بقلم الدكتور محمود سيد محمد – الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.

لم تعد التطورات التي تشهدها منطقة الخليج مجرد أزمات منفصلة، ولا أعتقد أن ما يحدث يمكن قراءته باعتباره سلسلة من المصادفات. المنطقة تتحرك في اتجاه جديد، والتوتر أصبح جزءًا من أدوات إعادة ترتيبها، فيما يبدو أن السعودية تحديدًا تقع في قلب هذا التحول.
المعادلة التي تتشكل أمام الرياض شديدة القسوة: كلما ارتفع مستوى التهديد حولها، أصبح الحديث عن منظومة أمنية إقليمية جديدة أكثر إلحاحًا، وأصبح التطبيع مع إسرائيل يُطرح تدريجيًا باعتباره أحد مكونات هذه المنظومة.
بمعنى آخر، الرسالة التي تصل إلى الخليج تبدو أقرب إلى الآتي: إذا لم تكن داخل شبكة التحالفات الجديدة، فقد تجد نفسك في مواجهة إيران وأذرعها وحدك.
قد يختلف البعض مع هذه القراءة، وقد يرى أن المخاوف الأمنية الخليجية حقيقية وأن إيران تمثل بالفعل مصدر قلق استراتيجي لدول المنطقة، وهذا صحيح إلى حد كبير. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل يجري التعامل مع هذه المخاطر فقط باعتبارها تهديدات يجب احتواؤها، أم أنها تتحول أيضًا إلى ورقة ضغط لإعادة تشكيل التحالفات؟
هنا تصبح السعودية هي الحلقة الأهم.
فالرياض ليست مجرد قوة اقتصادية كبرى. موقعها الجغرافي، وثقلها العربي والإسلامي، ودورها في أسواق الطاقة، يجعل أي تغيير في سياستها الخارجية ذا تأثير يتجاوز حدود المملكة. وإذا انتقلت السعودية من مرحلة الاتصالات والرسائل غير المباشرة إلى تطبيع كامل مع إسرائيل، فإن المشهد الإقليمي كله سيأخذ شكلًا مختلفًا.
الإمارات سبقت إلى هذه المساحة.
منذ إعلان التطبيع مع إسرائيل عام 2020، لم تكتفِ أبوظبي بالعلاقة السياسية والاقتصادية، بل اتجهت إلى بناء شراكات أمنية وتكنولوجية وعسكرية أكثر اتساعًا. وفي اليمن، أعادت الإمارات ترتيب وجودها، فخفضت حضورها العسكري المباشر، لكنها لم تتخلَّ عن نفوذها وأوراقها المحلية. وهذا فارق مهم؛ فالانسحاب من الميدان لا يعني بالضرورة الانسحاب من اللعبة.
وفي الوقت نفسه، أبقت الإمارات باب التواصل مع إيران مفتوحًا، ووسعت علاقاتها مع الصين والهند وروسيا وغيرها. هذه ليست سياسة قائمة على اختيار معسكر واحد بصورة نهائية، بل سياسة تقوم على الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الخيارات.
أبوظبي، بهذا المعنى، تحاول أن تؤمّن موقعها في مرحلة إقليمية لا أحد يعرف شكلها النهائي.
السعودية تتحرك بطريقة مختلفة. فهي أكثر حذرًا، وأكثر ارتباطًا بحسابات عربية وإسلامية، كما أن القضية الفلسطينية تمثل بالنسبة إليها عاملًا لا يمكن تجاهله. لذلك فإن الحديث عن تطبيع سعودي لا يمكن اختزاله في لقاءات سياسية أو ترتيبات أمنية؛ الرياض تريد ثمنًا سياسيًا واستراتيجيًا واضحًا.
وهنا تحديدًا تظهر صعوبة المهمة الأمريكية.
واشنطن تريد هندسة منظومة أمنية في الشرق الأوسط تستطيع من خلالها احتواء إيران، وتقليل تكلفة الحضور الأمريكي المباشر، وربط عدد من دول المنطقة بشبكة تعاون أمني وتكنولوجي واقتصادي. وإسرائيل تريد من جانبها توسيع دائرة التطبيع، والوصول إلى السعودية تحديدًا سيكون بالنسبة إليها اختراقًا سياسيًا واستراتيجيًا بالغ الأهمية.
لكن السعودية لا تريد أن تدخل هذه المعادلة من موقع الطرف الذي يبحث عن الحماية فقط. تريد أن تدخلها وهي تملك أوراقًا وشروطًا ومكاسب.
لذلك فإن استمرار التوتر في المنطقة يضع الرياض أمام معادلة صعبة. كل أزمة جديدة، وكل تهديد لأمن الملاحة أو منشآت الطاقة، وكل تصعيد مع جماعة مسلحة مرتبطة بإيران، يعيد طرح السؤال نفسه: كيف يمكن حماية الخليج في السنوات المقبلة؟
وهنا يأتي الحديث عن التحالفات الجديدة.
المشكلة ليست في أن السعودية تبحث عن ضمانات لأمنها؛ فهذا حق طبيعي لأي دولة. المشكلة في أن تتحول المخاوف الأمنية إلى قاعدة سياسية تقول إن الطريق الوحيد إلى الأمن يمر عبر التطبيع مع إسرائيل.
إذا نجح هذا التصور، فسيكون التطبيع نتيجة لمسار طويل، وليس قرارًا منفصلًا اتخذته الرياض في لحظة واحدة.
واللافت أن دول الخليج نفسها لا تتحرك بالطريقة ذاتها. الإمارات اختارت التطبيع المبكر، وقطر تحتفظ بمساحات مختلفة من التواصل والحركة، وسلطنة عمان تتمسك تقليديًا بسياسة أكثر هدوءًا وتوازنًا، بينما تظل السعودية صاحبة القرار الأكثر تأثيرًا في تحديد شكل المرحلة المقبلة.
لهذا السبب، فإن ما يجري حول المملكة يستحق مراقبة دقيقة. المسألة ليست فقط: هل ستطبع السعودية مع إسرائيل؟
السؤال الأعمق هو: هل يجري الآن تغيير البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بالسعودية حتى يصبح التطبيع، في لحظة ما، الخيار الأقل كلفة؟
هذه هي النقطة التي أراها أخطر من مجرد الحديث عن اتفاق تطبيع.
فحين تصبح المنطقة أكثر توترًا، وتزداد المخاطر حول الخليج والبحر الأحمر واليمن، وتدخل القوى الدولية والإقليمية في ترتيبات أمنية متشابكة، تصبح الدول أمام خيارات أقل مما كانت عليه في السابق. وفي السياسة الدولية، لا تحتاج الدولة دائمًا إلى أن تُجبر على اتخاذ قرار؛ يكفي أحيانًا أن تتغير البيئة المحيطة بها بحيث يصبح القرار شبه مفروض بحسابات المصلحة.
ومن هنا يمكن فهم التحركات الإماراتية باتجاه بناء علاقات متعددة مع القوى الكبرى، بالتوازي مع علاقتها بإسرائيل وإبقاء قنواتها مفتوحة مع إيران. أبوظبي تبدو وكأنها تستعد لأكثر من سيناريو، بينما تنتظر السعودية اللحظة التي تتضح فيها تكلفة كل خيار.
قد يأتي التطبيع، وقد يتأخر، وقد يرتبط بتسوية أكبر للقضية الفلسطينية وبضمانات أمنية أمريكية. لكن المؤكد أن المعركة الحقيقية ليست على صورة المصافحة أمام الكاميرات، وإنما على شكل النظام الإقليمي الذي ستولد منه تلك المصافحة إن حدثت.
الشرق الأوسط أمام مرحلة إعادة تموضع واسعة. تحالفات تتغير، وأعداء الأمس قد يصبحون شركاء مؤقتين، وشركاء اليوم قد تختلف معهم الحسابات غدًا.
وفي وسط كل ذلك تقف السعودية أمام اختبار تاريخي: هل تدخل منظومة إقليمية جديدة بشروطها، أم تسمح للتوترات المتراكمة بأن تدفعها تدريجيًا إلى المكان الذي يريده الآخرون؟
من وجهة نظري، هذه هي المعركة الحقيقية الآن.
فالحفل الكبير، إن جاء، لن يكون مجرد إعلان تطبيع؛ بل إعلانًا عن ولادة معادلة جديدة في الخليج والشرق الأوسط.