أخبار عاجلة
من الغطاء الأمريكي إلى المستنقع اليمني.. كيف وجدت السعودية نفسها أمام حرب بلا نهاية؟
من الغطاء الأمريكي إلى المستنقع اليمني.. كيف وجدت السعودية نفسها أمام حرب بلا نهاية؟

من الغطاء الأمريكي إلى المستنقع اليمني.. كيف وجدت السعودية نفسها أمام حرب بلا نهاية؟

 

بقلم الدكتور محمود سيد محمد -جمهورية مصر العربية 

المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.

 


 

لم تدخل السعودية حرب اليمن في مارس 2015 وهي تتوقع أن تتحول العملية إلى صراع يمتد لأكثر من عقد. كان الهدف واضحًا: وقف تمدد الحوثيين، دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وحماية الحدود الجنوبية للمملكة.

لكن الحرب لم تسر وفق الحسابات الأولى.

فالسعودية لم تُهزم عسكريًا، لكنها لم تحقق أهدافها الاستراتيجية كاملة؛ فلم تعد الحكومة إلى صنعاء، وبقي الحوثيون قوة عسكرية وسياسية رئيسية، كما استمر التهديد القادم من الأراضي اليمنية، وإن تغيرت حدته وشكله بمرور الوقت. 

القوة العسكرية نجحت في منع بعض السيناريوهات، لكنها لم تتمكن وحدها من إنتاج تسوية سياسية تنهي الصراع.

 

أمريكا.. من الدعم إلى تغيير الأولويات

 

لم تدفع واشنطن السعودية وحدها إلى الحرب، فالقرار كان سعوديًا وله حساباته الأمنية والإقليمية.

لكن الولايات المتحدة قدمت للتحالف دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا وعسكريًا مهمًا في السنوات الأولى، قبل أن تبدأ سياستها في التغير.

في نوفمبر 2018 أوقفت واشنطن التزود بالوقود جوًا لطائرات التحالف، ثم أعلن الرئيس جو بايدن في 2021 إنهاء الدعم الأمريكي للعمليات الهجومية في اليمن، مع استمرار دعم الدفاع عن السعودية.

لكن الولايات المتحدة عادت إلى استخدام القوة ضد الحوثيين عندما أصبحت هجمات البحر الأحمر تهدد الملاحة الدولية، وشاركت بريطانيا في ضربات ضد مواقع حوثية خلال 2024.

 

المصالح الأمريكية والسعودية تتقاطع، لكنها ليست واحدة.

 

السعودية تريد حدودًا آمنة، بينما تنظر واشنطن أيضًا إلى اليمن من زاوية إيران وأمن الملاحة الدولية.

 

اليمن ليس حربًا بين طرفين

 

أحد أسباب تعقيد الأزمة أن اليمن نفسه ليس كتلة واحدة.

إلى جانب الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليًا، هناك المجلس الانتقالي الجنوبي، وحزب الإصلاح، وقوى قبلية ومحلية، وقوى عسكرية في مأرب وتعز والساحل الغربي.

كما أن الإمارات، رغم وجودها داخل التحالف الذي قادته السعودية، بنت نفوذًا خاصًا في الجنوب والساحل، ودعمت قوى تختلف أحيانًا في رؤيتها لمستقبل اليمن عن رؤية الرياض.

وبعد سنوات الحرب، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمن يسيطر على صنعاء، وإنما بما سيكون عليه شكل الدولة اليمنية بعد انتهاء القتال.

يمن موحد؟ أم دولة فيدرالية؟ أم جنوب يطالب باستعادة دولته السابقة؟

ولهذا فإن أي اتفاق سعودي حوثي لن يكون وحده كافيًا لإنهاء الأزمة.

 

الحوثيون.. ليسوا مجرد ورقة إيرانية

 

لا يمكن تجاهل الدعم الإيراني للحوثيين، لكن اختزال الجماعة في كونها مجرد أداة إيرانية يفسر جزءًا من المشهد ولا يفسره كله.

الحوثيون حركة يمنية لها جذور اجتماعية وتنظيمية، وقد تمكنوا خلال سنوات الحرب من بناء مؤسسات أمنية وعسكرية وشبكات اقتصادية وعلاقات مع قبائل ومراكز نفوذ.

كما استفادوا من اقتصاد الحرب ومن استمرار الصراع.

لذلك فإن إنهاء الدعم الخارجي وحده لا يعني نهاية المشكلة.

القضية اليمنية الداخلية ستظل حاضرة، إلى جانب الصراع الإقليمي.

والجنوب ليس تفصيلًا

القضية الجنوبية أصبحت واحدة من أهم مفاتيح مستقبل اليمن.

المجلس الانتقالي الجنوبي يمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا، وقطاعًا من القوى الجنوبية ما زال يطرح قضية الانفصال أو تقرير المصير.

وفي المقابل، تريد الرياض تجنب قيام كيان جنوبي غير مستقر على حدودها، بينما لدى أبوظبي حسابات ومصالح مختلفة في بعض الملفات الجنوبية والساحلية.

وبذلك لم يعد الخلاف مقتصرًا على السعودية والحوثيين.

هناك أيضًا خلاف داخل المعسكر المناهض للحوثيين حول شكل اليمن ومستقبل الجنوب.

 

الثمن الذي دفعه اليمنيون

 

وسط كل هذه الحسابات، يبقى الجانب الإنساني هو الأكثر قسوة.

تقدر منظمة الصحة العالمية أن 23.1 مليون شخص في اليمن سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال 2026، بينما لا يعمل بكامل طاقته سوى نحو 60% من المنشآت الصحية. كما سجلت المنظمة 5,338 حالة كوليرا وإسهال مائي حاد وسبع وفيات خلال الفترة من يناير حتى 28 يونيو 2026.

هذه الأرقام تجعل من الصعب التعامل مع الحرب باعتبارها مجرد مباراة جيوسياسية.

هناك ملايين اليمنيين الذين دفعوا ثمن الصراع بالنزوح والفقر وانهيار الخدمات وانتشار الأمراض.

ومن الصعب فهم مستقبل اليمن إذا بقي المجتمع اليمني نفسه خارج الحسابات السياسية.

 

القانون الدولي.. ملف لم يغلق

 

في أبريل 2015 أصدر مجلس الأمن القرار 2216، مطالبًا الحوثيين بوقف القتال والانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها، مع الدعوة إلى استئناف العملية السياسية.

لكن القرار لم يكن تفويضًا مفتوحًا بأي عملية عسكرية.

التحالف استند في تبرير تدخله إلى طلب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي المساعدة، بينما تعرضت أطراف الحرب جميعها لاتهامات وانتهاكات تتعلق بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين. 

وبالتالي فإن المسؤولية لا يمكن اختزالها في طرف واحد.

الحرب اليمنية شهدت انتهاكات من أطراف متعددة، وكان المدنيون هم الحلقة الأضعف.

 

إلى أين يتجه اليمن؟

 

هناك ثلاثة مسارات رئيسية.

  1. الأول: تسوية تدريجية بين السعودية والحوثيين، تتوسع لاحقًا لتشمل القوى اليمنية الأخرى.
  2. الثاني: تجميد الصراع؛ لا حرب شاملة ولا سلام نهائي، وهو احتمال وارد إذا استمرت التهدئة من دون حل الملفات الكبرى.
  3. الثالث: عودة التصعيد إذا انهارت التفاهمات أو انعكست أزمة إقليمية جديدة على الساحة اليمنية.

 

ولا يمكن الجزم بأن أحد هذه السيناريوهات حتمي.

لكن أي تسوية لا تشمل الجنوب، والقوى المحلية، والسلاح، والاقتصاد، وشكل الدولة، ستبقى معرضة للانهيار.

 

الخلاصة

 

بعد أكثر من عقد، تغيرت طبيعة الحرب.

السعودية لم تحقق كل أهدافها، لكنها أيضًا لم تُهزم.

والحوثيون لم يسيطروا على اليمن كله، لكنهم أصبحوا قوة لا يمكن تجاوزها.

والإمارات بنت نفوذًا مهمًا في الجنوب والساحل.

وإيران أصبحت لاعبًا مؤثرًا من خلال علاقتها بالحوثيين.

وعمان تحولت إلى قناة مهمة للوساطة، بينما ظلت الأمم المتحدة حاضرة في مسار التسوية، ودخلت الصين إلى المشهد الإقليمي من بوابة المصالحة السعودية الإيرانية.

أما اليمن نفسه، فقد دفع الثمن الأكبر.

إنهاء الحرب لن يكون مجرد اتفاق بين الرياض والحوثيين، بل يحتاج إلى تسوية يمنية أوسع تحدد شكل الدولة، وموقع الجنوب، ومستقبل السلاح، وتقاسم السلطة والثروة.

فاليمن لم يكن مجرد ساحة لصراع الآخرين.. بل هو صاحب الأزمة، وصاحب الحل أيضًا.

 

شاهد أيضاً

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان

الثقة ليست فقط شعور.. بل ايمان   عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي – العراق  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *