تركيا تلعب بأكثر من ورقة.. كيف يحوّل أردوغان تقلبات المنطقة إلى نفوذ؟
بقلم محمود سيد محمد.
الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.
في الشرق الأوسط، لا توجد صفقة تدوم إلى الأبد، ولا تحالف يمكن الاطمئنان إليه تمامًا. المصالح تتغير، والحسابات تتبدل، وما يبدو اليوم اتفاقًا ثابتًا قد يصبح غدًا ورقة تفاوض على طاولة أخرى.
هذه الحقيقة تبدو حاضرة بقوة في الحسابات التركية.
أنقرة لا تتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها حليفًا يمكن وضع كل الرهانات عليه، ولا مع روسيا باعتبارها شريكًا يمكن الوثوق به في كل الملفات. وفي الوقت نفسه، لا تريد قطع خيوطها مع أوروبا أو دول الخليج أو آسيا الوسطى، بل توسع حضورها في أفريقيا وتعمل على تثبيت نفوذها في مناطق أخرى.
قد يبدو هذا للكثيرين سياسة متناقضة، لكنه في الحساب التركي ليس تناقضًا بقدر ما هو محاولة للحفاظ على أكبر قدر ممكن من حرية الحركة.
الرئيس رجب طيب أردوغان يعرف أن تركيا لا تستطيع التحكم في قرارات القوى الكبرى، لكنه يستطيع أن يجعل تجاهلها مكلفًا.
وهذه هي النقطة التي تفسر جانبًا كبيرًا من السلوك التركي خلال السنوات الأخيرة.
لا تضع كل أوراقك في واشنطن
تتعامل أنقرة مع واشنطن بحسابات دقيقة. عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي تمنحها موقعًا لا يمكن تجاهله، لكن العلاقة مع الولايات المتحدة شهدت في الوقت نفسه خلافات حادة، من سوريا إلى صفقة منظومة «إس-400» الروسية، وصولًا إلى ملفات التسليح والعقوبات.
ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تعرف أنقرة أن أسلوب الإدارة الأمريكية الحالية يقوم بدرجة كبيرة على الصفقات والمساومة المباشرة.
بالنسبة إلى أردوغان، لا تكفي التفاهمات السياسية وحدها. المطلوب أن تمتلك تركيا بدائل تجعلها قادرة على التفاوض مع واشنطن من موقع أفضل.
ولهذا لم تقطع أنقرة علاقتها بموسكو عندما توترت علاقاتها مع الولايات المتحدة، ولم تنضم إلى موسكو عندما اختلفت مع واشنطن.
هذه نقطة شديدة الأهمية.
تركيا لا تريد الاختيار بين روسيا وأمريكا بقدر ما تريد أن تجعل الطرفين بحاجة إلى إبقاء قنوات التواصل معها مفتوحة.
سوريا.. الاختبار الأصعب
سوريا هي المثال الأوضح على هذه السياسة.
فتركيا موجودة عسكريًا وسياسيًا في الملف السوري، لكنها في الوقت نفسه تتفاوض مع روسيا وإيران ضمن مسارات مختلفة، وتتواصل مع الولايات المتحدة رغم الخلاف العميق حول دعم واشنطن لقوات سوريا الديمقراطية.
ولو كانت أنقرة تفكر بمنطق التحالفات الجامدة، لكان من الصعب تفسير هذا التعقيد.
لكن السياسة التركية لا تُبنى على السؤال: «مع من نحن؟».
السؤال الحقيقي هو: «ما الذي نريده من كل طرف؟».
من روسيا تريد أنقرة مساحة حركة في شمال سوريا ومنع تحول المناطق القريبة من حدودها إلى مصدر تهديد مباشر. ومن واشنطن تريد التعامل مع ملف الأكراد والسلاح والدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية. ومن دول المنطقة تريد علاقات اقتصادية وسياسية تقلل تكلفة الخلافات السابقة.
هكذا تتحول سوريا من عبء إلى ورقة تفاوض.
موسكو.. شريك ومنافس في الوقت نفسه
العلاقة التركية الروسية تقدم نموذجًا آخر.
تركيا اشترت منظومة «إس-400» رغم الاعتراض الأمريكي، ووسعت تعاونها في الطاقة، وحافظت على قنوات اتصال مع موسكو في ملفات إقليمية حساسة.
لكن ذلك لم يجعلها حليفًا روسيًا.
أنقرة تعرف أن المصالح بين البلدين تتقاطع في بعض الملفات وتصطدم في ملفات أخرى، من سوريا إلى ليبيا والقوقاز والبحر الأسود.
لذلك فإن وصف العلاقة التركية الروسية بأنها «تحالف» لا يشرح حقيقتها بالكامل.
هي علاقة تقوم على التعاون حين تكون المصالح مشتركة، وعلى التنافس حين تتعارض الحسابات.
وهذا بالضبط ما تريده أنقرة من علاقاتها الدولية: ألا تضطر إلى تحويل الخلاف في ملف واحد إلى قطيعة شاملة.
الخليج.. من الخصومة إلى المصالح
شهدت العلاقات التركية مع دول الخليج تحولًا واضحًا خلال السنوات الماضية.
الخلافات التي كانت حادة في مرحلة سابقة لم تمنع أنقرة لاحقًا من إعادة فتح قنوات واسعة مع السعودية والإمارات وقطر وغيرها.
والسبب ليس تغير المواقف السياسية فقط، وإنما إدراك متبادل بأن الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتجارة تستطيع في أحيان كثيرة أن تفتح أبوابًا تعجز السياسة عن فتحها.
تركيا بحاجة إلى الاستثمارات والأسواق الخليجية، ودول الخليج تنظر إلى تركيا باعتبارها دولة ذات وزن عسكري وصناعي وموقع استراتيجي مهم.
هنا أيضًا لا تبحث أنقرة عن «صداقة» بالمعنى التقليدي.
هي تبحث عن مصالح قابلة للاستمرار.
وهذا فرق مهم.
أفريقيا.. نفوذ بأدوات مختلفة
لم يعد التحرك التركي محصورًا في الشرق الأوسط.
خلال السنوات الماضية توسعت أنقرة في أفريقيا عبر التجارة، والاستثمارات، والمساعدات، وشركات المقاولات، والخطوط الجوية، والصناعات الدفاعية.
الطائرات المسيّرة التركية أصبحت جزءًا من معادلات عسكرية في عدد من الدول، بينما تحول الحضور الاقتصادي والدبلوماسي التركي إلى عنصر ثابت في علاقات أنقرة مع القارة.
وهنا تظهر ميزة النموذج التركي.
فتركيا لا تحتاج إلى نشر قوات ضخمة في كل مكان حتى يكون لها نفوذ. أحيانًا يكفي أن يكون لديها سفارة نشطة، وشركة، وخط جوي، واتفاق دفاعي، وسوق مفتوحة أمام منتجاتها.
هذه الأدوات أقل تكلفة من الوجود العسكري المباشر، لكنها تمنح أنقرة قدرة على بناء علاقات طويلة المدى.
لماذا لا تريد تركيا انتصارًا كاملًا؟
لأن الانتصار الكامل في الشرق الأوسط قد يكون مكلفًا أكثر من الهزيمة المحدودة.
هذه قاعدة فهمتها أنقرة من تجارب المنطقة.
القوى التي حاولت بناء نفوذ يتجاوز قدرتها على تحمل تكلفته اكتشفت في النهاية أن السيطرة على مساحة أكبر تعني أيضًا مسؤوليات أكبر وأعداء أكثر.
لذلك يبدو أن الحساب التركي يقوم على فكرة مختلفة: تحقيق مكاسب متدرجة من دون الوصول إلى النقطة التي يتحول فيها النفوذ إلى استنزاف.
يمكن أن تتراجع أنقرة خطوة في ملف إذا كان المقابل هو الحصول على مكسب أكبر في ملف آخر.
ويمكن أن تؤجل قرارًا إذا كان الحسم الآن سيغلق أمامها أبوابًا تحتاج إليها لاحقًا.
السياسة هنا ليست بطولة ولا تراجعًا.
إنها حساب تكلفة.
أردوغان يعرف أن القوة ليست في كثرة الخصوم
هناك فارق بين أن تكون دولة مؤثرة وأن تكون دولة تخوض معركة مع الجميع.
تركيا تريد الأولى وتتجنب الثانية.
فهي تحتاج إلى الولايات المتحدة، لكنها لا تريد أن تعتمد عليها وحدها. وتحتاج إلى روسيا، لكنها لا تريد أن تصبح جزءًا من محورها. وتريد علاقات قوية مع الخليج، لكنها لا تريد أن تتحول إلى تابع لأحد. وتوسع حضورها في أفريقيا، لكنها تعرف حدود قدرتها على الانتشار.
هذه المرونة تمنح أردوغان فرصة نادرة: القدرة على تغيير اتجاهه من دون أن يغير هدفه الأساسي.
والهدف هو الحفاظ على تركيا كقوة إقليمية يصعب تجاوزها في أي ترتيبات تخص المنطقة.
لكن اللعبة ليست بلا ثمن
المشكلة أن سياسة الموازنة بين القوى تحتاج إلى اقتصاد قوي وإدارة دقيقة للموارد.
كلما اتسعت دائرة التحرك التركي، زادت تكلفة الحفاظ عليها.
كما أن التوازن يصبح أصعب عندما يصل الخلاف بين القوى الكبرى إلى مرحلة لا تسمح بالوقوف في المنتصف.
إذا دخلت واشنطن وموسكو في مواجهة واسعة، أو انفجرت مواجهة إقليمية كبيرة، فقد تجد أنقرة نفسها مضطرة إلى اتخاذ خيارات أكثر وضوحًا مما تفضله.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي للسياسة التركية.
هل تستطيع أنقرة الاستمرار في اللعب على أكثر من طاولة عندما تبدأ الطاولات نفسها في التحرك؟
من يجلس على الطاولة؟
في النهاية، لا يبدو أن تركيا تبحث عن انتصار إمبراطوري بالمعنى التقليدي.
هي تريد شيئًا أكثر واقعية: أن تكون موجودة عندما تُرسم الخرائط السياسية الجديدة، وأن تمتلك من الأوراق ما يكفي لمنع الآخرين من رسم مستقبل المنطقة من دونها.
هذه هي فلسفة أردوغان في جوهرها.
لا تثق تركيا في حليف واحد، ولا تغلق الباب أمام خصم محتمل، ولا تعتبر التراجع في ملف هزيمة إذا كان يفتح لها بابًا في ملف آخر.
قد تختلف مع واشنطن ثم تعود إلى التفاوض معها، وقد تتعاون مع موسكو ثم تختلف معها، وقد تصطدم بدولة عربية ثم تعيد بناء العلاقات معها عندما تتغير المصالح.
البعض يرى في ذلك براغماتية زائدة، والبعض يراه انتهازية سياسية. لكن من زاوية المصالح التركية، هناك تفسير أكثر بساطة: أنقرة لا تريد أن تدفع ثمن أخطاء الآخرين.
ولهذا فإن أهم ما تحاول تركيا الحفاظ عليه ليس عدد الحلفاء، ولا عدد الاتفاقيات، ولا حجم النفوذ وحده.
إنها تحاول الحفاظ على حرية القرار.
وفي منطقة تتغير فيها التحالفات أسرع من تغير الخرائط، قد تكون حرية القرار هي الورقة الأقوى على الإطلاق.
فالسياسة الدولية لا تكافئ دائمًا الدولة التي ترفع صوتها أكثر، وإنما تكافئ في كثير من الأحيان الدولة التي تعرف متى تتقدم، ومتى تنتظر، ومتى تفاوض، ومتى تترك للطرف الآخر أن يكتشف أنه يحتاج إليها أكثر مما كانت تحتاج إليه.