السلام يبدأ من الإنسان... لا من الخرائط
السلام يبدأ من الإنسان... لا من الخرائط

السلام يبدأ من الإنسان… لا من الخرائط

 

بقلم د. شيماء مجيد بهيه باحثة  _ و ناقدة

العراق _ بابل

 

في كل مرة يشتعل فيها الإقليم، يعتقد الجميع أن الحرب تبدأ عند الحدود.

لكن الحقيقة أكثر قسوة؛ فالحروب تبدأ قبل أن تتحرك الجيوش، وقبل أن تُطلق الرصاصة الأولى.

إنها تبدأ حين يفقد الإنسان قدرته على رؤية الآخر بوصفه إنسانًا، ويتحول الاختلاف إلى تهديد، والهوية إلى جدار، والخوف إلى لغة يومية.

 

ليست الأرض هي التي تتقاتل، بل الأفكار التي تسكن فوقها.

 

لقد تعاقبت على هذه المنطقة إمبراطوريات، وسقطت أخرى، وتبدلت أسماء المدن والحدود والتحالفات، لكن الإنسان بقي السؤال الذي لم يجد جوابًا نهائيًا. لماذا يعجز عن أن يتعلم من ذاكرة الدم؟ ولماذا يكرر المأساة وهو يعرف نهايتها؟

 

ربما لأننا ما زلنا ننظر إلى السلام باعتباره هدنة بين حربين، لا حالة وعي. بينما السلام الحقيقي ليس اتفاقًا سياسيًا يُوقَّع على طاولة المفاوضات، بل ثقافة تُبنى في العقل، وقيمة تُزرع في التربية، وأخلاقًا تُمارس في الحياة اليومية.

 

إن الإقليم الذي أنهكته الصراعات لا يحتاج إلى انتصار طرف على آخر، بقدر حاجته إلى انتصار الحكمة على الغضب.

فكل حرب تترك وراءها خاسرين، حتى أولئك الذين يرفعون راية النصر. فالخراب لا يميز بين المنتصر والمهزوم، والأمهات لا يفرّقن بين دموع أبنائهن وفق الانتماءات السياسية.

 

الفيلسوف لا يسأل: من ربح المعركة؟ بل يسأل: ماذا بقي من الإنسان بعدها؟

 

إن أعظم انتصار يمكن أن تحققه الشعوب هو أن تحافظ على إنسانيتها وهي تختلف. فالاختلاف قانون الوجود، أما العداوة فهي خيار. ويمكن للأمم أن تتنافس في الاقتصاد والعلم والثقافة، من دون أن تجعل أبناءها وقودًا لصراعات لا يملكون قرار إشعالها ولا إطفائها.

 

لقد علمتنا الحضارات التي ازدهرت على هذه الأرض أن القوة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأسلحة، بل بعدد العقول التي تؤمن بالحياة. وأن الدولة التي تستثمر في التعليم والحوار والعدالة، تبني أمنًا أبقى من أي جدار إسمنتي أو ترسانة عسكرية.

 

إن السلام ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل هو أعلى درجات القوة الأخلاقية. يحتاج إلى شجاعة أكبر من شجاعة الحرب، لأن حمل السلاح أسهل من حمل المسؤولية، وإطلاق النار أسهل من بناء الثقة.

 

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يواجهه قادة المنطقة، قبل أن يواجهوا خصومهم، هو: أي شرق أوسط نريد أن نورثه لأطفالنا؟ شرقًا يعيش على ذاكرة الثأر، أم شرقًا يصنع ذاكرة التعاون؟ فالأطفال الذين يولدون اليوم لا يحملون عداوات الماضي، بل نحن من نعلّمهم كيف ينظرون إلى الآخر.

 

إن مستقبل الإقليم لن تصنعه البيانات السياسية وحدها، بل سيصنعه الإنسان الذي يؤمن بأن كرامة جاره لا تنتقص من كرامته، وأن أمن الدولة لا يكتمل ما لم يقترن بأمن الإنسان، وأن العدالة ليست مطلبًا لفئة، بل شرطًا لاستقرار الجميع.

 

في النهاية، قد تستطيع السياسة أن توقف حربًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع سلامًا. فالسلام يولد عندما يدرك الإنسان أن الحياة ليست معركة دائمة لإثبات القوة، بل فرصة نادرة لإثبات الحكمة.

 

وحين تصبح الحكمة لغة الإقليم، ستكتشف الشعوب أن المستقبل لا يُبنى بالأسوار، بل بالجسور، وأن أكثر الانتصارات خلودًا هو ذلك الذي لا يسقط فيه قتيل واحد.

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»… حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان      يمثل كتاب «مستقبل بلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *