سياسات الهوية والانقسام المجتمعي في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل
سياسات الهوية والانقسام المجتمعي في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل

سياسات الهوية والانقسام المجتمعي في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل- الورقة البحثية الثالثة

 إعداد د. شيماء مجيد بهيه _بابل – العراق

 

شهد الفضاء الرقمي مساء الجمعة 14 اوت 2026، انعقاد الفعالية الفكرية والعلمية المتميزة المتمثلة في الندوة الافتراضية المعنونة  بـ “التحولات الهوياتية في عصر العولمة: التصدي للتفكك الهوياتي بين الشباب” من تنظيم  “مركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية” في مصر و”المنظمة الدولية للعلوم والتنمية” بليبيا،

وتأتي هذه الورقة العلمية من تقديم واعداد الدكتورة شيماء مجيد بهيه _ بابل – العراق

مقدمة المحاضرة

لم تعد الهوية تُبنى اليوم في البيت والمدرسة والجامعة والمسجد والشارع فقط؛ بل أصبحت تُبنى أيضًا داخل الفضاء الرقمي.

فالإنسان اليوم لا يعيش في مجتمع واحد، وإنما يعيش في مجموعة من المجتمعات المتداخلة:

مجتمع واقعي، ومجتمع مهني، ومجتمع ثقافي، ومجتمع افتراضي.

وقد أصبح الهاتف الذكي نافذة يدخل منها الفرد إلى العالم، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى نافذة يدخل منها العالم إلى وعيه وقيمه وصورته عن ذاته وعن الآخرين.

وهنا تظهر قضية شديدة الأهمية:

هل أصبح الفضاء الرقمي مساحة لتوسيع الحوار والتنوع، أم أصبح أحيانًا أداة لإعادة إنتاج الانقسام الاجتماعي والهوياتي؟

والحقيقة أن الفضاء الرقمي يمكن أن يكون الاثنين معًا.

فهو قادر على:

  • توسيع المعرفة.
  • تقريب الثقافات.
  • إعطاء الشباب صوتًا.
  • تعزيز المشاركة المجتمعية.
  • بناء شبكات تضامن.

لكنه قادر أيضًا على:

  • تضخيم الكراهية.
  • نشر التضليل.
  • صناعة الاستقطاب.
  • تعزيز الصور النمطية.
  • تكوين جماعات مغلقة.
  • تحويل الاختلاف إلى خصومة.
  • نقل الصراع من الواقع إلى الشاشة، ثم إعادته من الشاشة إلى الواقع.

وتؤكد اليونسكو أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت من العوامل التي تسرّع انتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، بما قد يهدد التماسك الاجتماعي والاستقرار.

ومن هنا فإن الحديث عن سياسات الهوية في الفضاء الرقمي ليس حديثًا تقنيًا فقط؛ بل هو حديث عن الأمن الاجتماعي، والصحة النفسية، والتماسك الوطني، ومستقبل الشباب.

 

أولًا: ما المقصود بسياسات الهوية؟

سياسات الهوية هي الطريقة التي تتشكل بها الانتماءات والاختلافات حول جماعات أو قيم أو ثقافات أو معتقدات أو مناطق أو قوميات أو أجيال، وكيف تتحول هذه الانتماءات إلى مواقف اجتماعية وسياسية.

والهوية في الأصل ليست مشكلة.

فالإنسان يحتاج إلى أن يشعر:

  • من أنا؟
  • من نحن؟
  • إلى أين أنتمي؟

المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية من: مصدر للانتماء

إلى: أداة لإقصاء الآخر.

فتتحول المعادلة من: أنا أنتمي إلى جماعة

إلى:  أنا أفضل لأنني أنتمي إلى هذه الجماعة.

ثم قد تتحول إلى: الآخر أقل قيمة لأنه لا ينتمي إلى جماعتي.

وهنا تبدأ عملية التقسيم الهوياتي.

 

ثانيًا: ما الذي تغير مع الفضاء الرقمي؟

في الماضي كان تشكيل الرأي العام أكثر بطئًا.

أما اليوم، فقد يستطيع منشور واحد خلال دقائق أن يصل إلى:

  • آلاف الأشخاص.
  • ثم عشرات الآلاف.
  • ثم ملايين المستخدمين.

وأصبحت الرسالة الرقمية لا تنتشر فقط لأنها صحيحة، بل قد تنتشر لأنها:

صادمة، عاطفية، مثيرة للغضب، أو مثيرة للخوف.

وهذه نقطة مركزية:

الفضاء الرقمي لا ينقل المعلومات فقط؛ بل يعيد تشكيل الانتباه والعاطفة والانتماء.

 

ثالثًا: الهوية الرقمية

أصبح للفرد اليوم ما يمكن تسميته:

الهوية الرقمية وهي الصورة التي يبنيها الإنسان عن نفسه ويعرضها ويتفاعل من خلالها في البيئة الرقمية.

وتتكون من:

  • ما ينشره.
  • ما يعجب به.
  • ما يعلّق عليه.
  • الحسابات التي يتابعها.
  • الجماعات التي ينتمي إليها.
  • اللغة التي يستخدمها.
  • الصور التي يختارها.
  • القضايا التي يدافع عنها.
  • القضايا التي يهاجمها.

وهذه الهوية ليست منفصلة تمامًا عن الهوية الواقعية.

بل يحدث بينهما تفاعل مستمر.

وتشير اليونيسف إلى أن المراهقين يستخدمون البيئة الرقمية في بناء هويتهم الاجتماعية والتعبير عن مواقفهم، وأن المشاركة الرقمية أصبحت جزءًا من أشكال المشاركة المدنية لدى الشباب.

 

رابعًا: من الانتماء إلى الاستقطاب

الانتماء حاجة إنسانية.

لكن الانتماء قد يتحول إلى استقطاب عندما يصبح:

نحن مقابل هم.

مثلاً:

  • جماعتي مقابل الجماعة الأخرى.
  • منطقتي مقابل المنطقة الأخرى.
  • فريقي مقابل الفريق الآخر.
  • فكرتي مقابل فكرتك.
  • جيلي مقابل جيلك.
  • مؤيد مقابل معارض.

وهنا تحدث عملية نفسية مهمة:

  • تبسيط العالم إلى معسكرين.
  • مع أن الواقع أكثر تعقيدًا.

 

خامسًا: كيف تصنع المنصات الرقمية الاستقطاب؟

علينا أن نكون دقيقين.

لا يمكن القول إن كل منصة رقمية “تريد” تقسيم المجتمع.

لكن تصميم المنصات الرقمية يعتمد بدرجات مختلفة على أنظمة توصية وترتيب للمحتوى تهدف إلى إبقاء المستخدم متفاعلًا.

والنتيجة المحتملة هي أن المستخدم قد يرى المزيد من المحتوى المشابه لما شاهده أو تفاعل معه سابقًا.

ومع الوقت قد يجد نفسه داخل: فقاعة معلوماتية

أي بيئة رقمية يرى فيها أفكارًا مشابهة لأفكاره بدرجة أكبر من تعرضه للأفكار المخالفة.

وهنا تتكون أحيانًا: غرفة الصدى

حيث تتكرر الفكرة نفسها من أشخاص متشابهين، فيبدأ الفرد بالشعور: “الجميع يفكرون مثلي.”

بينما الحقيقة أن الخوارزمية قد تكون هي التي جعلت هذا العالم يبدو أكبر مما هو عليه.

وتحذر اليونسكو من أن المنصات الرقمية يمكن أن تضخم المعلومات المضللة وخطاب الكراهية ونظريات المؤامرة، ولذلك طرحت إطارًا لحوكمة المنصات يوازن بين حرية التعبير والحق في المعلومات والحماية من الأضرار الرقمية.

 

سادسًا: الخوارزمية كفاعل جديد في تشكيل الهوية

في الماضي كان:

الأسرة + المدرسة + المجتمع + الإعلام

يشكلون البيئة الأساسية لتكوين الوعي.

اليوم انضم إليهم فاعل جديد:

الخوارزمية.

الخوارزمية لا تقول للفرد مباشرة:

“كن هكذا.”

لكنها قد تحدد:

  • ماذا ترى؟
  • ماذا يتكرر أمامك؟
  • ما الذي يلفت انتباهك؟
  • ما الذي يختفي من مجال رؤيتك؟

ومن هنا يمكن القول:

من يملك القدرة على تشكيل البيئة المعلوماتية للفرد يمتلك جزءًا من القدرة على التأثير في إدراكه للعالم.

وهذه قضية تتجاوز التكنولوجيا إلى السيادة المعرفية والمجتمعية.

 

سابعًا: صناعة “الآخر”

من أخطر الظواهر في الفضاء الرقمي:

صناعة صورة ذهنية سلبية عن الآخر.

قد تبدأ بكلمة.

  • ثم صورة.
  • ثم نكتة.
  • ثم تعليق.
  • ثم تعميم.
  • ثم اتهام.
  • ثم تحريض.

وهكذا ينتقل الإنسان من:

اختلاف

إلى: تصنيف

  • ثم: تنميط
  • ثم: وصم
  • ثم: إقصاء

وقد يصل الأمر إلى: كراهية أو تحريض أو عنف.

ولهذا تؤكد اليونسكو أن خطاب الكراهية لا يقتصر على الإساءة اللفظية، بل يمكن أن يغذي التحيز والتمييز ويطبع مع العنف عندما ينتشر ويتكرر.

 

ثامنًا: الفرق بين الاختلاف وخطاب الكراهية

هذه نقطة مهمة جدًا.

  • ليس كل انتقاد كراهية.
  • وليس كل اختلاف تحريضًا.
  • وليس كل موقف مخالف خطاب كراهية.

يمكن أن نقول:

  • الاختلاف: أنا لا أوافقك.
  • النقد: أرى أن فكرتك خاطئة للأسباب التالية.
  • الهجوم: أنت لا تفهم.
  • الإهانة: أنت شخص سيئ.
  • خطاب الكراهية: تحويل جماعة أو فئة إلى هدف للاحتقار أو التمييز أو التحريض بسبب هويتها.

إذن يجب أن نحافظ على: حق الاختلاف

وفي الوقت نفسه نواجه: التحريض والإقصاء ونزع الإنسانية عن الآخر.

 

تاسعًا: التضليل كأداة لتشكيل الهوية

من أخطر ما يواجه المجتمع الرقمي: المعلومة الكاذبة التي تخدم انتماءً معينًا.

لأن الفرد قد لا يصدق المعلومة لأنها صحيحة.

بل لأنه:  يريد أن تكون صحيحة.

وهنا تظهر ظاهرة نفسية مهمة: الانحياز التأكيدي

أي ميل الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد ما يؤمن به مسبقًا، وتجاهل أو رفض المعلومات التي تناقضه.

وعندما تجتمع:

الخوارزمية + الانحياز التأكيدي + الجماعة الرقمية

قد يتشكل نظام مغلق يصعب اختراقه بالمعلومات وحدها.

 

عاشرًا: لماذا يصدق الشباب بعض المحتويات المتطرفة؟

لأن المحتوى المتطرف لا يقدم دائمًا فكرة فقط.

بل يقدم: هوية.

ويقول للشاب بصورة مباشرة أو غير مباشرة:

  • أنت مختلف.
  • أنت مظلوم.
  • نحن نفهمك.
  • نحن جماعتك.
  • الآخر هو سبب مشكلتك.

وهنا تصبح عملية الاستقطاب ليست مجرد إقناع فكري.

بل: عملية تجنيد هوياتي.

وهذه نقطة شديدة الخطورة في بيئة الشباب.

 

الحادي عشر: الحاجة إلى الانتماء بوابة للاستقطاب

الشباب في مرحلة بناء الهوية يبحثون عن:

  • الاعتراف.
  • القبول.
  • الجماعة.
  • المعنى.
  • التقدير.
  • الدور.

وإذا لم يجد هذه الاحتياجات في البيئة الواقعية، فقد يبحث عنها في البيئة الرقمية.

وهنا يمكن أن تتحول المجموعة الرقمية إلى: “أسرة بديلة”

أو: “جماعة انتماء بديلة.”

وهذا ليس سلبيًا دائمًا؛ فقد تكون الجماعات الرقمية داعمة وإيجابية.

لكنها تصبح خطرة عندما يكون الانتماء قائمًا على:

الكراهية + العداء + المؤامرة + إلغاء الآخر.

 

الثاني عشر: الانقسام المجتمعي يبدأ أحيانًا من اللغة

لاحظوا كيف تتغير اللغة:

بدل: “هناك اختلاف بيننا.”

تصبح: “هم دائمًا هكذا.”

  • ثم:”هم لا يريدون الخير لنا.”
  • ثم: “هم خطر علينا.”
  • ثم: “يجب التخلص منهم.”

هذه العملية تسمى في علم الاجتماع والنفس الاجتماعي:

التعميم وإلغاء الفروق الفردية.

فيصبح ملايين الأشخاص كتلة واحدة في المخيلة.

وهنا تتحول الهوية إلى أداة لصناعة العدو.

 

الثالث عشر: من الاستقطاب الرقمي إلى الاستقطاب الواقعي

الخطأ أن نعتقد أن ما يحدث على الشاشة يبقى على الشاشة.

الفضاء الرقمي والواقع الاجتماعي متداخلان.

قد ينتقل الاستقطاب من:

منشور → تعليق → مجموعة → تجمع → سلوك واقعي.

وقد ينتقل العنف من الواقع إلى الإنترنت ثم يعود أكثر حدة.

ولهذا تشير اليونسكو في طرحها الحديث حول الفضاء الرقمي إلى أن سوء الفهم الثقافي والتحيز والإقصاء عبر المنصات يمكن أن يمتد إلى توترات وانقسامات وصراعات في العالم الواقعي.

 

الرابع عشر: الحالة العراقية — لماذا الموضوع مهم جدًا؟

في العراق، لا يمكن التعامل مع الفضاء الرقمي باعتباره مساحة ترفيه فقط.

فهو أصبح جزءًا من:

  • النقاش السياسي.
  • تشكيل الرأي العام.
  • التعبئة المجتمعية.
  • الحوار الديني والثقافي.
  • القضايا الوطنية.
  • قضايا الشباب.
  • الأزمات والأحداث الأمنية.

وفي عام 2026، رصدت اليونسكو تصاعدًا في العراق للمحتوى الضار على الإنترنت، بما في ذلك السرديات الضارة وخطاب الكراهية وحملات التضليل والمضايقات الموجهة، وأشارت إلى إنشاء مبادرات عراقية للرصد والتنسيق لمواجهة هذه الظواهر.

وهذا يعني أن:

بناء المناعة الرقمية في العراق لم يعد قضية إعلامية فقط، بل أصبح جزءًا من حماية التماسك المجتمعي.

 

الخامس عشر: الهوية الوطنية في العصر الرقمي

هنا نصل إلى سؤال بالغ الأهمية:

كيف نحافظ على الهوية الوطنية في عالم رقمي عابر للحدود؟

الجواب ليس بإغلاق المجتمع. ولا بمنع الشباب من التواصل مع العالم.

بل ببناء: هوية وطنية واثقة ومنفتحة.

فالهوية الضعيفة تخاف من الاختلاف. أما الهوية القوية فتستطيع أن تقول:

أنا عراقي، وأستطيع أن أتعرف إلى العالم دون أن أفقد انتمائي.

 

السادس عشر: الفرق بين الهوية الوطنية والهوية الإقصائية

الهوية الوطنية الصحية تقول: أنا أحب بلدي.

أما الهوية الإقصائية فتقول:

أنا أحب بلدي لأنني أكره الآخرين. وهنا يجب أن ننتبه. حب الوطن لا يحتاج إلى عدو.

والانتماء لا يحتاج إلى إلغاء الآخر. والفخر بالهوية لا يعني احتقار هويات الآخرين.

 

السابع عشر: سياسات الهوية في الفضاء الرقمي

إذا كانت المشكلة مركبة، فإن الحل يجب أن يكون مركبًا أيضًا.

ولا يكفي أن نقول للشباب: “لا تصدقوا الأخبار الكاذبة.”

بل نحتاج إلى سياسة متكاملة.

أقترح أن تقوم على سبعة مستويات:

المستوى الأول: التربية الرقمية

تعليم الشباب:

  • كيف يتحققون من المعلومات.
  • كيف يميزون الخبر عن الرأي.
  • كيف يكتشفون الحسابات المضللة.
  • كيف يقرأون الصور والفيديوهات نقديًا.
  • كيف يفهمون التلاعب بالمحتوى.

وتضع اليونسكو التربية الإعلامية والمعلوماتية في قلب مواجهة التضليل وخطاب الكراهية والاستقطاب الرقمي.

المستوى الثاني: التربية على الحوار

يجب أن يتعلم الشاب:

  • كيف يختلف دون أن يهين.
  • كيف ينتقد دون أن يحرض.
  • كيف يدافع عن رأيه دون نزع حق الآخر.

وهذا يمكن أن يبدأ من المدرسة والجامعة.

المستوى الثالث: بناء المناعة النفسية

الشخص الذي يمتلك:

  • تقديرًا صحيًا لذاته.
  • هوية واضحة.
  • شعورًا بالانتماء.
  • قدرة على التفكير النقدي.

يكون أقل عرضة للانقياد خلف الجماعات التي تقدم له:

هوية جاهزة + عدو جاهز + تفسير جاهز للعالم.

المستوى الرابع: تعزيز التماسك المجتمعي

نحتاج إلى مساحات تجمع الشباب المختلفين بدل أن تجعل كل فئة تعيش داخل بيئتها الخاصة.

مثل:

  • المبادرات الشبابية.
  • الحوار بين الثقافات.
  • الأنشطة الجامعية المشتركة.
  • المشاريع التطوعية.
  • الرياضة.
  • الفن.
  • العمل المجتمعي.

فالاحتكاك الإنساني المباشر يقلل من الصور النمطية.

المستوى الخامس: المسؤولية الإعلامية

الإعلام المهني يستطيع أن يكون حاجزًا أمام الاستقطاب.

ويجب أن يركز على:

  • التحقق.
  • السياق.
  • عدم التعميم.
  • عدم نشر المحتوى التحريضي.
  • عدم تحويل الحوادث الفردية إلى اتهام جماعي.

المستوى السادس: حوكمة المنصات

المطلوب ليس رقابة عمياء.

بل: حوكمة مسؤولة للفضاء الرقمي.

وتشمل:

  • الشفافية.
  • حماية المستخدمين.
  • مواجهة خطاب الكراهية.
  • مكافحة التضليل.
  • حماية الخصوصية.
  • آليات واضحة للإبلاغ.
  • مساءلة المنصات عن المخاطر المنهجية.
  • حماية حرية التعبير.

وتؤكد اليونسكو أن حوكمة المنصات ينبغي أن تجمع بين حماية حرية التعبير والحق في المعلومات وبين التعامل مع التضليل وخطاب الكراهية والمحتوى الضار.

المستوى السابع: إشراك الشباب

وهذه نقطة جوهرية.

لا ينبغي أن نصمم سياسات للشباب دون الشباب.

اليونسف تؤكد أهمية إشراك الأطفال والشباب في تصميم مستقبل البيئة الرقمية، لأنهم ليسوا مجرد مستخدمين لها بل من أهم الفاعلين في تشكيلها.

لذلك نحتاج إلى:

  • مجالس شبابية رقمية

تشارك في:

  • رصد الظواهر.
  • اقتراح الحلول.
  • إنتاج محتوى مضاد للكراهية.
  • تطوير حملات التوعية.
  • تقديم مقترحات للسياسات الرقمية.

 

الثامن عشر: من مكافحة خطاب الكراهية إلى بناء خطاب بديل

من الأخطاء أن تكون استراتيجيتنا كلها: “لا تقل.”

نحن نحتاج أيضًا إلى: “قل شيئًا أفضل.”

أي بناء سرديات بديلة تقوم على:

  • المواطنة.
  • التنوع.
  • الاحترام.
  • الحوار.
  • التضامن.
  • المسؤولية.

فالشاب لا يحتاج فقط إلى أن نخبره أن خطاب الكراهية خاطئ.

بل يحتاج إلى:

هوية بديلة تمنحه الانتماء والمعنى دون الحاجة إلى كراهية الآخر.

 

التاسع عشر: نموذج عملي عراقي مقترح

أقترح إنشاء:

“المرصد الوطني للهوية والتماسك الرقمي”

يمكن أن يعمل بالتنسيق بين الجهات الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والإعلامية والمجتمع المدني.

وظائفه:

  1. رصد الاتجاهات الهوياتية في الفضاء الرقمي.
  2. تحليل خطاب الكراهية.
  3. رصد حملات التضليل.
  4. تحديد الموضوعات الأكثر قابلية للاستقطاب.
  5. إعداد تقارير دورية.
  6. تطوير مؤشرات للتوتر المجتمعي الرقمي.
  7. تدريب الشباب والإعلاميين.
  8. دعم البحوث الأكاديمية.
  9. بناء قواعد بيانات للمحتوى الضار بصورة تحترم القانون والخصوصية.
  10. تقديم توصيات لصناع القرار.

 

العشرون: مؤشر مقترح للتماسك الرقمي

يمكن تطوير مؤشر مركب يسمى:

  • مؤشر التماسك الرقمي المجتمعي

ويضم خمسة أبعاد:

  1. مستوى خطاب الكراهية

كمية ونوعية المحتوى التحريضي.

  1. مستوى التضليل

انتشار الأخبار الكاذبة والمعلومات غير الموثقة.

  1. مستوى الاستقطاب

حجم الانقسام بين الجماعات.

  1. مستوى الثقة

الثقة بالإعلام والمؤسسات والمصادر.

  1. مستوى الحوار

وجود تفاعل حقيقي بين المختلفين.

وبذلك يمكن الانتقال من: رد الفعل إلى: الرصد المبكر والوقاية.

 

الحادي والعشرون: نموذج “الإنذار المبكر الهوياتي”

يمكن تطوير نظام إنذار مبكر يرصد ارتفاع:

  • خطاب الكراهية.
  • الشائعات.
  • التعميمات الجماعية.
  • الدعوات للعنف.
  • التهديدات الرقمية.
  • الصور النمطية.
  • الحملات المنظمة.
  • الأخبار الكاذبة المرتبطة بأزمة معينة.

لكن الهدف ليس مراقبة المواطنين أو تقييد آرائهم.

بل:  فهم ديناميات الخطر المجتمعي والتدخل الوقائي قبل أن يتحول الاستقطاب الرقمي إلى أزمة اجتماعية واقعية.

وهنا يجب أن تكون هناك ضمانات واضحة للحقوق والحريات والخصوصية.

 

الثاني والعشرون: دور الجامعة

الجامعة يمكن أن تكون مختبرًا لبناء التماسك المجتمعي.

أقترح إنشاء:

  • مختبر الهوية الرقمية

ويشارك فيه:

  • طلبة علم النفس.
  • طلبة الإعلام.
  • طلبة علوم الحاسوب.
  • طلبة العلوم السياسية.
  • الباحثون الاجتماعيون.

ويقومون بدراسة:

  • سلوك الشباب الرقمي.
  • خطاب الكراهية.
  • الاستقطاب.
  • التنمر.
  • الهوية الرقمية.
  • التضليل.

أثر المحتوى على الصحة النفسية.

وهذا يخلق نموذجًا متعدد التخصصات بدل معالجة المشكلة من زاوية واحدة.

 

الثالث والعشرون: دور الأسرة

الأسرة لا تستطيع السيطرة على كل ما يشاهده الأبناء.

وهذا أمر يجب الاعتراف به.

لكنها تستطيع أن تبني: مناعة داخلية.

من خلال:

  • الحوار.
  • الثقة.
  • المتابعة غير المتسلطة.
  • تعليم التفكير النقدي.
  • احترام الاختلاف.
  • مناقشة المحتوى الرقمي.

وتشير اليونيسف إلى أن المرافقة الأبوية والتوجيه ضروريان لأن امتلاك الشاب مهارة استخدام التقنية لا يعني بالضرورة امتلاكه المهارات الاجتماعية والنقدية اللازمة لاتخاذ قرارات آمنة ومسؤولة في البيئة الرقمية.

 

الرابع والعشرون: ماذا يحتاج الشباب؟

الشباب لا يحتاجون إلى: منع العالم عنهم.

بل يحتاجون إلى: بوصلة.

هذه البوصلة تتكون من:

  • هوية واضحة
  • تفكير نقدي
  • انتماء صحي
  • مناعة نفسية
  • ثقافة رقمية
  • مسؤولية اجتماعية.

عندها يستطيع الشاب أن يدخل إلى العالم الرقمي دون أن يصبح العالم الرقمي هو الذي يقرر من يكون.

 

الخامس والعشرون: الذكاء الاصطناعي ومستقبل سياسات الهوية

نحن ندخل مرحلة جديدة. لم تعد المشكلة فقط: ماذا ينشر الإنسان؟

بل أصبح السؤال:

من يستطيع إنتاج المحتوى على نطاق واسع؟

الذكاء الاصطناعي يمكن أن ينتج:

  • صورًا.
  • فيديوهات.
  • أصواتًا.
  • نصوصًا.
  • حسابات ومحتوى واسع النطاق.

وهذا يضاعف تحدي التحقق من المعلومات.

لذلك فإن التربية الإعلامية والرقمية لم تعد مهارة إضافية، بل أصبحت جزءًا من الأمن المعرفي للمجتمع.

وتشير اليونيسف إلى أن التقنيات التحويلية تؤثر بالفعل في تعلم الأطفال وتواصلهم ورفاههم، وأن الاستفادة من إمكاناتها تتطلب حوكمة ومساءلة مناسبين.

 

السادس والعشرون: معادلة مستقبلية مهمة

يمكن أن نختصر التحدي في المعادلة الآتية:

عولمة + فضاء رقمي + هوية هشة = قابلية أعلى للاستقطاب

لكن: هوية متماسكة + تفكير نقدي + ثقافة رقمية + انتماء وطني جامع = مناعة مجتمعية

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نركز عليها.

 

السابع والعشرون: ما الذي نريد بناءه؟

لا نريد مجتمعًا: متشابهًا.

بل مجتمعًا: متنوعًا ومتعايشًا.

ولا نريد شبابًا: لا يختلفون.

بل شبابًا: يختلفون دون أن يتحول اختلافهم إلى كراهية.

ولا نريد فضاءً رقميًا: خاليًا من النقاش.

بل فضاءً: حرًا ومسؤولًا.

ولا نريد هوية: منغلقة على نفسها.

بل: هوية واثقة ومنفتحة وقادرة على التفاعل.

الثامن والعشرون: الرسالة إلى الشباب

أيها الشباب…

لا تجعلوا عدد المتابعين يحدد قيمتكم.

ولا تجعلوا خوارزمية تحدد لكم من تحبون ومن تكرهون.

ولا تسمحوا لمنشور غاضب أن يحول إنسانًا كاملًا إلى صورة نمطية.

لا تجعلوا الاختلاف سببًا للعداء.

وتذكروا:

ليس كل ما ينتشر حقيقة، وليس كل ما يثير غضبكم يستحق أن تصدقوه، وليس كل من يختلف معكم عدوًا.

قبل أن تشارك منشورًا اسأل:

  • هل هو صحيح؟
  • من مصدره؟
  • ما الدليل؟
  • من المستفيد من انتشاره؟
  • هل يحاول إقناعي أم استفزازي؟
  • هل ينتقد فكرة أم يحرض ضد جماعة؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع مشاركة محتوى قادر على إشعال أزمة.

 

التاسع والعشرون: الرسالة إلى المؤسسات

المؤسسات لا تستطيع أن تطلب من الشباب الثقة بها بينما لا تقدم لهم:

  • معلومات واضحة.
  • تواصلًا سريعًا.
  • ش
  • فافية.
  • مساحة للمشاركة.

ففي عصر الفضاء الرقمي: الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا.

إذا لم تقدم المؤسسة المعلومة، سيقدمها آخرون.

وإذا لم تشرح المؤسسة الحدث، سيشرح الآخرون الحدث بطريقتهم.

لذلك أصبحت: إدارة المعلومات جزءًا من إدارة الأزمات.

 

الثلاثون: الرسالة إلى المجتمع

نحن بحاجة إلى الانتقال: من ثقافة الاتهام إلى ثقافة الحوار.

ومن: “من أنت حتى تختلف معي؟”

إلى: “لماذا تختلف معي؟ دعنا نفهم.”

ومن: “نحن وهم.”

إلى: “نحن مختلفون، لكننا مجتمع واحد.” الحادي والثلاثون: توصيات استراتيجية

 

أولًا: على المستوى الوطني

  1. وضع استراتيجية وطنية للتماسك الرقمي.
  2. تطوير آليات لرصد التضليل وخطاب الكراهية.
  3. دعم الشراكات بين الدولة والجامعات والمجتمع المدني والمنصات.
  4. تطوير تشريعات متوازنة تحمي المجتمع دون التضحية بحرية التعبير.
  5. دعم مراكز البحوث المختصة بالهوية الرقمية والاستقطاب.

 

ثانيًا: على المستوى التعليمي

  1. إدخال التربية الإعلامية والمعلوماتية في المناهج.
  2. تدريب المعلمين والمرشدين النفسيين.
  3. إنشاء برامج جامعية لمواجهة الاستقطاب الرقمي.
  4. تدريب الطلبة على التحقق من المعلومات.

 

ثالثًا: على المستوى النفسي والاجتماعي

  1. تعزيز تقدير الذات والانتماء الصحي.
  2. برامج للوقاية من التنمر والكراهية.
  3. توفير دعم نفسي للشباب المتأثرين بالاستقطاب والعنف الرقمي.

 

رابعًا: على مستوى الأسرة

  1. تدريب الوالدين على التربية الرقمية.
  2. استبدال الرقابة الصارمة بالحوار والمتابعة الواعية.
  3. بناء الثقة بين الوالدين والشباب.

 

خامسًا: على مستوى الشباب

  1. إنشاء شبكات شبابية لمواجهة خطاب الكراهية.
  2. دعم إنتاج محتوى عراقي إيجابي.
  3. تعزيز المبادرات التي تجمع مختلف الفئات.
  4. تحويل الشباب من مستهلكين للمحتوى إلى منتجين لمحتوى مسؤول.

 

الثاني والثلاثون: مبادرة مقترحة

“شباب من أجل تماسك رقمي عراقي”

يمكن أن تقوم على خمسة برامج:

 

البرنامج الأول:

تحقق قبل أن تشارك لتعليم التحقق من الأخبار والمعلومات.

 

البرنامج الثاني:

اختلف دون كراهية لتدريب الشباب على الحوار.

 

البرنامج الثالث:

هويتي تجمعني ولا تعزلني لتعزيز الهوية الوطنية الجامعة.

 

البرنامج الرابع:

صوت الشباب لإشراك الشباب في إنتاج المحتوى.

 

البرنامج الخامس:

مرصد الشباب الرقمي لرصد الاتجاهات والظواهر الرقمية وتحليلها علميًا.

 

الثالث والثلاثون: النموذج المتكامل

 

يمكن اختصار الاستراتيجية كلها في نموذج:

“هوية – وعي – حوار – مناعة – تماسك”

الهوية أعرف من أنا.

الوعي أفهم ما أراه.

الحوار أحترم من يختلف معي.

المناعة لا أسمح بالتضليل والاستقطاب أن يقوداني.

التماسك أختلف مع الآخر دون أن أتحول إلى عدو له.

 

خاتمة المحاضرة

نحن أمام تحول تاريخي.

فالفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة اتصال.لقد أصبح:

فضاءً لتكوين الهوية،وفضاءً لصناعة الرأي،وفضاءً لبناء الجماعات،وفضاءً للصراع،

وفضاءً للتأثير النفسي والاجتماعي.

ولهذا فإن السؤال لم يعد:

كيف نحمي أبناءنا من الإنترنت؟

بل:

كيف نبني أبناءً قادرين على حماية أنفسهم ومجتمعهم داخل الإنترنت؟

ولم يعد السؤال:

كيف نمنع الاختلاف؟

بل:

كيف نحول الاختلاف إلى مصدر قوة بدل أن يتحول إلى انقسام؟

ولم يعد المطلوب:

إلغاء سياسات الهوية.

فالهويات جزء طبيعي من المجتمع.

بل المطلوب:

إدارة الهويات بصورة تمنع تحولها إلى أدوات للإقصاء والكراهية.

إن العراق لا يحتاج إلى مجتمع متطابق.

بل يحتاج إلى مجتمع:

متنوع، متماسك، واعٍ، قادر على الحوار، واثق من هويته الوطنية، ومنفتح على العالم.

والشباب هم قلب هذه المعادلة.

فإذا تركنا الفضاء الرقمي يصنع هوياتهم دون وعي، فقد تتحول التكنولوجيا إلى أداة للتفكك.

أما إذا منحناهم:

المعرفة + التفكير النقدي + الانتماء + الحوار + المناعة النفسية

فإن الفضاء الرقمي يمكن أن يتحول من ساحة للاستقطاب إلى: منصة لبناء التماسك المجتمعي.

وأختم برسالة أضعها أمامنا جميعًا:

لا نخشى من مجتمع متعدد الهويات، بل نخشى من مجتمع لا يعرف كيف يدير تعدده.

ولا نخشى من اختلاف الشباب، بل نخشى أن يتعلموا أن الاختلاف يعني العداء.

ولا نخشى من العالم الرقمي، بل نخشى أن ندخله بأدوات قديمة دون وعي نقدي.

فالهوية القوية لا تحتاج إلى كراهية الآخر كي تثبت وجودها، والمجتمع المتماسك ليس هو المجتمع الذي لا يختلف، بل المجتمع الذي يعرف كيف يختلف دون أن ينكسر.

 

 

الخلاصة التنفيذية للمحور الرابع

 

يمكن أن نختصر رؤية المحور في خمس قواعد:

  1. الهوية حق وليست سلاحًا.
  2. الاختلاف طبيعي وليس تهديدًا.
  3. حرية التعبير لا تعني حرية التحريض.
  4. الثقافة الرقمية خط دفاع اجتماعي.
  5. التماسك الوطني يبدأ من طريقة تفاعلنا مع الاختلاف في الفضاء الرقمي.

 

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»… حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان      يمثل كتاب «مستقبل بلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *