان يعني جبهة جديدة من عدم الاستقرار لا تحتملها القاهرة. لكن واشنطن، من زاويتها، تنظر للجيش السوداني نظرة مختلفة. بالنسبة لها، هو طرف في حرب أهلية، وربما -إن صحت الاتهامات- طرف يستخدم أسلحة محظورة.

وهنا يكمن الخطر: حين تتصادم الرؤيتان، يصبح السودان ساحة اختبار بين النفوذ المصري التقليدي والإرادة الأمريكية المتجددة.

 

العقوبات: البندقية التي لا تُطلق رصاصاً

 

لا أبالغ حين أقول إن وزارة الخزانة الأمريكية هي أخطر جهة في المنطقة اليوم، ربما أكثر خطراً من البنتاغون. لأنها تمتلك سلاحاً لا يحتاج إلى طائرات: سلاح حرمان المؤسسات من النظام المالي العالمي.

قصة فروع بنك مصر في الإمارات التي طالتها الإجراءات الأمريكية الأخيرة، هي في رأيي “رسالة” أكثر منها “عقوبة”. واشنطن لم تضع مصر في القائمة السوداء، لكنها وضعت البنوك والمؤسسات المالية في حالة تأهب دائم، قائلة لهم: أي تعامل مع شبكات تخدم إيران، مهما كان غير مباشر، سيُعرضكم للمساءلة.

هنا تظهر معضلة القاهرة الحقيقية. مصر ليست دولة معزولة، هي دولة نامية تحتاج للانفتاح الاقتصادي، وعلاقاتها مع طهران ليست عدائية بالقدر الذي يريده الأمريكيون، خصوصاً في ملفات مثل التبادل التجاري أو المصالح البحرينية المشتركة. لكن في الوقت نفسه، القاهرة ليست مستعدة لخوض حرب عقوبات مع واشنطن، لأن كلفة ذلك ستكون باهظة على اقتصاد يعاني أصلاً من تداعيات إقليمية وعالمية.

 

هل نحن أمام تصعيد أم إعادة ترتيب؟

 

أظن أن الإدارة الأمريكية ليست في وارد فتح جبهة جديدة مع مصر، فالقاهرة حليف مهم في المنطقة، ولها دور لا يمكن استبداله في استقرار الشرق الأوسط. لكن ما أراه بوضوح هو أن واشنطن تحاول تضييق هامش المناورة المصري في ملفين حساسين: السودان وإيران.

أمريكا تريد أن تقول لمصر: “إذا أردتِ الحفاظ على علاقتك بالنظام المالي العالمي، فعليكِ أن تكوني أكثر حذراً في تعاملاتك مع الخرطوم وطهران”. وهي بهذا لا تطلب من القاهرة التخلي عن مصالحها، لكنها تطلب منها أن تعيد حساب تلك المصالح في ضوء القواعد الأمريكية الجديدة.

 

ماذا تفعل مصر؟

 

أرى أن القاهرة أمام اختبار صعب لكنه ليس مستحيلاً.

السياسة المصرية في السنوات الأخيرة كانت ذكية في تنويع علاقاتها: الصين، روسيا، دول الخليج، أفريقيا. هذا التوجه يوفر للقاهرة مساحات إضافية للحركة، لكنه لا يلغي حقيقة أن الدولار ما زال هو عملة العالم، وأن وول ستريت ما زالت قبلة رؤوس الأموال.

ما أحتاجه كمراقب، وما أتمنى أن يراه صناع القرار في مصر، هو خطوات عملية لحماية المؤسسات المالية المصرية من أي مخاطر عقوبات مستقبلية، مع استمرار الدبلوماسية المصرية في توضيح موقفها من السودان. يجب أن تكون الرسالة واضحة: مصر لا تتدخل في الحرب السودانية، لكنها لن تتخلى عن أمنها القومي، وليست واشنطن وحدها من يملك حق تحديد شكل الدولة السودانية.

 

في النهاية

 

الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من الصراع، ليست بالصواريخ هذه المرة، بل بالدولارات والعقوبات والتحويلات البنكية. ومصر، بقدرتها التاريخية على المناورة، قادرة على اجتياز هذه المرحلة إن أحسنت قراءة الرسائل الأمريكية دون أن ترتعب منها، وإن تمسكت بحقها في حماية حدودها ومصالحها، مع إدراكها أن الانعزال عن النظام المالي العالمي ليس خياراً، والاصطدام المباشر مع أمريكا ليس حكمة.

الحل، كما أراه، يكمن في التحرك بدقة متناهية في ملفي السودان وإيران، بحيث تحافظ القاهرة على استقلالية قرارها دون أن تتحول إلى عقبة أمام استراتيجية أمريكية هي، في النهاية، أقوى منها مالياً، لكنها ليست بالضرورة أكثر حكمة إقليمياً.

 

 

شاهد أيضاً

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان   عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي – العراق  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *