محافظ البنك المركزي في منتدى “الكومسيك”: التعاون النقدي ركيزة أساسية لتعزيز الصمود ومواجهة الصدمات الجيوسياسية
تونس – “سبق”:
دعا محافظ البنك المركزي التونسي، فتحي زهير النوري، إلى جعل التعاون النقدي أداة حقيقية لتعزيز القدرة على الصمود، مؤكداً الحاجة الملحة لجيل جديد من محافظي البنوك المركزية القادرين على استشراف الأزمات والتعامل مع الترابط المعقد بين السياسات النقدية والمالية وملفات الطاقة والتجارة.
جاءت هذه الدعوة خلال مشاركة المحافظ في الاجتماع الثامن لمنتدى البنوك المركزية لمنظمة التعاون الإسلامي (الكومسيك)، الذي احتضنته إسطنبول يومي 13 و14 سبتمبر 2026، بتنظيم مشترك من البنك المركزي التركي ومكتب تنسيق الكومسيك، وبحضور ممثلي الدول الأعضاء لبحث تداعيات تجزؤ الاقتصاد العالمي والصدمات الجيوسياسية.
الجغرافيا السياسية وتأثيرها المباشر على الاقتصاد الكلي
أكد المحافظ أن الجغرافيا السياسية تحولت إلى متغيّر داخلي يؤثر مباشرة في موازين المدفوعات، ويستنزف احتياطيات الصرف، ويربك سلاسل الإمداد، مشيراً إلى أن الاقتصادات تتأثر عبر ثلاث قنوات رئيسية تتمثل في الطاقة، الغذاء، والتمويل الخارجي.
وفي هذا السياق، استعرض النوري مؤشرات دقيقة تعكس حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي نتيجة الأزمات الإقليمية والدولية:
-
عجز الميزان الطاقي: بلغ نحو 7 مليارات دينار مع موفى جوان 2026، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 35% مقارنة بالسنة السابقة.
-
أسعار الطاقة: ارتفع سعر برميل النفط بـ14 دولاراً خلال اثني عشر شهراً على خلفية التوترات في الشرق الأوسط.
-
الأمن الغذائي: ذكّب بأن 55% من القمح المستورد كان يأتي من روسيا وأوكرانيا سنة 2022، مؤكداً أن “تونس لم تكن طرفاً في أي نزاع، لكن أمننا الغذائي كان مرتبطاً به”.
كما شدد على أن كلفة الصدمات العالمية تكون أعلى بمرتين ونصف بالنسبة للبلدان منخفضة الدخل المستوردة للمواد الأولية مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.
مؤشرات الاقتصاد الكلي في تونس والجيل الجديد من المحافظين
على صعيد الأداء الاقتصادي الوطني، استعرض محافظ البنك المركزي مسار الاستقرار المالي والنقدي في تونس، مشيراً إلى:
تراجع التضخم: من أكثر من 10% في بداية سنة 2023 إلى 5.1% حالياً.
سعر الفائدة: الإبقاء على نسبة الفائدة الرئيسية في حدود 7%.
احتياطيات النقد الأجنبي: بلوغ مستوى يغطي قرابة مائة يوم من التوريد مع استقرار سعر الصرف.
قيمة المصداقية: التأكيد على أن
“المصداقية هي أهم أصول البنك المركزي: تُبنى ببطء، وتُصان كل يوم، وقد تُفقد بسرعة”.
واعتبر النوري أن تراكم وتداخل الأزمات (الطاقية، الغذائية، المناخية، والجيوسياسية) يفرض تحولاً في عمل البنوك المركزية للانتقال من مجرد امتصاص الصدمات إلى استشراف الصدمات المستقبلية، وهو ما يستوجب جيلاً جديداً من المحافظين القادرين على الإحاطة بمختلف أبعاد الاقتصاد الكلي بوزن يوازي وزراء المالية، وبما يعزز استقلالية البنوك المركزية ولا يناقضها.
مقترحات عملية لتعزيز التعاون الإسلامي
لفت المحافظ إلى أن الدول الـ57 الأعضاء في المنظمة، التي تمثل نحو ربع سكان العالم وتملك احتياطيات تفوق 1.800 مليار دولار، لا تتجاوز تجارتها البينية نسبة 20%، معتبراً أن ذلك يعكس “إمكانات غير مستغلة”. وفي هذا الإطار، اقترح النوري أربع أولويات للعمل المشترك:
-
إرساء آليات للإنذار المبكر وإجراء اختبارات صمود مشتركة.
-
تسريع قابلية التشغيل البيني بين أنظمة الدفع.
-
التدرج في تطوير التسويات بالعملات المحلية عبر ممرات ثنائية تستند إلى مبادلات تجارية فعلية.
-
بناء آليات للسيولة بين البنوك المركزية، مختتماً بالقول: “في عالم يتجه نحو مزيد من التجزؤ، لا ينبغي أن يكون ردّنا مزيداً من التجزؤ، بل مزيداً من التعاون”.
سبق صوتك .. يسبقك