بقلم الباحث والمحلل ادريس احميد – ليبيا

بنغازي – في مشهد يحمل دلالات تتجاوز حدود مؤسسة تعليمية، تعود جامعة بنغازي العريقة إلى واجهتها من جديد، بعد استكمال أعمال إعادة الإعمار والتطوير التي أعادت تأهيل مبانيها ومرافقها، في خطوة تجسد انتقال المدينة من سنوات الحرب ومواجهة الإرهاب إلى مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار وإعادة البناء والتنمية.

وتكتسب إعادة افتتاح الجامعة أهمية خاصة، ليس فقط بسبب مكانتها التاريخية في منظومة التعليم العالي الليبي، وإنما أيضاً لما تمثله من صورة واضحة للتحول الذي تشهده بنغازي، حيث لم تتوقف عملية التعافي عند إعادة تأهيل المباني المتضررة، بل امتدت إلى تطوير المؤسسات والخدمات والبنية التحتية وتهيئة المدينة لاستعادة دورها كإحدى أهم المدن الليبية.
ويأتي حفل إعادة الافتتاح بحضور القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة الليبية أسامة حماد وعدد من الوزراء، إلى جانب السفراء المعتمدين لدى ليبيا والوفود المدعوة، وعمداء الجامعات وأساتذة الجامعات الليبية، وطلاب جامعة بنغازي وأهالي عدد من المدن الليبية.

وتحمل جامعة بنغازي إرثاً أكاديمياً يمتد إلى عام 1955، عندما تأسست بقرار ملكي تحت اسم «الجامعة الليبية»، وخصص الملك الراحل إدريس السنوسي قصر المنار ليكون مقراً لها.
ومنذ ذلك التاريخ، شكلت الجامعة أحد أهم روافد التعليم العالي في البلاد، وخرّجت آلاف الكفاءات في مختلف التخصصات العلمية والأدبية، وأسهم خريجوها في مسيرة التنمية الليبية، كما برز عدد منهم في المؤسسات العلمية والأكاديمية والمهنية داخل ليبيا وخارجها.

لكن هذا الإرث تعرض لضربة قاسية خلال سنوات الحرب التي شهدتها بنغازي منذ عام 2014، عندما لحقت أضرار بعدد من مباني الجامعة ومرافقها، في ظل المعارك التي خاضتها المدينة ضد التنظيمات الإرهابية.
ومع استعادة الأمن، بدأ فصل جديد لم يعد عنوانه مواجهة الإرهاب فقط، وإنما معالجة آثاره وإعادة بناء المؤسسات التي تضررت، وفي مقدمتها المؤسسات التعليمية التي تمثل أساس بناء الدولة وصناعة أجيال المستقبل.

وفي هذا الإطار، لم يتوقف دور القيادة العامة للجيش الليبي عند الجانب الأمني، بل اتجه إلى دعم مسار الإعمار والتنمية من خلال دعم الحكومة الليبية ومساندة جهودها في تنفيذ المشاريع التنموية والخدمية، بالتوازي مع إنشاء وتفعيل عدد من الأجهزة والمؤسسات المعنية بالتنمية وإعادة البناء، وفي مقدمتها الجهاز الوطني للتنمية وصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا.
ويعكس هذا المسار توجهاً نحو تحويل الاستقرار الذي تحقق إلى مشاريع ملموسة على الأرض، من خلال إعادة تأهيل المدن والمؤسسات والبنية التحتية، ومعالجة آثار سنوات الحرب، وتوفير مقومات التنمية، بما يشمل قطاعات الطرق والإسكان والصحة والتعليم والجامعات وغيرها من القطاعات الحيوية.

ومن بين أبرز المؤسسات العاملة في هذا المسار صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي تولى تنفيذ ومتابعة عدد واسع من مشاريع الإعمار والتطوير، ومن بينها مشروعات جامعة بنغازي، حيث شملت الأعمال استكمال البنية التحتية والطرق الداخلية والمباني الأكاديمية والقاعات الدراسية، إلى جانب التجهيز والتأثيث وتهيئة بيئة تعليمية متكاملة.
ويبرز في هذا السياق دور المدير العام للصندوق، المهندس بالقاسم خليفة حفتر، في متابعة مشاريع التطوير والإعمار ميدانياً، بما في ذلك مشروعات قطاع التعليم العالي، التي امتدت إلى الجامعات التابعة للحكومة الليبية في مختلف المناطق الواقعة ضمن نطاق إدارتها.

ولا تقف أعمال التطوير عند جامعة بنغازي وحدها، بل شملت جامعات ومجمعات جامعية في عدد من المدن والمناطق، في مسار يستهدف رفع كفاءة مؤسسات التعليم العالي وتحديث بنيتها التحتية وتجهيز مرافقها بما يتناسب مع متطلبات العملية التعليمية الحديثة.
ففي جامعة عمر المختار بمدينة البيضاء، جرت أعمال صيانة وتطوير للمرافق وفق معايير الجودة والمواصفات الفنية، بينما شهدت جامعة درنة أعمال تطوير واستكمال للمرافق الجامعية وفق معايير فنية وهندسية حديثة. كما تواصلت أعمال تطوير مجمع كليات جامعة بنغازي بمدينة المرج، بما شمل تحديث البنية التحتية وترميم القاعات وتجهيز المعامل والمرافق الأكاديمية والخدمات الأساسية.

وفي الجنوب الليبي، شهدت جامعة سبها أعمال إنشاء وتأهيل وتطوير للمركب الجامعي وعدد من الكليات والمرافق، بما يوفر بيئة تعليمية حديثة للطلاب وأعضاء هيئة التدريس، فيما شهدت جامعة سرت أيضاً مشاريع صيانة وتطوير لمرافقها التعليمية.
وتكشف هذه المشاريع عن تحول مهم في فلسفة الإعمار؛ فالمسألة لم تعد مجرد إعادة المباني إلى حالتها السابقة، وإنما الاتجاه نحو تطويرها ورفع كفاءتها وتجهيزها بالوسائل التعليمية والتقنيات الحديثة، بما يجعل الاستثمار في الجامعات استثماراً مباشراً في الإنسان.
ومن هذه الزاوية، تبدو إعادة افتتاح جامعة بنغازي جزءاً من مشهد أوسع؛ فبعد سنوات كان فيها الأمن ومواجهة الإرهاب في مقدمة الأولويات، تأتي مرحلة جديدة تضع التعليم والبنية التحتية والخدمات والتنمية في مقدمة المشهد.
وهنا تتضح أهمية الدور المؤسسي الذي رافق مرحلة ما بعد الحرب، إذ إن إعادة الإعمار تحتاج إلى أجهزة متخصصة وخطط ومشاريع تتجاوز الحلول المؤقتة، وهو ما جعل إنشاء وتفعيل المؤسسات المعنية بالتنمية والإعمار جزءاً من عملية الانتقال نحو مرحلة البناء.
وقد امتد هذا المسار إلى قطاعات ومناطق عدة، من بنغازي إلى درنة، ومن مدن الجنوب إلى مناطق الوسط وصولاً إلى سرت، وشمل مشاريع في الطرق والبنية التحتية والإسكان والصحة والتعليم وغيرها من القطاعات الحيوية.
وتبقى تجربة درنة واحدة من أبرز صور هذا التحول، بعد الكارثة التي تعرضت لها المدينة جراء إعصار دانيال، حيث انطلقت أعمال واسعة لإعادة تأهيل المدينة ومرافقها، بالتوازي مع مشروعات تنموية في عدد من المدن والمناطق الأخرى.
وفي قراءة أوسع للمشهد، فإن إعادة إعمار الجامعات تحمل أهمية تتجاوز الجانب الإنشائي؛ فالجامعة ليست مجرد مبانٍ وقاعات ومعامل، وإنما مؤسسة تنتج المعرفة والكفاءات، وتوفر للدولة كوادرها في الطب والهندسة والعلوم والاقتصاد والقانون والآداب وغيرها من التخصصات.
ومن هنا، فإن عودة جامعة بنغازي إلى الحياة بعد سنوات الحرب تمثل استعادة لدورها في صناعة المستقبل، فيما تعكس أعمال تطوير الجامعات التابعة للحكومة الليبية توجهاً نحو بناء منظومة تعليمية أكثر قدرة على مواكبة احتياجات الدولة والمجتمع.
وبذلك لا تبدو إعادة افتتاح جامعة بنغازي مجرد مناسبة لاستعادة مؤسسة عريقة لمبانيها، وإنما مشهداً ضمن مسار أكبر لإعادة بناء ليبيا، تتحول فيه المدن التي عانت من الحرب إلى مواقع للعمل والتنمية، وتتحول المؤسسات التي تضررت إلى منصات لإنتاج المستقبل.
لقد انتقلت بنغازي من مشهد الحرب والدمار إلى مشهد الجامعة التي تستعيد أبوابها وتستقبل طلابها، وفي هذا التحول تكمن الدلالة الأبرز: أن انتهاء الحرب لا يكتمل بمجرد توقف المعارك، وإنما يبدأ أثره الحقيقي عندما يتحول الاستقرار إلى جامعات ومدارس ومستشفيات وطرق ومشاريع تنموية.
ومن جامعة بنغازي، التي عادت من بين آثار الحرب، إلى الجامعات التابعة للحكومة الليبية التي تشهد أعمال صيانة وتطوير وتأهيل، تتشكل صورة أوسع لمسار إعادة البناء؛ مسار يضع الإنسان والتعليم والمؤسسات في قلب المرحلة الجديدة.
وهكذا تصبح جامعة بنغازي عنواناً حضارياً داخل مسار إعمار أوسع، يعيد بناء المكان ويؤسس في الوقت نفسه لبناء الإنسان، في انتقال من مرحلة دحر الإرهاب وآثار الحرب إلى مرحلة الاستثمار في المستقبل.