السودان في المشهد الجيوسياسي الجديد
السودان في المشهد الجيوسياسي الجديد

السودان في المشهد الجيوسياسي الجديد

بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان 

تشهد المنطقة الممتدة من الساحل والصحراء إلى القرن الإفريقي وما وراء البحر الأحمر حراكًا سياسيًا وأمنيًا متسارعًا ينذر بتحولات جيوسياسية عميقة قد تعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية خلال السنوات المقبلة وفق مفهوم «القوي يأكل الضعيف»، مما يستدعي إنتباه المسؤولين السياسيين والإعلاميين لتحليل المشهد بدقة وإنتاج حلول من شأنها رصف الطريق للعبور نحو المستقبل، رغم التحديات الماثلة، وفي قلب هذه التحولات يقف السودان بوصفه دولة محورية تمتلك من الموقع الجغرافي، والإمكانات السياسية والتاريخية، والموارد بمختلف أنواعها، ما يؤهله لإستعادة دوره الطبيعي في محيطه الإفريقي والعربي، بما يحمله من قضايا متنوعة تحتاج إلى حياكة خطة سودانية محكمة، متعددة المسارات وبعيدة المدى، للتعامل معها، ويكشف تزامن عدد من التحركات الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة عن بداية مرحلة جديدة تتجاوز حدود إدارة الأزمة السودانية إلى إعادة صياغة موقع السودان داخل منظومة الأمن الإقليمي، خاصة في ظل تزايد الإهتمام الدولي والإقليمي بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي والساحل والصحراء، بما تنطوي عليه هذه المناطق من محفزات للتنافس العالمي، وما يرتبط بها من تحديات إستراتيجية تمس الأمن والسلم الدوليين.

 

نقف عند هذه المحطة المهمة لنتأمل الواقع بعين لا تخطئ التحديات التي نواجهها، وهنا يكتسب لقاء رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، بوفد الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) برئاسة السكرتير التنفيذي ورقني قبيهو أهمية خاصة، إذ حمل رسائل سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى التأكيد على إحترام خيارات السودانيين، ودعم وحدة السودان وسيادته، والإنحياز إلى الحلول الوطنية، باعتبار أن مصير البلاد يحدده أبناؤها، لا غيرهم، وقد شدد رئيس وفد «إيقاد» على أن المنظمة لا تسعى إلى فرض أي حلول على السودانيين، وإنما تقتصر مهمتها على تيسير جهود السلام التي يقودها السودانيون أنفسهم، «لا أكثر ولا أقل»، مؤكدًا في الوقت ذاته أن السودان يظل أحد أهم الدول المؤسسة للمنظمة، وأن موقعه التاريخي يجعله فضاءً للتكامل السياسي والإقتصادي والإجتماعي بين دول كثيرة، وجسرًا بين العالمين الإفريقي والعربي، بما يحمله من تنوع جعله قبلةً للأنظار؛ كما أدان بشدة الإنتهاكات التي شملت التهجير القسري، والإبادة الجماعية، والتعذيب، والإغتصاب، ونهب الموارد، وتدمير البنية التحتية للدولة، مؤكدًا إستعداد المنظمة لدعم جميع المبادرات الوطنية الرامية إلى إنهاء الحرب وتحقيق سلام شامل ودائم.

 

على المستوى الإستراتيجي، الذي فتح الأبصار على كثير من الحقائق الجيوسياسية التي لم يكن التفكير فيها عميقًا من قبل، لكنها باتت اليوم تتضح جليًا مع تطورات الوضع العام في السودان ومحيطه الإقليمي والدولي، فقد حملت وسائل الإعلام العالمية أنباء عن إنخراط السودان في الإجتماع الذي إستضافته المملكة العربية السعودية لرؤساء هيئات الأركان، بغية مناقشة مشروع التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، بوصفه مؤشرًا على عودة السودان إلى دوائر التنسيق الأمني الإقليمي والدولي، وقد شهد الإجتماع مشاركة واسعة من عشرات الدول والمنظمات والهيئات ذات الصلة، الأمر الذي يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية تأمين البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية، لا سيما في ظل تصاعد التهديدات الأمنية في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي ومنطقة الساحل والصحراء، ورغم تباعد المسافات، فإن هذه التهديدات باتت حاضرة في صميم المشهد الإقليمي، الذي إذا جرت تجزئة قراءة تحولاته جاءت النتائج غير متسقة مع الواقع، وأصبح الحديث عن حلول شاملة للأزمات أمرًا بالغ الصعوبة، وتمثل مشاركة السودان في هذا الحراك اعترافًا بدوره المحوري في منظومة الأمن البحري، بالنظر إلى موقعه الإستراتيجي وإطلالته على البحر الأحمر، وهو ما يفتح المجال أمام تعزيز التعاون العسكري والأمني مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

 

إن قراءة هذه التطورات في سياقها العام تقود إلى إستنتاج موضوعي مفاده أن السودان يقف أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء مكانته الإقليمية والدولية، شريطة أن يتمكن من إستكمال مسيرة إستعادة الأمن والإستقرار الداخلي، من خلال هزيمة مليشيا الدعم السريع، وإجبار داعميها في المحيط الإقليمي على تقبل حقيقة أنه لا جدوى من محاولة إسقاط السودان وكسر إرادة شعبه عبر السلاح، وأنه لا سبيل سوى إنهاء جميع أشكال الإرهاب والإستبداد، وبناء دولة جديدة قائمة على أعمدة السلام، والمواطنة المتساوية، والتنمية العادلة في الريف والمدينة، بما ينهي مظاهر التهميش ويحفظ روابط الوحدة الوطنية؛ فالتحديات الأمنية التي تمتد من شريط البحر الأحمر مرورًا بالقرن الإفريقي وصولًا إلى الساحل والصحراء، وما تشهده دول جوار السودان، المباشر منها وغير المباشر، من إضطرابات مدمرة، بما في ذلك الحادثة المؤسفة في دمياط التي تستوجب التضامن مع مصر وشعبها، تؤكد أن أمن المنطقة برمتها أصبح مترابطًا بصورة غير مسبوقة، وتطرح أسئلة عميقة تشغل أذهان الإعلاميين والسياسيين، وتحتاج إلى حوار صريح للإجابة عنها؛ ومن ثم، فإن السودان، بما يمتلكه من ثقل جغرافي وسياسي وتاريخي، مرشح لأن يكون أحد الأعمدة الرئيسة في معادلة الأمن الإقليمي الجديدة، وأن يستعيد دوره كحلقة وصل لا غنى عنها بين إفريقيا والعالم العربي، وشريكًا فاعلًا في صناعة مستقبل المنطقة وسط عالم سريع التحول.

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»… حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان      يمثل كتاب «مستقبل بلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *