تقرير خاص: أزمة انقطاعات الكهرباء في تونس.. نزيف اقتصادي بالقطاعات الحيوية ومطالبات بـ “ثورة” في الطاقات المتجددة
تونس – “سبق” | تقرير: إيمان شهيبي
بين تشخيص الخبراء للأزمة باعتبارها تعثراً “هيكلياً” يتجاوز الاعطال الفنية الطارئة، وخسائر مالية وفلاحية فادحة طالت قطاعات حيوية، وضعت موجة انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة ملف الطاقة في تونس على رأس أولويات الشارع والمهنيين، وسط مطالب عاجلة بالتعويض، ودعوات متصاعدة للإسراع في إقرار حوافز جبائية وتسهيلات تشريعية للانتقال ونحو الطاقات البديلة.
التشخيص الفني: أزمة هيكلية وحلول جزئية
في قراءة لمسببات الأزمة، يعتَبِر الخبير الدولي في مجال الطاقة، محمد رضوان الماجري، أن الانقطاعات الأخيرة التي شهدتها الشبكة الوطنية ليست مجرد أعطال فنية عابرة، بل تعكس “خللاً هيكلياً” في منظومة الطاقة ككل، واصفاً إجراءات الشركة التونسية للكهرباء والغاز (“الستاغ”) في التعامل مع فترة الذروة بـ “الاعتباطية غير الموفقة”.
وفي تعليقه على الإعلانات الرسمية بشأن إدخال محولات جديدة حيز الاستغلال (بقدرة 360 ميغا فولت أمبير بالمرناقية وأخرى بقدرة 400 ميغا فولت أمبير من الصين)، بيّن الماجري أن محطة المرناقية كانت برمجتها تعود لسنة 2020، مؤكداً أن هذه التجهيزات ستساهم في دعم الشبكة لكن بشكل محدود لا يعالج أصل المشكلة.
خسائر القطاعات الخدمية: المطاعم السياحية تحت المطرقة
ولم تقف تداعيات الانقطاعات عند الجانب الفني، بل امتدت لتحدث نزيفاً مالياً في القطاع السياحي والخدمي. وفي هذا السياق، كشف رئيس الجامعة التونسية للمطاعم السياحية، الحبيب بن موسى، أن الانقطاعات المفاجئة للكهرباء تسببت في خسائر ناهزت 50 ألف دينار للمؤسسة الواحدة، جراء إتلاف المخزونات وتلف تجهيزات التبريد.
ولإنقاذ القطاع الذي يضم 397 مؤسسة مصنفة وتشغل نحو 20 ألف عامل، طالب بن موسى بـ:
-
التنبيه المسبق: إقرار نظام الرسائل القصيرة (SMS) للتنبيه قبل قطع التيار لتفادي تلف المعدات.
-
التخفيض الجبائي: مراجعة الأداءات الديوانية على المولدات وبطاريات التخزين الشمسية لتخفيض تكلفتها من 10 آلاف إلى حدود 5 آلاف دينار.
-
المساندة المالية: مراعاة الضغوط المادية للمؤسسات التي يوجّه 25% من عائداتها كأداءات للدولة مع تراجع هامش الربح لبعض الخدمات إلى 2%.
القطاع الفلاحي: تضرر المحاصيل وتحذير من أزمة تزويد
من جانبه، حمّل الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، برئاسة معز بن زغدان، الشركة الوطنية للكهرباء والغاز المسؤولية المباشرة عن الأضرار التي لحقت بالفلاحين نتيجة انقطاع الكهرباء والماء بالتزامن مع الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة.
وأكد الاتحاد أن الأزمة تسببت في تدمير كميات هامة من الخضر، الغلال، الدواجن، ومنتجات الصيد البحري، مشدداً على ضرورة:
-
التعويض العاجل: تدخل الدولة لجبر أضرار المنتجين الفلاحيين حماية لاستقرار التزويد في السوق.
-
مراجعة موسم الحبوب: تقييم أسباب تدني مردودية موسم 2025/2026 رغم التساقطات المطرية.
-
الجاهزية للموسم القادم: الإعداد المبكر لموسم البذر 2026/2027 وتأمين التلاقيح البيطرية بالتعاون مع الصيدلية المركزية.
البديل الاستراتيجي: خارطة طريق للإسراع في الانتقال الطاقي
وعلى الطرف الآخر من الأزمة، قدمت الغرفة الوطنية للطاقة الفولطاضوئية (التابعة لإتحاد الصناعة والتجارة) رؤية متكاملة لتجاوز الاختناق الطاقي عبر تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتضمنت مقترحاتها:
-
برنامج “المواطنة الطاقية”: استهداف مليون عائلة من ذوي الاستهلاك الضعيف على امتداد 5 سنوات بتركيب محطات فولطاضوئية توفر قدرة إنتاجية جملية تناهز 600 ميغاواط.
-
حزمة إعفاءات جبائية: الإعفاء التام للألواح الشمسية والعواكس والبطاريات من المعاليم الديوانية والأداء على القيمة المضافة.
-
مرونة الاستهلاك الذاتي: إلغاء سقف 30% للفائض المغذي للشبكة بالجهد المتوسط، والترفيع في سعر شراء الكهرباء المصدرة للشبكة من 80 مليماً للكيلوواط/ساعة، مع تمكين الصناعيين من آليات التخزين.