أخبار عاجلة
إثيوبيا تشتعل.. هل اقتربت لحظة سقوط آبي أحمد؟
إثيوبيا تشتعل.. هل اقتربت لحظة سقوط آبي أحمد؟

إثيوبيا تشتعل.. هل اقتربت لحظة سقوط آبي أحمد؟

إثيوبيا تشتعل.. هل اقتربت لحظة سقوط آبي أحمد؟

بقلم الدكتور محمود سيد محمد.
الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.

 


هل تنجح القوى المسلحة في إسقاط حكومة آبي أحمد؟

إثيوبيا لا تقف اليوم أمام أزمة أمنية عابرة، وإنما أمام اختبار قد يعيد فتح السؤال القديم حول شكل الدولة نفسها: هل تستطيع إثيوبيا أن تبقى دولة اتحادية متعددة القوميات تحت سلطة مركزية قوية، أم أن الصراع على السلطة سيتحول مرة أخرى إلى صراع على هوية الدولة وحدود نفوذ أقاليمها؟

في 21 سبتمبر 2026، أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية تشكيل تحالف أطلقت عليه «تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء»، ويضم قوى من تيغراي وأمهرة وأوروميا وعفر وبني شنقول جوموز ومنطقة الصومال، بهدف مواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد. ومن بين أطرافه قوى كانت خصومًا في الحرب السابقة، بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو في أمهرة.

وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل المشهد مختلفًا.

المشكلة أقدم من آبي أحمد

لفهم ما يجري، لا يكفي النظر إلى التحالف المسلح الجديد؛ فالأزمة الإثيوبية مرتبطة ببنية سياسية تشكلت منذ اعتماد النظام الفيدرالي الإثني في دستور 1995.

النظام أعطى القوميات والأقاليم سلطات واسعة، بما في ذلك مؤسسات تشريعية وأمنية إقليمية وحق تقرير المصير، وصولًا إلى حق الانفصال وفق المادة 39 من الدستور. لكن المشكلة أن حدود الصلاحيات بين الحكومة المركزية والأقاليم ظلت محل خلاف سياسي مستمر.

وهنا نشأت معادلة شديدة الحساسية: كلما حاول المركز تقوية الدولة، خافت بعض القوميات من عودة المركزية؛ وكلما اتسعت صلاحيات الأقاليم، ظهرت مخاوف أخرى من تفكك الدولة.

هذا التناقض لم يبدأ مع آبي أحمد، لكنه تفاقم خلال مرحلة انتقاله إلى السلطة.

فصعود آبي عام 2018 جاء في الأصل على خلفية احتجاجات واسعة وتنافس بين النخب القومية، قبل أن يتحول لاحقًا إلى مشروع سياسي أكثر مركزية مع تأسيس حزب الازدهار عام 2019 بدلًا من الائتلاف السابق الذي كان يقوده ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية. وتشير دراسات مجموعة الأزمات الدولية إلى أن هذه التحولات عمقت التوتر بين المركز وبعض القوى الإقليمية، خصوصًا تيغراي.

إذن، ما يحدث الآن ليس مجرد محاولة لإسقاط رئيس وزراء؛ بل صراع على من يملك القرار داخل الدولة الإثيوبية.

لماذا اجتمع الخصوم؟

المفارقة أن التحالف الجديد يجمع أطرافًا لم تكن مصالحها متطابقة.

تيغراي تريد الحفاظ على مساحة واسعة من الحكم الإقليمي، بينما توجد في أمهرة مطالب وتصورات مختلفة تمامًا بشأن الأرض والحدود وعلاقة الإقليم بالمركز. وفي أوروميا توجد بدورها حركة مسلحة وصراع سياسي له جذوره الخاصة.

ومع ذلك اجتمعت هذه القوى على نقطة واحدة: رفض ما تعتبره توسعًا في سلطة الحكومة المركزية.

وهذا يعطي التحالف قوة من ناحية، لكنه يحمل في داخله نقطة ضعفه الأكبر من ناحية أخرى.

فهو قادر على فتح جبهات متعددة، لكنه ليس بالضرورة قادرًا على إدارة حرب موحدة.

والسؤال الذي سيحدد مستقبل التحالف ليس عدد الجماعات التي أعلنت الانضمام إليه، وإنما: هل تستطيع هذه الجماعات إنشاء قيادة مشتركة، وتنسيق العمليات، وتأمين خطوط الإمداد، وتحديد هدف سياسي واحد لما بعد آبي أحمد؟

حتى الآن، توجد مؤشرات على أن التباعد الجغرافي والخلافات السياسية بين مكونات التحالف قد تمثل عائقًا أمام تحوله إلى قوة عسكرية موحدة.

الجيش هو مفتاح المعادلة

في أي محاولة لإسقاط حكومة مركزية، لا يكفي امتلاك جماعات مسلحة للأرض.

العنصر الحاسم هو تماسك مؤسسات الدولة، وبالأخص الجيش والأجهزة الأمنية.

إذا ظلت القيادة العسكرية موحدة خلف الحكومة، فإن تعدد الجبهات يمكن أن يتحول إلى حرب استنزاف طويلة، لكنه لا يعني بالضرورة سقوط السلطة.

أما إذا بدأت الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية، أو ظهرت وحدات ترفض تنفيذ أوامر القيادة المركزية، فإن المعادلة ستتغير بصورة جذرية.

وهنا يصبح الحديث عن «انقلاب» أكثر جدية.

لكن حتى الآن، الأدلة المتاحة تتحدث عن تحالف جماعات مسلحة ضد الحكومة، وليس عن انقلاب عسكري مكتمل داخل مؤسسات الدولة.

ثلاثة سيناريوهات

السيناريو الأول: حرب استنزاف طويلة.

قد تنجح الحكومة في منع خصومها من الوصول إلى أديس أبابا، بينما تستمر الجماعات المسلحة في السيطرة أو النشاط داخل مناطقها. في هذه الحالة لن يسقط النظام سريعًا، ولن تنتهي الحرب سريعًا أيضًا.

وهذا السيناريو قد يكون الأكثر كلفة على الاقتصاد والمجتمع؛ لأن الدولة ستضطر إلى توزيع قواتها على جبهات متعددة، بينما تتزايد تكلفة الأمن ويتراجع المجال أمام الاستثمار والتنمية.

السيناريو الثاني: اتساع التحالف وانقسام الدولة.

إذا تمكن التحالف من جذب قوى جديدة، ونجح في تنسيق عملياته، وظهرت في الوقت نفسه خلافات داخل المؤسسات السياسية أو العسكرية، فقد تتحول الأزمة من تمردات إقليمية إلى أزمة سلطة مركزية.

وهنا لن تكون المعركة حول مدينة أو إقليم، بل حول مستقبل النظام السياسي بأكمله.

السيناريو الثالث: تسوية سياسية تحت ضغط السلاح.

قد تدفع تكلفة الحرب جميع الأطراف إلى العودة إلى التفاوض، خصوصًا إذا أدركت الجماعات المسلحة أن إسقاط الحكومة أسهل نظريًا من الاتفاق على البديل، وأدركت الحكومة في المقابل أن الحسم العسكري الكامل قد يكون شديد التكلفة.

في هذه الحالة قد تعود قضية الفيدرالية وصلاحيات الأقاليم وتقاسم السلطة إلى طاولة التفاوض.

العامل الخارجي

إثيوبيا لا تعيش داخل فراغ إقليمي.

الحكومة اتهمت إريتريا بدعم عناصر من التحالف، بينما نفت أسمرا هذه الاتهامات.

ومع حساسية العلاقة بين أديس أبابا وأسمرا، فإن أي دعم خارجي مباشر لأحد أطراف الصراع يمكن أن يرفع مستوى المواجهة من أزمة داخلية إلى أزمة إقليمية.

كما أن موقع إثيوبيا يجعل تطوراتها مرتبطة مباشرة بالسودان والبحر الأحمر والصومال والقرن الأفريقي.

لذلك فإن أي انهيار واسع في السلطة المركزية ستكون له تداعيات تتجاوز الحدود الإثيوبية.

الاقتصاد قد يحسم ما لا تحسمه البنادق

هناك جبهة أخرى لا تحظى بالاهتمام نفسه: الاقتصاد.

فالحرب الطويلة تحتاج إلى تمويل، والسلاح يحتاج إلى إمدادات، والجبهة الداخلية تحتاج إلى قدرة الدولة على دفع الرواتب والحفاظ على الخدمات.

وكلما طال القتال، أصبح السؤال الاقتصادي أكثر أهمية: إلى متى تستطيع الحكومة تمويل حرب متعددة الجبهات؟ وإلى متى تستطيع القوى المسلحة الحفاظ على خطوط الإمداد؟

لهذا فإن قياس قوة أي طرف لا يكون بعدد المقاتلين فقط، بل بقدرته على الاستمناعات هل يسقط آبي أحمد؟

الإجابة الآن ليست محسومة.

هناك تحالف مسلح واسع جغرافيًا، وهناك صراعات قديمة عادت إلى الواجهة، وهناك خلاف جوهري حول العلاقة بين المركز والأقاليم.

لكن في المقابل، لا تزال الحكومة تملك مؤسسات الدولة، والجيش والأجهزة الأمنية، والقدرة على التحرك داخل المركز.

لذلك فإن الحديث عن سقوط وشيك للحكومة سيكون سابقًا لأوانه.

الأكثر أهمية خلال الأيام والأسابيع المقبلة هو مراقبة تماسك الجيش، واتساع التحالف، وموقف الأقاليم المترددة، وحجم أي دعم خارجي، وقدرة الحكومة على تحمل الكلفة الاقتصادية للحرب.

إذا بقيت هذه العوامل تحت سيطرة الحكومة، فقد يتحول التحالف المسلح إلى حرب استنزاف.

أما إذا اجتمعت عدة عوامل في الاتجاه المعاكس — انقسام عسكري، توسع جغرافي للتحالف، دعم خارجي، وضغط اقتصادي — فإن إثيوبيا قد تدخل مرحلة مختلفة تمامًا.

وعندها لن يكون السؤال:

هل ينجح الانقلاب؟

بل:

هل تستطيع الدولة الإثيوبية نفسها أن تمنع تحول الصراع على السلطة إلى صراع على بقاء الدولة؟

هذه هي المعركة الحقيقية التي بدأت تتشكل في إثيوبيا، وما ستكشفه الأيام القادمة لن يحدد مستقبل آبي أحمد وحده، وإنما قد يعيد رسم ميزان القوة في القرن الأفريقي بأكمله.

شاهد أيضاً

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان   عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي – العراق  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *