أخبار عاجلة
المنافقون يتقدمون أولًا
المنافقون يتقدمون أولًا

المنافقون يتقدمون أولًا

بقلم الأستاذة سارة عليّان _ لبنان

الأستاذة سارة عليّان
الأستاذة سارة عليّان

 

عندما يصبح الالتواء ذكاءً… والاستقامة خطأً مهنيًا وأخلاقيًا
لنقلها كما هي، بلا تجميل:
نحن نعيش زمنًا لا تسير فيه الحياة دائمًا إلى الأمام… بل أحيانًا إلى الخلف…
زمنٌ قد يُعاقَب فيه الإنسان لأنه محترم، ويُهمَّش لأنه واضح، ويُستبعد لأنه لا يجيد لعبة المصالح، بينما تُفتح الأبواب أمام من أتقن الكذب، والتملق، وتبديل المواقف، وارتداء الوجه المناسب لكل شخص.
نعم، المشهد صادم!
لكن الأكثر صدمة ليس أن هناك أشخاصًا سيئين ينجحون.
الأكثر صدمة أننا صرنا نعرف أنهم سيئون… ثم نصفق لهم.
نعرف كيف وصلوا.
نعرف من تجاوزوا.
نعرف من ظلموا.
نعرف كم مرة غيّروا مواقفهم، وكم مرة باعوا كلمة، وكم مرة تملقوا لمن يملك سلطة، وكم مرة أداروا ظهورهم لمن لم تعد له منفعة.
ومع ذلك، عندما يصلون، نركض لتهنئتهم.
ثم نعود إلى بيوتنا لنتساءل:
لماذا تغيرت الدنيا؟
لا يا سادة.
الدنيا لم تتغير وحدها.
نحن ساهمنا في تغييرها.
حين جعلنا الوصول أهم من الاستحقاق، والنتيجة أهم من الوسيلة، والمصلحة أهم من الكرامة، بدأ الانهيار الحقيقي.
حين أصبح صاحب المبدأ «معقدًا»، وصاحب الضمير «ساذجًا»، وصاحب الموقف «صعب التعامل»، بينما صاحب الألف وجه «ذكيًا اجتماعيًا»… أصبح علينا أن نتوقف قليلًا ونسأل:
من الذي أعاد تعريف النجاح؟
من أقنعنا بأن الإنسان الناجح هو الذي يصل، مهما كانت الطريقة؟
ومن أقنعنا بأن السؤال عن «كيف وصلت؟» أصبح تدخّلًا في شؤون الآخرين؟
ومن قال إن الحصول على الكرسي أهم من استحقاقه؟
ومن قال إن الشهرة دليل قيمة؟
ومن قال إن كثرة العلاقات دليل أخلاق؟
ومن قال إن التصفيق شهادة براءة؟
لا شيء من ذلك صحيح.
لكننا نعيش في زمنٍ أصبح فيه المظهر أسرع من الحقيقة.
يكفي أن تعرف كيف تقدّم نفسك، وكيف تختار كلماتك، وكيف تبتسم في الوقت المناسب، وكيف تعرف من يجب أن تقترب منه ومن يجب أن تتجاهله، حتى تستطيع أحيانًا أن تتجاوز أشخاصًا أكثر كفاءة منك، وأكثر علمًا، وأكثر استقامة.
وهذه ليست مشكلة فرد.
هذه مشكلة بيئة.
لأن الشخص الانتهازي لا يصبح قويًا وحده.
نحن الذين نقويه عندما نكافئه.
والكاذب لا يصبح مؤثرًا وحده.
نحن الذين نمنحه جمهورًا عندما نصدّقه رغم معرفتنا بكذبه.
والمنافق لا يصبح خطيرًا وحده.
نحن الذين نفتح له الباب كل مرة لأنه «مفيد».
ثم نلوم الأخلاق!

أي نفاق هذا؟!
نريد مجتمعًا نظيفًا، لكننا نكافئ القذر عندما يكون نافعًا.
نريد الصدق، لكننا نغضب من الصريح.
نريد الكفاءة، لكننا نختار أحيانًا من يجيد العلاقات.
نريد العدالة، لكننا نطلب الاستثناء عندما يتعلق الأمر بنا.
نريد أن يتوقف الفساد، لكننا نبحث عن «واسطة صغيرة» عندما نحتاج إلى خدمة.
ثم نقف أمام المرآة ونسأل:
لماذا أصبح الناس هكذا؟
لأننا أصبحنا هكذا.
المجتمع لا يُفسد فقط عندما يسرق أحدهم أو يكذب أحدهم.
المجتمع يُفسد عندما يرى السرقة ولا يغضب.
عندما يرى الظلم ويصمت.
عندما يعرف الحقيقة ويختار رواية أخرى لأنها أكثر راحة.
عندما يرى شخصًا لا يستحق في المقدمة، فيقول:
«ماذا نفعل؟ هكذا الدنيا.»
لا.
ليست هكذا الدنيا. هكذا نحن عندما نقبل أن تكون كذلك.
والأخطر من فساد الأخلاق هو تجميلها.
أن نمنح الخداع اسم «ذكاء».
أن نمنح التملق اسم «دبلوماسية».
أن نمنح الانتهازية اسم «طموح».
أن نمنح الجبن اسم «حكمة».
أن نمنح السكوت عن الحق اسم «تجنب المشاكل».
وأن نمنح الشخص الذي يبيع كل شيء في سبيل مصلحته لقب:
«يعرف كيف يعيش.»
فهل هذا هو النجاح الذي نريد أن نعلّمه لأبنائنا؟
هل نريد أن نقول للطفل:
لا تكن صادقًا جدًا، ستخسر.
لا تكن طيبًا، سيستغلونك.
لا تتمسك بموقفك، قد تحتاج الشخص غدًا.
لا تقل الحقيقة، ربما تغضب صاحب النفوذ.
لا تكن مستقيمًا أكثر من اللازم، فالطريق المستقيم طويل!
إذا كان هذا هو الدرس الذي يتلقاه الجيل الجديد، فلا يحق لنا غدًا أن نشكو من جيل بلا مبادئ.
نحن من علّمناه أن المبادئ مكلفة.
ومع ذلك، هناك شيء يجب أن نقوله بوضوح:
ليس كل من سبقك أفضل منك.
وليس كل من فُتحت له الأبواب مستحقًا لها.
وليس كل من ظهر في المقدمة منتصرًا.
بعض الناس يصلون بسرعة لأنهم لم يحملوا معهم أي مبادئ تثقل خطواتهم.
بعضهم يصعد بسهولة لأنه لا ينظر إلى من يسقط تحته.
وبعضهم يربح كثيرًا لأنه لا يدفع ثمنًا من ضميره.
لكن هذا ليس نجاحًا.
هذه صفقة.
وكل صفقة لها ثمن.
قد لا يظهر اليوم.
قد لا يظهر غدًا.
وقد يمرّ صاحبها سنوات وهو يعتقد أنه انتصر.
لكن الإنسان لا يستطيع الهروب إلى الأبد من نفسه.
والمفارقة أن أكثر ما يحتاجه الإنسان في نهاية كل هذا الركض ليس جمهورًا.
بل مرآة.
مرآة يستطيع أن ينظر فيها دون أن يخجل من الشخص الذي يراه.
لذلك، لا أقول للإنسان المستقيم: لا تحزن عندما يتقدم عليك شخص أقل منك.
احزن، نعم.
اغضب، ربما.
تساءل، بالتأكيد.
لكن لا تتحول إليه.
لأن أسوأ هزيمة ليست أن تخسر أمام إنسان سيئ.
أسوأ هزيمة أن تربح بعد أن تصبح مثله.
لا تبيع أخلاقك لأن السوق لا يقدّرها.
لا تغيّر مبادئك لأن شخصًا بلا مبادئ سبقك.
ولا تجعل سوء العالم حجة لسوءك.
فإذا كان الصدق اليوم مكلفًا، فليكن.
وإذا كانت الاستقامة بطيئة، فلتكن.
وإذا كانت الأخلاق عملة نادرة، فلا تكن أول من يبيعها.
لأننا إذا وصلنا يومًا إلى مجتمع لا يعود فيه الإنسان يخجل من أن يكون سيئًا، فالمشكلة لن تكون في السيئين وحدهم.
المشكلة ستكون في الذين جعلوا سوءهم مربحًا.
وهنا السؤال الذي يجب أن يزعجنا جميعًا:
هل الحياة فعلًا تمشي بالعكس؟
أم أننا نحن الذين قلبنا المعايير، ثم غضبنا لأن العالم صار يشبه ما صنعناه؟
وربما حان الوقت لنعترف بالحقيقة الأكثر إيلامًا:
المنافقون لا يتقدمون دائمًا لأنهم أقوى منا…
أحيانًا يتقدمون لأننا نحن من فتح لهم الطريق.

شاهد أيضاً

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان   عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي – العراق  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *