بقلم: د. هشام ناصر، باحث في القانون العام والعلوم السياسية، رئيس المنظمة المتوسطية للإعلام والتنمية وحقوق الإنسان

إن زيارة ملك إسبانيا فيليبي السادس إلى مدينتي سبتة ومليلية تطرح، من جديد، قضية تتجاوز بعدها البروتوكولي إلى أبعاد تاريخية وسياسية وقانونية وثقافية، تتصل بعلاقة المغرب بمدينتين تقعان جغرافيا على الساحل الشمالي للقارة الإفريقية، وتربطهما بالمجال المغربي امتدادات جغرافية وتاريخية وبشرية وحضارية عميقة.
فسبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين جغرافيتين على خريطة البحر الأبيض المتوسط، بل فضاءان تشكلت هويتهما عبر قرون من التفاعل بين المغرب والأندلس والضفة الأوروبية للمتوسط. وقد عرفت سبتة، على وجه الخصوص، ازدهارا حضارياً خلال مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي، وكانت مركزاً للتجارة والعلم والتواصل بين ضفتي المضيق.
واستمر هذا الارتباط بالمجال المغاربي إلى أن احتلتها البرتغال سنة 1415، قبل أن تنتقل إلى التاج الإسباني في سياق التحولات السياسية التي عرفتها شبه الجزيرة الإيبيرية. أما مليلية، فقد خضعت للسيطرة الإسبانية سنة 1497، في سياق التوسع الأوروبي على السواحل الشمالية.
تاريخياً، لم يكن المجال الذي توجد فيه المدينتان منفصلاً عن محيطه المغربي. فقد ارتبطت طرق التجارة والتنقل والعلاقات الاجتماعية بينهما وبين القبائل والمناطق المجاورة، كما تأثرت التحولات التي عرفتها المدينتان بالصراعات والتفاعلات التي شهدها شمال المغرب.
وتكشف هذه المسارات عن وحدة جغرافية وتاريخية أوسع من الحدود السياسية التي تشكلت عبر الغزوات والحروب الاستعمارية.
ولا يقتصر هذا الارتباط على الجغرافيا والتاريخ، بل يمتد إلى المجال البشري والديني والثقافي. فقد احتفظت المدينتان بروابط اجتماعية وثقافية مع محيطهما المغربي، كما تظل اللغة والعادات والتقاليد والروابط الأسرية والتبادل الاجتماعي عناصر مهمة لفهم طبيعة العلاقة بين المدينتين وشمال المغرب.
إن قضية سبتة ومليلية تندرج ضمن الملفات المرتبطة بالذاكرة التاريخية، حيث ظل المغرب، منذ استقلاله سنة 1956، يثير مسألة المدينتين ضمن مطالبه الترابية.
وانطلاقا من هذه المعطيات، فإنني أعتبر أن زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية تستوجب قراءة سياسية مسؤولة، بالنظر إلى دلالاتها الرمزية في ظل استمرار الخلاف حول وضع المدينتين. فاحترام العلاقات المغربية الإسبانية لا ينبغي أن يعني تجاهل القضايا التاريخية والترابية العالقة، كما أن بناء شراكة متينة بين البلدين يقتضي الانفتاح على نقاش جاد بشأنها، بعيدا عن منطق فرض الأمر الواقع أو تكريس الأحادية في معالجة الملفات الخلافية.
إن موقفي يقوم على التشبث بالحقوق والمطالب الترابية المغربية، وعلى الدفاع عنها بالوسائل الدبلوماسية والقانونية والحوار المسؤول، مع استحضار مبادئ القانون الدولي ومصالح الشعبين المغربي والإسباني. فالعلاقات بين البلدين أعمق من أن تختزل في خلاف حول مدينتين، لكنها أيضا لا يمكن أن تتطور بصورة مستدامة من دون معالجة القضايا التي ما زالت تلقي بظلالها على الذاكرة السياسية المغربية.
ومن ثم، فإن أي مقاربة مستقبلية لسبتة ومليلية ينبغي أن تستحضر عمق ارتباطهما بالمجال المغربي، وواقع التعدد البشري والثقافي داخلهما، وأن تفتح أفقا لمعالجة الخلاف في إطار سياسي وقانوني مسؤول، يضمن الاستقرار وحسن الجوار ويصون كرامة السكان ومصالحهم.