الأمن الثقافي في البيئة الرقمية
الأمن الثقافي في البيئة الرقمية

الأمن الثقافي في البيئة الرقمية

 

بقلم الفريق الدكتور سعد معن

رئيس خلية الإعلام الأمني في العراق

_______________________

 

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءا من منظومة الاتصال اليومية ولم تعد وظيفتها تقتصر على نقل الأخبار أو التواصل بين الأفراد فقد أصبحت مؤثرة في تشكيل المواقف العامة وفي طريقة فهم المجتمع للأحداث والقضايا التي تحيط به

 

وهذا التحول يفرض على المؤسسات المعنية بالإعلام والأمن أن تنظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره مساحة مؤثرة في الوعي العام وليست مجرد وسيلة تقنية فالمعلومة التي كانت تحتاج في السابق إلى وقت حتى تصل إلى الجمهور يمكن اليوم أن تنتشر خلال دقائق وتصل إلى أعداد كبيرة قبل أن تتاح فرصة التحقق منها

 

وتكمن إحدى المشكلات الأساسية في أن سرعة النشر أصبحت في كثير من الأحيان أهم من دقة المعلومة وأن المحتوى الذي يثير الانفعال يحظى بانتشار أكبر من المحتوى الذي يحتاج إلى قراءة هادئة وفهم للسياق وهذا الأمر يفتح المجال أمام الشائعة والمعلومة المبتورة والمحتوى المضلل للتأثير في الرأي العام

 

ومن هنا يأتي مفهوم الأمن الثقافي بوصفه جزءا من حماية الوعي المجتمعي فالمجتمع لا يحافظ على ثقافته من خلال حماية موروثه فقط وإنما من خلال حماية طريقة تفكيره أيضا وتمكين أفراده من التمييز بين المعلومة الموثوقة والمعلومة التي يراد منها التأثير أو التضليل

 

وتزداد المسؤولية عندما يتعلق الأمر بالشباب لأنهم الفئة الأكثر حضورا في البيئة الرقمية والأسرع تفاعلا مع المحتوى المتداول ولذلك فإن بناء الوعي الإعلامي لديهم يجب أن يكون جزءا من العمل التربوي والثقافي والإعلامي وليس معالجة مؤقتة تظهر عند وقوع الأزمات

 

كما أن التعامل مع المحتوى الرقمي يحتاج إلى قاعدة أساسية وهي أن النشر مسؤولية قبل أن يكون حرية فليس كل ما يصل إلى الهاتف يستحق أن يعاد نشره وليس كل ما يحظى بآلاف المشاهدات يمثل حقيقة أو يعبر عن موقف المجتمع

 

وتتحمل وسائل الإعلام المهنية مسؤولية كبيرة في هذا المجال من خلال سرعة الوصول إلى المعلومة الصحيحة وتقديمها بصورة واضحة ومهنية لأن غياب المصدر الموثوق يترك مساحة واسعة للشائعات والتفسيرات غير الدقيقة

 

كما أن المؤسسات الأمنية والإعلامية مطالبة بفهم طبيعة الفضاء الرقمي وآليات تأثيره من دون تحويله إلى مساحة للمنع أو التخويف فالهدف هو بناء وعي قادر على التعامل مع المعلومة بهدوء والتحقق منها قبل اتخاذ موقف تجاهها

 

إن الأمن الثقافي في المرحلة الراهنة يرتبط ارتباطا مباشرا بالأمن المعرفي للمجتمع فكلما ارتفع مستوى الوعي الإعلامي أصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الشائعة وخطاب الكراهية ومحاولات الاستقطاب وأكثر قدرة على الحفاظ على تماسكه في أوقات الأزمات

 

ولهذا فإن بناء الوعي الرقمي مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة وتمتد إلى الإعلام والمؤسسات الثقافية والأمنية ولا يمكن أن تنجح هذه المسؤولية إلا من خلال تعاون حقيقي بين هذه الجهات

 

فالوعي هو خط الدفاع الأول عن المجتمع والمعلومة الدقيقة هي أساس الثقة والإعلام المهني هو الأداة التي تستطيع أن تحول هذه الثقة إلى وعي مستقر ومسؤول

 

شاهد أيضاً

سياسات الهوية والانقسام المجتمعي في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل

سياسات الهوية والانقسام المجتمعي في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل- الورقة البحثية الثالثة

 إعداد د. شيماء مجيد بهيه _بابل – العراق   شهد الفضاء الرقمي مساء الجمعة 14 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *