إثيوبيا في اختبار الوحدة.. هل تتحول الحرب الداخلية إلى أزمة دولة؟
بقلم الدكتور محمود سيد محمد عن المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية

في 21 سبتمبر أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة تشكيل تحالف أطلقت عليه «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء»، وقالت إنه يستهدف إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل حكومة انتقالية. اللافت في الإعلان أن التحالف جمع جبهة تحرير شعب تيغراي وحركة فانو الأمهرية وحركة تحرير أورومو وحركات من عفر وبني شنقول-قمز وإقليم الصومال الإثيوبي، بينها قوى كانت خصومًا مباشرين خلال الحرب التي شهدتها البلاد بين 2020 و2022. لكن هذا المشهد لا يعني أن إثيوبيا أصبحت أمام جبهة عسكرية موحدة تستعد لإسقاط الدولة؛ فالأطراف السبعة لا تملك أهدافًا سياسية واحدة، وبعضها متباعد جغرافيًا وعسكريًا، كما أن خلافاتها حول الأرض وشكل الدولة لم تختفِ بمجرد الاتفاق على مواجهة الحكومة. حركة تحرير أورومو وصفت التفاهم بأنه «إجماع إجرائي»، في إشارة إلى أن التعاون لا يمثل اتفاقًا شاملاً حول مستقبل البلاد.
قيمة هذا التحالف ليست إذن في قدرته الحالية على تشكيل جيش واحد، وإنما في الرسالة السياسية التي حملها. خصوم الحكومة بدأوا يتعاملون مع المواجهة باعتبارها تحتاج إلى تنسيق يتجاوز حدود الإقليم الواحد. وهذه سابقة مهمة في دولة يبلغ عدد سكانها أكثر من 130 مليون نسمة، وتقوم بنيتها الفيدرالية على أقاليم مرتبطة بدرجة كبيرة بالهوية القومية.
بعد يومين فقط من إعلان التحالف، في 23 سبتمبر، اندلعت مواجهات واسعة في تيغراي، لتنهار عمليًا حالة الهدوء التي أعقبت اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022. القوات التيغرية هاجمت مواقع للقوات الفيدرالية، وامتدت المواجهات إلى عفر وأمهرة، بينما أعلنت الحكومة أنها تصدت للهجوم. تقارير دولية وصفت التطورات بأنها أخطر تصعيد منذ انتهاء حرب 2020-2022، التي أوقعت أعدادًا كبيرة من الضحايا وتسببت في نزوح واسع.
المشهد العسكري لم يتحرك في اتجاه واحد. ظهرت معارك حول مطارات وطرق ومناطق حدودية بين تيغراي وأمهرة وعفر، ثم تمكنت القوات الحكومية وحلفاؤها من استعادة مكلي، عاصمة إقليم تيغراي، في مطلع أكتوبر. لكن استعادة مدينة لا تعني انتهاء الصراع، خصوصًا أن المواجهة ترتبط بملفات سياسية وأمنية لم يحسمها اتفاق بريتوريا، من بينها وضع القوات المسلحة في الإقليم، وترتيبات الأمن، وقضايا الأراضي المتنازع عليها.
وهنا تظهر أهمية التوقيت. ما حدث في سبتمبر لم يأتِ من فراغ، وإنما جاء بعد أشهر من تراكم الأزمات. اتفاق بريتوريا أوقف الحرب الكبرى لكنه لم يحل جميع خلافات المركز والأقاليم. في أمهرة استمر الصراع بين الحكومة وقوات فانو، وفي أوروميا ظلت حركة تحرير أورومو نشطة في مناطق مختلفة، بينما بقيت العلاقة بين أديس أبابا وأسمرا شديدة التوتر بسبب الحدود والوجود العسكري والوصول إلى البحر الأحمر.
إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، ولذلك أصبح الوصول إلى البحر جزءًا من حساباتها الاستراتيجية والاقتصادية. الحكومة الإثيوبية طرحت أكثر من مرة فكرة الحصول على منفذ بحري من خلال التفاوض، بينما تنظر إريتريا بحساسية شديدة إلى أي تحرك إثيوبي يمكن أن يمنح أديس أبابا حضورًا عسكريًا أو أمنيًا على ساحل البحر الأحمر. ومع تصاعد الخلاف بين البلدين، أصبحت منطقة تيغراي وعفر مرتبطة بشكل مباشر بالحسابات البحرية.
في الأول من أكتوبر وصلت الأزمة بين أديس أبابا وأسمرا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، بعد أن أغلقت إثيوبيا سفارتها في إريتريا وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين، وردت أسمرا بإجراءات مماثلة. واتهمت إثيوبيا إريتريا بدعم خصومها المسلحين، وهي اتهامات نفتها أسمرا. كما تبادلت أطراف أخرى اتهامات بشأن دعم الفصائل المعارضة، وهو ما يجعل من الضروري الفصل بين الاتهامات السياسية والوقائع التي يمكن التحقق منها.
لكن البحر الأحمر ليس ملفًا مصريًا إريتريًا فقط. الإمارات لها حضور تاريخي في المنطقة، واستخدمت ميناء عصب قاعدة لدعم عملياتها في اليمن خلال السنوات الأولى من الحرب. والسعودية تنظر إلى البحر الأحمر وباب المندب باعتبارهما جزءًا من أمنها البحري والتجاري. أما تركيا فقد بنت حضورًا عسكريًا واقتصاديًا واسعًا في الصومال، وأصبحت مقديشو إحدى نقاط نفوذها الرئيسية في القرن الأفريقي. وتحتل جيبوتي موقعًا مختلفًا بحكم ارتباطها المباشر بالتجارة الإثيوبية واستضافتها قواعد عسكرية لقوى دولية متعددة.
هذا التشابك يجعل الحرب الإثيوبية تتجاوز حدودها. تحرك القوات في تيغراي وعفر يقترب من المجال الجغرافي المرتبط بالطريق التجاري الذي يصل إثيوبيا بموانئ جيبوتي، بينما يمثل الساحل الإريتري نقطة حساسة في قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر. ومع وجود مصالح متعددة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فإن أي توسع للحرب داخل إثيوبيا يمكن أن ينعكس على حسابات دول الجوار والقوى الإقليمية.
بالنسبة إلى مصر، ترتبط الأزمة بملفين أساسيين: النيل والبحر الأحمر. وفي 4 أكتوبر استضافت مدينة العلمين قمة جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال. البيان المشترك أكد احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، كما شدد على أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة، وعلى مسؤولية الدول المشاطئة عن حوكمته. وفي ملف المياه أكد البيان أهمية احترام قواعد القانون الدولي بشأن الأنهار العابرة للحدود، ورفض الإجراءات الأحادية التي تضر بالاستخدامات المائية القائمة لمصر والسودان.
الموقف المصري المعلن لا يقوم على تفكيك إثيوبيا، بل على الحفاظ على استقرار الإقليم وحماية المصالح المرتبطة بالنيل والبحر الأحمر. فالدولة الإثيوبية المفككة قد تنتج فراغًا أمنيًا واسعًا في شرق أفريقيا، وتزيد حركة السلاح والجماعات المسلحة، وتضع السودان والصومال والبحر الأحمر أمام ضغوط جديدة. وفي المقابل، فإن استمرار حكومة إثيوبية قوية في فرض ترتيبات أحادية في ملفات النيل والبحر الأحمر يظل مصدر قلق بالنسبة إلى القاهرة.
داخل إثيوبيا نفسها، يبقى احتمال التسوية السياسية قائمًا. التحالف المسلح لا يملك قيادة عسكرية موحدة، ولا يجمع أعضاؤه برنامج سياسي واحد. والحكومة ما زالت تمتلك الجيش والمؤسسات الاتحادية والقدرة على استعادة المدن والمواقع الاستراتيجية. لذلك فإن الحديث عن تقسيم إثيوبيا باعتباره نتيجة حتمية للحرب الحالية سيكون مبالغة لا تدعمها الوقائع حتى الآن.
لكن الخطر لا يحتاج إلى إعلان انفصال رسمي حتى يصبح حقيقيًا. إذا استمرت المعارك في تيغراي وأمهرة وأوروميا وعفر، وتحولت السيطرة العسكرية إلى نفوذ سياسي دائم، فقد تصبح الحكومة المركزية أمام واقع جديد: دولة واحدة بحدودها المعترف بها، لكن مناطق واسعة منها تخضع لقوى محلية تمتلك السلاح والقدرة على فرض شروطها.
هنا تتحول الأزمة من صراع على الحكومة إلى اختبار لبنية الدولة نفسها. نجاح أديس أبابا في الوصول إلى تسوية سياسية مع خصومها يمكن أن يعيد الصراع إلى إطار يمكن احتواؤه، بينما استمرار الحرب وتثبيت مناطق النفوذ المسلحة قد يفتح الباب أمام تفكك تدريجي للسلطة المركزية قبل أن يظهر أي حديث رسمي عن تقسيم البلاد.
لذلك فإن تطورات إثيوبيا خلال المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بمن يسيطر على مكلي أو أي مدينة أخرى، وإنما بقدرة الحكومة على إعادة بناء علاقة سياسية مع الأقاليم المسلحة، وبقدرة الخصوم على الحفاظ على تحالفهم رغم اختلاف مصالحهم. فإذا تفكك التحالف أمام الخلافات الداخلية، فقد تستعيد الدولة مساحة من السيطرة السياسية. وإذا نجح في تحويل التنسيق العسكري المؤقت إلى قوة سياسية منظمة، فسيتغير شكل الصراع مرة أخرى.
إثيوبيا ليست أمام خريطة تقسيم جاهزة، لكنها أمام اختبار حقيقي لوحدة الدولة وقدرة المركز على إدارة بلد متعدد القوميات ومتشابك مع صراعات البحر الأحمر والقرن الأفريقي والنيل. وما سيحدد اتجاه الأزمة لن يكون عدد الفصائل التي تحمل السلاح فقط، بل ما إذا كانت السياسة قادرة على استعادة المساحة التي تركتها الحرب.