العراق في ظل الضربات الأمريكية – السعودية والتصعيد الإقليمي  
العراق في ظل الضربات الأمريكية – السعودية والتصعيد الإقليمي  

العراق في ظل الضربات الأمريكية – السعودية والتصعيد الإقليمي  

قراءة في المشهد الراهن واستشراف المسارات المستقبلية

 

بقلم: د. شيماء مجيد بهيه – باحثة – ناقدة

العراق – بابل

 

 

لم يعد العراق اليوم يقف على هامش الصراعات الإقليمية، بل أصبح أحد أهم مفاصلها الجيوسياسية وأكثرها حساسية. فالتطورات العسكرية الأخيرة، المتمثلة بالضربات الأمريكية–السعودية التي طالت أهدافاً داخل الأراضي العراقية، لم تكن مجرد عمليات عسكرية ذات أبعاد تكتيكية، بل مثلت تحولاً استراتيجياً في طبيعة البيئة الأمنية المحيطة بالعراق، وأعادت طرح سؤال جوهري يتعلق بقدرة الدولة العراقية على حماية سيادتها والحفاظ على توازنها وسط صراع تتشابك فيه المصالح الدولية والإقليمية.

 

إن قراءة المشهد الراهن لا يمكن أن تنحصر في حدود الحدث العسكري ذاته، لأن الضربات الأخيرة ليست سوى انعكاس لتغيرات أعمق تشهدها المنطقة. فالتنافس الأمريكي–الإيراني دخل مرحلة أكثر تعقيداً، فيما تسعى قوى إقليمية إلى إعادة رسم معادلات الردع وتثبيت مواقعها في النظام الأمني الجديد للشرق الأوسط. وفي خضم هذه التحولات، يجد العراق نفسه أمام تحدٍّ مزدوج؛ فمن جهة يسعى إلى ترسيخ سيادته ومنع استخدام أراضيه كساحة لتصفية الحسابات، ومن جهة أخرى يواجه ضغوطاً متزايدة من أطراف متعددة لكل منها حساباته وأولوياته.

 

ويكشف تحليل البيئة الاستراتيجية أن العراق يواجه منظومة متداخلة من التهديدات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. فمن الناحية الأمنية، يزداد احتمال تكرار الضربات الجوية واتساع نطاق العمليات العسكرية، مع تنامي خطر الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي. أما سياسياً، فإن تعدد مراكز الضغط الخارجية، وتباين المواقف الداخلية، يجعلان عملية صناعة القرار أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل الحاجة إلى المحافظة على علاقات متوازنة مع جميع الشركاء الإقليميين والدوليين.

 

ولا تقل التداعيات الاقتصادية خطورة عن الجوانب الأمنية، إذ إن استمرار حالة التصعيد يهدد بارتفاع تكاليف التأمين على الاستثمارات، ويؤثر في بيئة الأعمال، ويزيد من احتمالات اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، فضلاً عن الضغوط المتوقعة على الموازنة العامة للدولة. أما اجتماعياً، فإن استمرار الأزمات يهيئ بيئة خصبة لتصاعد الاستقطاب السياسي، وانتشار حملات التضليل الإعلامي، وارتفاع مستويات القلق المجتمعي، وهي عوامل قد تؤثر في تماسك الجبهة الداخلية إذا لم تُدار بحكمة وفاعلية.

 

ورغم هذه التحديات، يمتلك العراق عناصر قوة لا يمكن تجاهلها. فوجود مؤسسات دولة راسخة، وخبرة تراكمية في إدارة الأزمات، وموارد اقتصادية كبيرة، وعلاقات متوازنة نسبياً مع عدد من الأطراف الدولية والإقليمية، تمثل جميعها ركائز يمكن البناء عليها لتحويل الأزمة إلى فرصة لتعزيز مكانة العراق الإقليمية. إلا أن تحقيق ذلك يتطلب معالجة نقاط الضعف البنيوية، وفي مقدمتها تعدد مصادر القوة المسلحة، وهشاشة التوافق السياسي، واستمرار الاعتماد الكبير على الاقتصاد الريعي، فضلاً عن تأثر القرار الوطني بالاستقطابات الإقليمية.

 

وعند استشراف المستقبل، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية. الأول يتمثل في احتواء التصعيد عبر نجاح الجهود الدبلوماسية وعودة الأطراف إلى طاولة التفاوض، وهو السيناريو الأكثر استقراراً وإن كان يتطلب إرادة سياسية دولية وإقليمية حقيقية. أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، فيقوم على استمرار التصعيد المحدود، من خلال تبادل الضربات والضغوط السياسية دون الانزلاق إلى حرب شاملة. بينما يبقى السيناريو الثالث، المتمثل في توسع المواجهة إلى صراع إقليمي واسع، احتمالاً قائماً إذا فشلت مسارات الاحتواء، أو إذا ارتفعت وتيرة العمليات العسكرية بصورة تؤدي إلى فقدان السيطرة على مسار الأحداث.

 

ومن هنا تبرز أهمية الرصد الاستباقي بوصفه أداة استراتيجية لا غنى عنها في إدارة الأزمات. فمتابعة حركة الطيران العسكري، وتحركات القوات الأجنبية، ونشاط الجماعات المسلحة، ومستوى التهديدات السيبرانية، وأسعار النفط، والمواقف السياسية الإقليمية والدولية، تشكل جميعها مؤشرات إنذار مبكر تساعد صانع القرار على الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل الاستباقي.

 

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى تبني حزمة من الإجراءات العاجلة، في مقدمتها تفعيل خلية أزمة وطنية تعمل بصورة مستمرة، وتعزيز التكامل بين المؤسسات الأمنية والاستخبارية، ورفع جاهزية منظومات الدفاع والرصد المبكر، وتأمين المنشآت الحيوية والبنى التحتية، وتطوير استراتيجيات إعلامية لمواجهة التضليل، إلى جانب تنشيط الدبلوماسية العراقية بما يرسخ مبدأ الحياد الإيجابي ويحافظ على المصالح الوطنية بعيداً عن سياسة المحاور.

 

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم لا يتمثل في طبيعة الضربات العسكرية وحدها، بل في كيفية إدارة تداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية. فالدول لا تُقاس قوتها بقدرتها على خوض الحروب فحسب، وإنما بقدرتها على منعها، واحتواء آثارها، وتحويل الأزمات إلى فرص لإعادة بناء عناصر القوة الوطنية.

 

وفي ضوء المؤشرات الراهنة، فإن العراق يقف عند مفترق طرق استراتيجي ستكون قراراته خلال المرحلة المقبلة عاملاً حاسماً في تحديد موقعه ضمن معادلات الإقليم الجديدة. ومن ثم فإن بناء رؤية وطنية شاملة، تستند إلى التخطيط الاستراتيجي، والرصد الاستباقي، والجاهزية المؤسسية، والدبلوماسية الفاعلة، يمثل الخيار الأكثر واقعية لضمان حماية السيادة، وتعزيز الاستقرار، وصون المصالح العليا للدولة.

 

إن المرحلة المقبلة لن تكون اختباراً لقدرة العراق على مواجهة التهديدات العسكرية فحسب، بل ستكون اختباراً لنضج مؤسساته، وكفاءة منظومة صنع القرار، ومدى قدرته على ترسيخ مفهوم الأمن الوطني الشامل بوصفه الإطار الذي تتكامل فيه القوة العسكرية، والاقتصاد، والدبلوماسية، والإعلام، والوعي المجتمعي. فكلما نجح العراق في بناء هذا التكامل، ازدادت قدرته على تقليل المخاطر، وتعزيز الاستقرار، وترسيخ مكانته دولةً ذات سيادة، قادرة على حماية مصالحها في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»… حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان      يمثل كتاب «مستقبل بلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *