25 ماي: تونس تحيي ذكرى معركة رمادة الخالدة.. ملحمة استبسال أبناء الجنوب لإجلاء المحتل
تطاوين — منصة “سبق” الرقمية
يحيي التونسيون في الخامس والعشرين من ماي من كل سنة، ذكرى واحدة من أرفع الملاحم البطولية في تاريخ التحرير الوطني؛ “معركة رمادة” (24 و25 ماي 1958)، التي تقع في عمق الجنوب التونسي بولاية تطاوين.
وتمثل هذه المعركة منارة نضالية استبسل فيها أبناء الجنوب والجيش التونسي الفتي لتقرير المصير، والذود عن حرمة البلاد المستقلة حديثاً آنذاك، ممهدة الطريق لمعارك الجلاء الكبرى اللاحقة في بنزرت والناظور صيف 1961.
ولعل أفضل ما يختزل القيمة الإستراتيجية والتاريخية لهذا الحدث، ما صدح به الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في خطابه الشهير عند إحياء ذكراها، حين أكد أن:
“معركة رمادة لا تقل أهمية عن معركة بنزرت؛ خاضها المقاومون التونسيون ضمن ملحمة الجلاء، وخلصت التراب العسكري من براثن الاحتلال الفرنسي، ولولا استنجاد الجنود الفرنسيين بطائرات حربية من الجزائر المحتلة لكان النصر التونسي ساحقاً ميدانياً”.
السياق التاريخي: الاعتداءات الفرنسية ودعم الثورة الجزائرية
جاءت معركة رمادة في سياق تاريخي متوتر، تمثل في سلسلة من الاعتداءات والاستفزازات العسكرية المتكررة التي شنتها قوات الاحتلال الفرنسي ضد الدولة التونسية المستقلة حديثاً، بدعوى ملاحقة المقاومين التونسيين وضبط خطوط الإمداد التي كانت تدعم الثوار والمسلحين الجزائريين في حرب استقلالهم ضد فرنسا. وهو ما جعل منطقتي رمادة والحدود الجنوبية خط مواجهة ساخن للدفاع عن السيادة الوطنية وحرمة الجوار المشترك.
أطوار الملحمة: من شرارة “دكوك” إلى حصار الثكنة
انطلقت الشرارة الأولى للملحمة التحريرية عشية يوم السبت 24 ماي 1958، عندما قررت القيادة العسكرية الفرنسية خرق الاتفاقيات الدبلوماسية المبرمة مع تونس؛ حيث تحرك رتل وعربات عسكرية فرنسية مغادراً ثكنة رمادة في محاولة لخرق “السد الأمنّي”.
وكانت القوات التونسية، مدعومة بالمقاومين والمتطوعين وتحت القيادة الميدانية للمقاوم البطل مصباح الجربوع، متمركزة في خطوط حراسة السد؛ فتصدت على الفور للرتل الفرنسي وتبادلت معه إطلاق النار الكثيف، معلنة البداية الفعلية للمعركة:
-
المواجهة الأولى: دارت رحاها في منطقة وادي “دكوك” وأسفرت عن تراجع القوات المعتدية.
-
المواجهة الثانية: التفت القوات التونسية والمقاومون حول الثكنة العسكرية الفرنسية بالمنطقة، فارضين عليها حصاراً خانقاً شل حركتها تماماً.
وأمام ضربات المقاومين والجيش التونسي، أطلق الجنرال “مولو” (قائد الثكنة الفرنسية برمادة) نداء استغاثة برقي عاجل إلى القائد الأعلى للقوات الفرنسية في “صلامبو”، مستنجداً بعبارته الشهيرة:
“الفلاقة التونسيون والجيش التونسي إذا تركناهم نصف ساعة أخرى نصبح كلنا أسرى.. وفرنسا ستهزم هزيمة لم تشهدها من قبل في أي مستعمرة”.
وعلى إثر هذا النداء، استنجد جيش الاحتلال بطائرات حربية قادمة من القواعد العسكرية بالجزائر المحتلة، والتي أقدمت على قصف منطقة رمادة بوحشية، ممطرة المدنيين والمقاومين بوابل من القنابل الثقيلة من الجو لحسم المعركة هندسياً.
تضحيات خالدة واستشهاد القائد مصباح الجربوع
رغم التفوق الجوي النوعي للاحتلال، تكبدت القوات الفرنسية خسائر فادحة في الأرواح والعتاد على الأرض. وفي المقابل، قدمت تونس مهراً غالياً للحرية؛ حيث خلفت المعركة عدداً من الشهداء الأبرار من جنود، ومقاومين، ومدنيين، والذين قدرت المصادر التاريخية أعدادهم بين 20 و30 شهيداً.
وكان في مقدمة قوافل الشهداء، قائد المعركة المقاوم الفذ مصباح الجربوع (أصيل منطقة بني خداش من ولاية مدنين)، الذي استبسل حتى رمقه الأخير في الميدان، ولم يتم العثور على جثمانه الطاهر إلا بعد شهر كامل من تاريخ المعركة.
تبقى معركة رمادة في الوجدان التونسي رمزاً أبدياً للتضحية، الشجاعة، والتلاحم العضوي بين الشعب والجيش، ومحطة رئيسية في مسار استكمال السيادة الرقمية والجغرافية الكاملة على التراب التونسي.
سبق صوتك .. يسبقك