بقلم الكاتبة نورهان الغرباني – اليمن

حين لا تنتهي الحرب بانحسار القتال… بل تبقى في تفاصيل الحياة
في اليمن، لم تعد الحرب حدثاً يقع في مكان بعيد يمكن متابعته عبر نشرات الأخبار، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية؛ تسللت إلى البيوت، والمدارس، والأسواق، وأماكن العمل، وحتى إلى الطريقة التي يفكر بها الناس في الغد.
فمنذ اندلاع ثورة الربيع عام 2011 مروراً بالحرب وتصاعدها عام 2015 ، تغيّرت حياة ملايين اليمنيين بصورة يصعب اختزالها في مشهد أو رقم واحد. لم تقتصر آثار الصراع على الخسائر البشرية والدمار المادي، بل امتدت إلى بنية المجتمع نفسه، وإلى خيارات الأفراد، نفسياتهم، علاقاتهم، أحلامهم وقدرتهم على التخطيط للمستقبل.
من وطن مستقر إلى حياة معلّقة
قبل الحرب، كان لدى كثير من اليمنيين تصور بسيط للمستقبل: دراسة، وظيفة، زواج، منزل، وربما مشروع صغير أو سفر بحثاً عن فرصة أفضل.
لكن الحرب جعلت المستقبل نفسه سؤالاً مؤجلاً.
أصبح كثيرون يعيشون وفق قاعدة جديدة: خطط لليوم، واترك الغد لما سيأتي.
توقفت مشاريع، أُغلقت شركات، ودُمرت عشرات بل مئات المؤسسات الخاصة والحكومية ، فقد موظفون أعمالهم، وتراجعت مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى تغيير مهنهم أو الانتقال إلى مدن ومناطق أخرى بحثاً عن الأمان أو فرصة للعمل.
ولم يعد الاستقرار الاقتصادي مرتبطاً بالراتب وحده؛ فالحصار الداخلي والخارجي ، وانقطاع المرتبات لسنوات، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الحصول على بعض الخدمات الأساسية كالعلاج والكهرباء والماء كلها عوامل أعادت تشكيل الطريقة التي تدير بها الأسر اليمنية حياتها وميزانياتها.
وقد كشفت أحدث الأرقام حجم التحول الذي طرأ على الحياة اليمنية. فوفق خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2026، يحتاج أكثر من 22.3 مليون شخص في اليمن إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية، أي أكثر من ثلثي السكان، بينهم نحو 5.2 مليون نازح داخلياً. وتحتاج الاستجابة الإنسانية إلى أكثر من ملياري دولار، فيما ظل التمويل بعيداً عن تغطية الاحتياجات كاملة.
هذه الأرقام لا تعني أن أكثر من 22 مليون شخص يعيشون بالطريقة نفسها، لكنها تكشف إلى أي مدى أصبحت الأزمة جزءاً من الحياة اليومية لقطاع واسع من المجتمع.
فالاحتياج لم يعد مرتبطاً فقط بالطعام؛ بل يشمل الصحة، والمياه، والتعليم، والحماية، والسكن، وسبل العيش.
بمعنى آخر، لم تعد الحرب أزمة سياسية أو عسكرية فحسب، بل تحولت إلى أزمة حياة.
لهذا كان الاقتصاد أحد أكثر المجالات التي أعادت الحرب تشكيلها.
فقد قدر البنك الدولي أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في اليمن انخفض بنحو 58% منذ عام 2015، بينما يعيش نحو ثلاثة أرباع السكان تحت خط الفقر، ويواجه قرابة 17 مليون شخص انعداماً في الأمن الغذائي، في حين يفتقر نحو 18 مليوناً إلى خدمات المياه والصرف الصحي الآمنة.
وفي أحدث تقرير له في مايو/أيار 2026، أشار البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اليمني انكمش مجدداً بنسبة 1.5% خلال 2025، مع توقع انكماش إضافي بنحو 0.5% في 2026. كما أشار إلى أن تمويل خطة الاستجابة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة لم يتجاوز 28% من الاحتياجات في 2025، مقارنة بـ56.5% في 2024.
خلف هذه النسب توجد حياة يومية مختلفة تماماً.
موظف لم يعد راتبه يكفي احتياجات الشهر، وأب يضطر إلى العمل في أكثر من مهنة، وأسرة تعيد ترتيب أولوياتها كلما ارتفع سعر الغذاء أو الوقود، وشاب يؤجل مشروعه أو زواجه لأن المستقبل الاقتصادي لم يعد مضموناً.
لقد أصبح السؤال في كثير من البيوت اليمنية أقل ارتباطاً بـ«ماذا نريد؟»، وأكثر ارتباطاً بـ«ماذا نستطيع أن نتحمل؟»
الحرب غيّرت شكل الأسرة
ربما كان التغيير الأكثر عمقاً هو ذلك الذي حدث داخل البيت اليمني.
فقدت أسرٌ أحد أو عدد من أفرادها، واضطرت أسر أخرى إلى النزوح، بينما أصبح بعض الأطفال يعيشون بعيداً عن أحد الوالدين بسبب القتال أو الهجرة أو العمل أو ظروف النزوح.
وفي مجتمع لطالما كانت الأسرة فيه شبكة الأمان الأولى، أحدثت الحرب تصدعات عميقة في هذه الشبكة.
تحمل كثير من الآباء والأمهات أدواراً لم يكونوا مستعدين لها. أصبحت الأم في بعض الأسر المعيل الرئيسي، وتحول الأب أحياناً إلى شخص يبحث عن أي عمل متاح، بينما وجد الأبناء أنفسهم أمام مسؤوليات أكبر من أعمارهم.
ولم تعد كلمة «الأسرة» تعني بالضرورة منزلاً واحداً يجتمع فيه الجميع، بل قد تعني أفراداً موزعين بين مدن وبلدان مختلفة، تجمعهم مكالمات الهاتف وذكريات البيت.
جيل كامل تعلّم الخوف مبكراً
في المدارس، لم تكن آثار الحرب أقل قسوة.
فقد تعطلت العملية التعليمية في مناطق عديدة، وتضررت مدارس، وانقطع أطفال عن التعليم، بينما اضطر بعضهم إلى العمل أو تحمل مسؤوليات أسرية نتيجة الظروف الاقتصادية.
فبحسب اليونيسف، كان أكثر من مليوني طفل في سن الدراسة خارج المدرسة، وهو ضعف العدد المسجل في 2015. كما حذرت المنظمة من أن الأزمة التعليمية قد تعرض ملايين الأطفال لمزيد من الانقطاع عن التعليم.
والقصة لا تتعلق بالأطفال وحدهم.
ففي تقرير سابق لليونيسف، أُشير إلى أن أكثر من 170 ألف معلم لم يتلقوا رواتب منتظمة لسنوات، ما عرّض ملايين الأطفال لمخاطر إضافية تتعلق بالانقطاع عن التعليم.
لكن الضرر الذي يصعب قياسه بالأرقام هو ما تركته الحرب في ذاكرة الأطفال.
طفل اعتاد سماع أصوات الانفجارات والصواريخ ، ورؤية الأشلاء والجنائز ، والدمار والخراب ، قد يتعامل مع الخوف بطريقة مختلفة عن طفل لم يعرف الحرب إلا من الكتب.
وطفل اضطر إلى النزوح أكثر من مرة قد يصبح مفهوم «البيت» بالنسبة إليه أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
هكذا لم تؤثر الحرب في تعليم جيل كامل فحسب، بل أثرت أيضاً في الطريقة التي ينظر بها هذا الجيل إلى الأمان والمستقبل والانتماء.
وفي نداء اليونيسف الإنساني لليمن لعام 2026، تشير المنظمة إلى أن 19.7 مليون شخص بحاجة إلى مساعدة صحية، وتستهدف برامجها الوصول إلى 3.5 مليون طفل ضمن 5.2 مليون شخص متأثرين بالأزمة. كما تخطط للوصول إلى أكثر من 1.4 مليون امرأة وطفل بخدمات الرعاية الصحية الأولية، وعلاج نحو 311 ألف طفل يعانون من الهزال الشديد.
وتحذر اليونيسف من أنه من دون تمويل كافٍ، قد يفقد نحو 3.1 مليون طفل الوصول إلى خدمات التغذية، وقد يُحرم 1.4 مليون شخص من الرعاية الصحية، بينما قد يفتقر مليون شخص إلى مياه الشرب الآمنة.
هذه ليست أزمة جيل واحد فقط.
إنها أزمة تهدد رأس المال البشري لليمن لسنوات قادمة.
المرأة… من دور الرعاية إلى مسؤولية البقاء
أعادت الحرب كذلك توزيع الأدوار داخل المجتمع اليمني.
فمع فقدان بعض الأسر لمصادر دخلها أو غياب أحد أفرادها، وجدت نساء كثيرات أنفسهن أمام مسؤوليات اقتصادية واجتماعية أكبر.
بدأت نساء في العمل أو إطلاق مشاريع منزلية صغيرة أو الاعتماد على مهاراتهن لتوفير دخل للأسرة، في محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي لم يعد يشبه ما عرفنه قبل الحرب.
لكن هذه المسؤوليات جاءت في كثير من الأحيان بالتزامن مع صعوبات أكبر في الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية، ومع ارتفاع أعباء الرعاية المنزلية.
وهكذا لم تكن الحرب بالنسبة لكثير من النساء مجرد تهديد خارجي، بل تحولت إلى سلسلة يومية من القرارات الصعبة.
حتى تفاصيل الحياة تغيّرت
أحياناً لا تظهر آثار الحرب في المشاهد الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة.
في الأسرة التي أصبحت تحسب ثمن كل وجبة.
في الطالب الذي يقطع مسافة أطول للوصول إلى مدرسته.
في الموظف الذي يذهب إلى عمله وهو لا يعرف إن كان راتبه سيصل كاملاً.
في الأم التي تحتفظ بجزء من الطعام تحسباً لانقطاع الكهرباء أو الماء.
وفي الشاب الذي كان يحلم بتأسيس مشروع، فأصبح حلمه الأول الحصول على وظيفة.
الحرب غيّرت أيضاً معنى الأشياء البسيطة: الكهرباء، الوقود، الماء، الطريق الآمن، المستشفى القريب، وحتى القدرة على زيارة قريب في مدينة أخرى.
أشياء كانت تُعد من المسلّمات أصبحت امتيازات في حياة كثير من اليمنيين.
النزوح: حين يصبح العنوان مؤقتاً
أجبرت الحرب أعداداً كبيرة من اليمنيين على مغادرة منازلهم ومناطقهم، بعضهم انتقل إلى مدن أخرى داخل البلاد، وبعضهم غادر اليمن بحثاً عن الأمان والعمل.
والنزوح ليس مجرد تغيير في عنوان السكن.
إنه فقدان للحي، والجيران، والمدرسة، والعمل، والذكريات، وأحياناً المكان الذي كان الإنسان يعرف فيه نفسه.
قد يصل النازح إلى مكان أكثر أماناً ، لكنه لا يصل بالضرورة إلى حياة مستقرة.
ولهذا بقيت تجربة النزوح واحدة من أكثر التجارب التي أعادت تعريف علاقة اليمنيين بالمكان والوطن والبيت.
الحرب غيّرت علاقة اليمنيين بالمستقبل
ربما يكون هذا أحد أكثر آثار الحرب عمقاً وأقلها ظهوراً.
قبل الحرب، كان المستقبل بالنسبة لكثيرين مساحة للتخطيط. أما بعد سنوات طويلة من الصراع، فقد أصبح بالنسبة للبعض مصدراً للقلق.
أصبح الزواج قراراً يحتاج إلى حسابات اقتصادية قاسية، وأصبح شراء منزل حلماً مؤجلاً، وأصبح التعليم في بعض الحالات رحلة من العقبات، وأصبح السفر بالنسبة إلى كثير من الشباب ليس رفاهية، بل وسيلة للبحث عن حياة أكثر استقراراً.
ومع ذلك، لم تختفِ الأحلام.
فاليمني الذي فقد عمله يبحث عن فرصة جديدة، والذي نزح يحاول بناء منزل آخر، والطالب الذي انقطعت دراسته يحاول العودة، والمرأة التي بدأت مشروعاً صغيراُ تحاول توسيعه.
وهنا تظهر مفارقة اليمنيين الأكثر إنسانية: الحرب أخذت منهم الكثير، لكنها لم تستطع أن تنتزع منهم الرغبة في الاستمرار.
مجتمع تغيّر… لكنه لم يفقد قدرته على التكيّف
على الرغم من قسوة السنوات الماضية، أظهر المجتمع اليمني قدرة لافتة على التكيف.
ظهرت مبادرات مجتمعية، ومشاريع صغيرة، وأشكال جديدة من العمل، وتوسعت بعض الأعمال المنزلية والرقمية، واعتمد الناس أكثر على شبكات العائلة والأصدقاء والمجتمع المحلي لتجاوز الأزمات.
في أحياء كثيرة، لم يكن الدعم الرسمي وحده هو ما أبقى الناس واقفين؛ بل كانت هناك أم تساعد جارتها، وشاب يوصل الدواء لكبير في السن، وأسرة تتقاسم ما لديها مع أسرة أخرى.
هذه التفاصيل لا تظهر دائماً في التقارير الدولية، لكنها جزء أساسي من قصة اليمن خلال الحرب.
اليمنيون اليوم ليسوا كما كانوا قبل الحرب
بعد أكثر من عقد على بداية الحرب، يصعب الحديث عن «الحياة الطبيعية» كما لو أن المجتمع يستطيع ببساطة العودة إلى ما كان عليه.
فالحرب تركت وراءها جيلاً من الأطفال الذين كبروا في ظروف استثنائية، وشباباً دخلوا سوق العمل في اقتصاد مضطرب، وأسراً أعادت تعريف معنى الأمان، ونساءً تحملن أدواراً جديدة، ومجتمعات اضطرت إلى تطوير وسائلها الخاصة للبقاء.
لكن اليمنيين لا يُختصرون في كونهم ضحايا حرب.
فهناك أيضاً قصة مجتمع يحاول أن يعيش، ويعمل، ويتعلم، ويتزوج، ويربي أبناءه، ويكتب، ويغني، ويفتح مشروعاً، ويحتفل في المناسبات، ويتمسك بعاداته، ويبحث عن مساحة صغيرة للحياة وسط واقع ثقيل.
الحرب قد تنتهي… لكن آثارها تحتاج إلى سنوات
إن انتهاء القتال، متى تحقق، لن يعني بالضرورة انتهاء آثار الحرب.
إعادة بناء الطرق والمنازل والمدارس والمستشفيات ضرورية، لكنها ليست كل شيء.
هناك أيضاً حاجة إلى إعادة بناء الثقة، واستعادة التعليم، ودعم الأسر، وخلق فرص العمل، ومساعدة الأطفال والشباب الذين عاشوا سنوات من عدم الاستقرار، وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي الذي تضرر بفعل الانقسام والنزوح والفقد.
فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها.
قد يُعاد بناء منزل تهدم، لكن استعادة شعور الإنسان بأن هذا المنزل آمن تحتاج إلى وقت. وقد تعود المدرسة إلى العمل، لكن إعادة الطفل الذي انقطع عنها إلى مقعده الدراسي تحتاج إلى أكثر من فتح أبوابها.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي بعد سنوات الحرب ليس فقط: كم دُمر من اليمن؟ بل أيضا: كم تغيّر الإنسان اليمني؟
والإجابة ربما تكون في تفاصيل الحياة نفسها؛ في أحلام تأجلت، وعائلات تفرقت، وأطفال كبروا قبل أوانهم، ونساء حملن أعباء إضافية، وشباب أعادوا تعريف النجاح، وبيوت تعلمت كيف تصنع من القليل حياة كاملة.
ومع ذلك، وسط كل هذا، لا يزال اليمنيون يفعلون الشيء الأكثر مقاومة للحرب:
يحاولون أن يعيشوا.
سبق صوتك .. يسبقك