بقلم محمود سيد محمد
الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.

الحديث المتداول في بعض المواقع والتحليلات العسكرية الصينية عن اتجاه مصر للحصول على عدد من طائرات التزود بالوقود جوًا من طراز YY-20B يستحق التوقف أمامه، ليس لأن الطائرة الصينية تمثل إضافة جديدة إلى القوات الجوية المصرية فحسب، ولكن لأن وجود هذا النوع من الطائرات يغير حسابات استخدام المقاتلات نفسها.
حتى الآن، لا أتعامل مع الحديث عن شراء ست طائرات باعتباره صفقة مصرية معلنة، وإنما باعتباره معلومة متداولة تحتاج إلى تأكيد رسمي. لكن المؤكد أن تجربة التزود بالوقود التي ظهرت خلال المناورات المصرية الصينية الأخيرة فتحت الباب أمام أسئلة أكبر بكثير من مجرد نجاح تجربة فنية.
الرافال المصرية ظهرت وهي تتزود بالوقود من ناقلة صينية.
وهذه في حد ذاتها صورة تستحق القراءة.
مصر تمتلك مقاتلات رافال الفرنسية، وإف-16 الأمريكية، وميج الروسية، لكن طائرات التزود بالوقود تمثل عنصرًا مختلفًا تمامًا. أنت هنا لا تضيف مقاتلة جديدة، وإنما تضيف قدرة تجعل المقاتلة الموجودة لديك أكثر قدرة على الوصول والبقاء وتنفيذ المهمة على مسافة أكبر.
وهذا تحديدًا هو الجزء الذي كان ينقص منظومة القوة الجوية المصرية.
لماذا تحتاج مصر إلى ناقلات وقود؟
في القتال الجوي الحديث، المسافة ليست مجرد رقم مكتوب في مواصفات الطائرة.
المقاتلة يمكنها أن تصل إلى مدى معين، لكن هذا لا يعني أنها تستطيع الوصول إلى منطقة العمليات، والاشتباك، والمناورة، ثم العودة إلى قاعدتها وهي تملك احتياطي الوقود الضروري.
هنا تظهر أهمية التزود بالوقود في الجو.
فالناقلة تمنح المقاتلة وقتًا إضافيًا ومساحة أكبر للمناورة، وتسمح للقائد بالتخطيط للمهمة بعيدًا عن الحسابات التقليدية المرتبطة بمدى الطائرة وكمية الوقود.
وهذا يصبح أكثر أهمية كلما ابتعد مسرح العمليات عن القواعد المصرية.
ولهذا فإن أي حديث عن تطوير قدرة مصر على تنفيذ عمليات جوية بعيدة المدى يجب أن يبدأ من هذه النقطة.
«نسور الحضارة».. التجربة التي كشفت الكثير
المناورات المصرية الصينية الأخيرة كانت مهمة في هذا السياق.
نجاح تجربة التزود بالوقود بين ناقلة صينية ومقاتلة رافال مصرية يعني أن القاهرة وبكين تختبران عمليًا إمكانية تشغيل منظومات تنتمي إلى مدارس تسليح مختلفة.
وهذه ليست مسألة بسيطة.
الرافال فرنسية التصميم والتسليح، بينما YY-20 طائرة صينية. وبالتالي فإن نجاح عملية التزود بالوقود يعني أن هناك عملًا فنيًا وتشغيليًا جرى للوصول إلى مستوى من التوافق يسمح بتنفيذ العملية.
ومن الطبيعي أن يلفت هذا الأمر اهتمام الخبراء العسكريين الصينيين، لأن التجربة تمنح الصين أيضًا فرصة لإثبات أن منتجاتها تستطيع العمل مع مقاتلات أجنبية متقدمة.
وهنا يجب أن ننتبه إلى نقطة مهمة:
مصر لا تشتري قطعة سلاح منفردة فقط، وإنما تختبر إمكانية بناء شبكة تستطيع فيها معدات من مصادر مختلفة أن تعمل معًا.
ست طائرات.. لماذا هذا العدد؟
إذا تأكد بالفعل أن القاهرة تتجه إلى الحصول على ست طائرات من هذا النوع، فإن الرقم سيكون له معنى من الناحية التشغيلية.
فالناقلة الجوية ليست طائرة تستخدم منفردة، وإنما جزء من منظومة تخطيط وتشغيل تحتاج إلى عدد مناسب من الطائرات حتى تستطيع القوات الجوية الحفاظ على جاهزية مستمرة، مع وجود طائرات للصيانة أو الاحتياط.
وبالتالي فإن شراء عدد محدود من ناقلات الوقود قد يكون بداية لبناء قدرة، وليس مجرد صفقة رمزية.
لكن مرة أخرى، يجب عدم تحويل التسريبات أو التحليلات الصينية إلى حقيقة رسمية قبل صدور تأكيد من القاهرة أو ظهور عقد واضح.
المشكلة ليست في المقاتلة وحدها
هناك نقطة أخرى أراها أكثر أهمية.
إذا كانت مصر تريد بالفعل زيادة قدرتها على العمل بعيدًا عن قواعدها، فالحصول على ناقلات الوقود وحده لن يكون كافيًا.
ستحتاج المنظومة إلى طائرات إنذار مبكر وسيطرة جوية، وقدرات استطلاع، وحرب إلكترونية، واتصالات وقيادة وسيطرة، إضافة إلى صواريخ جو-جو بعيدة المدى.
بمعنى آخر، لا تستطيع أن تنظر إلى الطائرة المقاتلة وحدها.
القوة الجوية الحديثة تعمل كمنظومة واحدة.
المقاتلة تضرب.
طائرة الإنذار المبكر ترى وتوجه.
الحرب الإلكترونية تعطل وتربك.
ناقلة الوقود تمد المقاتلات بالوقود.
والصاروخ بعيد المدى يمنح الطيار قدرة أكبر على الاشتباك قبل الدخول في مدى قريب.
إذا اكتملت هذه العناصر، تصبح المقاتلة نفسها أكثر قيمة.
وهنا تظهر أهمية الصين
الصين تستطيع أن تقدم لمصر جزءًا كبيرًا من هذه المنظومة.
هناك طائرات مقاتلة، وناقلات وقود، وطائرات إنذار مبكر، ومنظومات دفاع جوي، وصواريخ جو-جو بعيدة المدى.
وهذا لا يعني أن مصر ستتخلى عن فرنسا أو روسيا أو الولايات المتحدة.
على العكس، يبدو أن القاهرة تسير منذ سنوات في اتجاه مختلف: عدم وضع كل أوراقها العسكرية في يد دولة واحدة.
وهذه السياسة تمنح مصر مساحة أكبر في التفاوض، وتوفر لها بدائل عندما تتعقد العلاقات السياسية أو تتأخر عمليات التسليم أو تفرض دولة معينة قيودًا على قطع الغيار والتحديثات.
ماذا عن إف-16؟
هنا أيضًا يجب أن نكون واقعيين.
إف-16 ما زالت من أهم مكونات القوات الجوية المصرية، ولذلك لا يمكن التعامل معها وكأنها أصبحت خارج الحسابات.
لكن القاهرة تبحث في الوقت نفسه عن خيارات أخرى.
وهذا مفهوم في ظل التطور السريع في تكنولوجيا الطيران والصواريخ والرادارات.
المسألة ليست استبدال طائرة بطائرة، وإنما الحصول على قدرات لا توفرها المنظومة الحالية بالشكل المطلوب.
ومن هنا يأتي الحديث عن مقاتلات صينية مثل J-10 أو J-16 أو غيرها.
حتى الآن، لا يوجد ما يسمح باعتبار هذه الطائرات صفقة مصرية مؤكدة، لكن استمرار الحديث عنها يكشف أن الخيار الصيني أصبح حاضرًا في النقاش العسكري حول مستقبل القوات الجوية المصرية.
وماذا عن صواريخ ما وراء مدى الرؤية؟
هذه واحدة من أهم النقاط.
في المعارك الجوية الحديثة، من يمتلك رادارًا أفضل لا يكفيه ذلك وحده. ومن يمتلك مقاتلة متقدمة لا يضمن التفوق تلقائيًا.
المعادلة أصبحت مرتبطة بمن يرى أولًا، ومن يكتشف أولًا، ومن يطلق أولًا، ومن يمتلك الصاروخ القادر على إصابة الهدف من مسافة أكبر.
لذلك فإن امتلاك مصر لصواريخ جو-جو بعيدة المدى سيكون جزءًا أساسيًا من أي عملية تطوير حقيقية للقوة الجوية.
وهنا تبدو الصواريخ الصينية، وعلى رأسها PL-15، محل اهتمام في أي نقاش حول الخيارات المستقبلية.
لكن من الخطأ أيضًا تحويل المقارنة إلى مسألة «هذا أفضل دائمًا من ذاك». القرار العسكري لا يعتمد على سعر الصاروخ فقط، وإنما على التكامل بين الصاروخ والرادار والطائرة وشبكة القيادة والسيطرة والتدريب.
هل نحن أمام تحول استراتيجي؟
ربما يكون من المبكر القول إن مصر قررت الانتقال بالكامل إلى المعسكر الشرقي أو أنها بصدد استبدال السلاح الأمريكي بالسلاح الصيني.
هذا التفسير مبالغ فيه.
الأقرب إلى الواقع هو أن القاهرة تريد توسيع هامش الحركة.
فرنسا موجودة.
روسيا موجودة.
الولايات المتحدة موجودة.
والصين تدخل بصورة أكبر.
وهذا التنوع قد يكون هو الهدف في حد ذاته.
فمصر دولة تملك موقعًا جغرافيًا بالغ الحساسية، وتحتاج إلى أن تكون لديها قدرة عسكرية لا تعتمد على قرار سياسي صادر من عاصمة أخرى.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام بناقلات الوقود الصينية.
إذا تأكدت صفقة YY-20B مستقبلًا، فلن تكون مجرد إضافة ست طائرات إلى أسطول النقل المصري.
ستكون خطوة في اتجاه مختلف: زيادة قدرة القوات الجوية المصرية على تنفيذ مهام بعيدة المدى، ورفع مستوى استقلالية القرار العملياتي.
والأهم من ذلك أن تجربة رافال المصرية مع الناقلة الصينية تقول إن القاهرة لا تفكر بمنطق «السلاح الغربي أو السلاح الشرقي».
هي تحاول أن تجعل الاثنين يعملان داخل منظومة واحدة.
وهذه ربما تكون الرسالة الأهم في كل ما يحدث.
فالمعركة الجوية القادمة لن يحسمها اسم الطائرة وحده.
الذي سيحسمها هو منظومة كاملة ترى أبعد، وتطير أبعد، وتبقى في السماء أطول، وتطلق أولًا، وتستطيع إدارة المعركة حتى نهايتها.
وهنا تحديدًا تصبح طائرة مثل YY-20B أكثر من مجرد ناقلة وقود.
إنها قطعة صغيرة في الشكل، لكنها قد تكون قطعة مهمة جدًا في إعادة بناء مفهوم القوة الجوية المصرية.