الملف الشائك: قراءة تفصيلية في أبعاد صراع الصحراء والجمود المغاربي
بقلم الكاتب والباحث : رنج باراوي كردستان العراق

إن قضية الصحراء الغربية والتوتر التاريخي العميق الذي نشأ بناءً عليها بين الجزائر والمغرب، ليست مجرد نزاع حدودي بسيط أو أزمة إقليمية عابرة؛ بل هي واحدة من أقدم وأعقد النزاعات الجيوسياسية المستمرة في القارة الأفريقية والعالم العربي في التاريخ المعاصر. هذا الملف في جوهره مزيج من صراع الهوية، الديموغرافيا القبلية، القانون الدولي، الصدام الدستوري، والتنافس على توازن القوى والنفوذ في شمال أفريقيا.
ولفهم هذه المعضلة الراكدة، لا بد من دراسة جذورها التاريخية، خريطتها الديموغرافية، الاتفاقيات والمؤتمرات التي تناولتها، وأخيراً طبيعة التعامل الدستوري والقانوني للأطراف الفاعلة معها.
١. الجذور التاريخية: متى وكيف اندلع الصراع؟
يعود اندلاع هذا النزاع بالدرجة الأولى إلى حقبة الاستعمار الأوروبي والآلية التي اتبعتها القوى الاستعمارية أثناء انسحابها من المنطقة، مما خلق نوعاً من الفراغ السياسي والقانوني. فعندما قررت إسبانيا الانسحاب من منطقة الصحراء الغربية عام ١٩٧٥، وبدلاً من تسليم السلطة للسكان الأصليين، وقعت في ١٤ نوفمبر من العام نفسه “اتفاقية مدريد الثلاثية” [٢] مع المغرب وموريتانيا، والتي تم بموجبها تقسيم الإقليم بين الدولتين مع مرور الوقت.
وقبل الانسحاب الإسباني ببضعة أعوام، وتحديداً في عام ١٩٧٣، تأسست “جبهة البوليساريو” كحركة تحرر وطني على يد جيل شاب من السكان الأصليين (الصحراويين) المطالبين بالاستقلال التام. رفضت الجبهة اتفاقية مدريد، وأعلنت رسمياً في فبراير ١٩٧٦ عن قيام “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، وبدأت كفاحاً مسلحاً ضد المغرب وموريتانيا.
في هذه الحقبة، كانت الجزائر تحت قيادة الرئيس هواري بومدين، ومن منطلق الإيمان بمبدأ “دعم حركات التحرر وحق الشعوب في تقرير مصيرها” [٧] (وهو الإرث المستمد من الثورة الجزائرية ضد فرنسا)، وفي نفس الوقت لمنع تمدد النفوذ الإقليمي للمملكة المغربية، أصبحت الجزائر الداعم المالي والعسكري والدبلوماسي الأكبر لجبهة البوليساريو .
فتحت الجزائر حدودها للجبهة وسمحت لها بإقامة قواعد ومخيمات ضخمة في منطقة “تندوف” جنوب غرب البلاد، مما أدى إلى اندلاع حرب مسلحة دموية ومستنزفة بين الجيش المغربي وقوات البوليساريو استمرت حتى عام ١٩٩١.
٢. المناطق المتنازع عليها من المنظور الديموغرافي والجغرافي
عندما يتم تناول “المناطق المتنازع عليها” أو الأقاليم المتاخمة المرتبطة بهذا الصراع في الأدبيات السياسية، يجب التمييز بين مفهومين ومنطقتين جغرافيتين مختلفتين تؤثر كل منهما في الأخرى بعمق [١١]:
أ. منطقة تندوف (داخل الأراضي الجزائرية): تقع ولاية تندوف في أقصى الجنوب الغربي للجزائر، وتمتلك موقعاً جيوسياسياً شديد الحساسية، حيث تشكل مربعاً حدودياً يربط الجزائر بكل من المغرب، الصحراء الغربية، وموريتانيا. أُلحقت هذه المنطقة إدارياً بالجزائر منذ عهد الاستعمار الفرنسي، وكان المغرب يطالب بالسيادة عليها تاريخياً، وهو ما تسبب في اندلاع “حرب الرمال” بين البلدين عام ١٩٦٣. بعد عام ١٩٧٥ وانفجار أزمة الصحراء، تحولت تندوف إلى الملاذ والوطن الثاني للاجئين الصحراويين الذين نزحوا بسبب الحرب. وتضم المنطقة حالياً مخيمات ضخمة للاجئين يُقدر عدد سكانها بحسب إحصاءات متفاوتة ما بين ١٠٠,٠٠٠ إلى ١٧٠,٠٠٠ لاجئ [١٢]. هذا الواقع الجديد خلق تحولاً ديموغرافياً كبيراً، وصاغ هوية قبلية وسيادية مشتركة بين سكان تندوف الأصليين واللاجئين الصحراويين (الذين ينتمي أغلبهم لقبائل الرقيبات)، مما جعل من تندوف عاصمة سياسية وإدارية فعلية لجبهة البوليساريو في المنفى.
ب. إقليم الصحراء الغربية (الصحراء المغربية منظوراً إليها من الرباط): منطقة شاسعة وساحلية تطل على المحيط الأطلسي، وتكتسي أهمية اقتصادية بالغة نظراً لامتلاكها واحداً من أكبر احتياطيات الفوسفات في العالم، وغنى شواطئها بالثروة السمكية، فضلاً عن التنقيب عن النفط. يُعرف السكان الأصليون للإقليم بـ “الصحراويين”، وهم أصحاب ثقافة، وعادات عشائرية، ولهجة محلية خاصة تُعرف بـ “الحسانية” (وهي لهجة عربية ممتزجة بالأمازيغية). منذ عام ١٩٧٥، اتبعت الرباط استراتيجية مكثفة لتغيير التوازن الديموغرافي عبر تشجيع مشاريع الاستيطان ونقل مئات الآلاف من المواطنين المغاربة من الشمال والوسط للعيش في المدن الرئيسية للصحراء كـالعيون والداخلة [١٠]. واليوم، يشهد الإقليم تمازجاً سكانياً كبيراً يشكل فيه المغاربة الوافدون جزءاً كبيراً من البنية الديموغرافية، مما فرض واقعاً جديداً على الأرض.
٣. الدور الليبي في النزاع: من الدعم الثوري المسلح إلى الانكفاء والوساطة
لا يمكن فهم العقود الأولى من صراع الصحراء الغربية بمعزل عن الدور المحوري الذي لعبته الجماهيرية الليبية بقيادة العقيد معمر القذافي، خاصة في الفترة الممتدة بين عامي ١٩٧٣ و١٩٨٤. فقد شكّلت طرابلس، إلى جانب الجزائر، الضلع الثاني في مثلث الدعم العسكري والمالي لجبهة البوليساريو، انطلاقاً من خلفيات أيديولوجية وحسابات إقليمية معقدة.
كانت ليبيا القذافي تحتضن وتدعم حركات التحرر الوطني ذات التوجهات القومية أو اليسارية في العالم العربي وأفريقيا. وفي هذا السياق، كانت طرابلس سباقة في تقديم السلاح والمال والتدريب العسكري لمقاتلي البوليساريو حتى قبل الموقف الجزائري العلني المباشر [١٣]. الشحنات العسكرية الليبية كانت تتدفق عبر الأراضي المالية والجزائرية، وساهمت بشكل رئيسي في تسليح الجبهة بأسلحة ثقيلة ونوعية مكنتها من خوض حرب استنزاف قاسية ضد الجيشين المغربي والموريتاني.
إلا أن المشهد شهد انعطافة دراماتيكية عكست براغماتية القذافي في ١٣ أغسطس ١٩٨٤، حين وقعت ليبيا والمغرب معاهدة “الاتحاد العربي الإفريقي” (المعروفة باتفاقية وجدة) [١٤]. بموجب هذا الاتفاق التاريخي، نجح الملك الحسن الثاني في تحييد الدعم الليبي للبوليساريو؛ حيث أوقفت طرابلس إمدادات السلاح والتمويل للجبهة، مقابل صمت المغرب أو عدم انحيازه في الصراعات الخارجية التي كانت تخوضها ليبيا حينها، ولا سيما في تشاد ومواجهاتها مع الغرب.
ورغم أن اتفاقية وجدة لم تستمر طويلاً وفُصمت عراها في عام ١٩٨٦، إلا أن الدعم الليبي للبوليساريو لم يعد أبداً إلى سابق عهده وزخمه؛ إذ تحول الموقف الليبي تدريجياً نحو تبني مساعي الوساطة والدعوة إلى “الوحدة المغاربية” الشاملة لتذويب الخلاف، وصولاً إلى سقوط نظام القذافي عام ٢٠١١، وهو الحدث الذي أنهى تماماً أي أثر للمحور الليبي القديم في هذا الملف، لتنفرد الجزائر وحدها بعبء الرعاية السياسية والعسكرية للجبهة.
٤. أبرز المؤتمرات، الجهود الدبلوماسية، والاتفاقيات التاريخية
تاريخ هذا الصراع حافل بالمسارات الدبلوماسية، قمم القادة، والاتفاقيات التي تراوحت دائماً بين الانفراجات المؤقتة والانسداد الدائم. ويمكن تصنيف أبرز هذه المحطات تاريخياً على النحو الآتي:
أولاً: الاتفاقيات الحدودية بين الجزائر والمغرب: بعد مرور سنوات على “حرب الرمال” (١٩٦٣) التي اندلعت بسبب الخلافات الحدودية وتصور المغرب لمفهوم “المغرب الكبير”، وقع الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري هواري بومدين عام ١٩٧٢ اتفاقية تاريخية لترسيم الحدود النهائية والرسمية بين البلدين (اتفاقية إفران ومؤتمر الجزائر) [١]. وبموجب هذه الاتفاقية التي وُقعت خلال القمة العربية بالجزائر، اعترف المغرب رسمياً بسيادة الجزائر على منطقة “تندوف” وتنازل عن مطالبه التاريخية بها، وفي المقابل، التزمت الجزائر بالدخول في مشروع اقتصادي مشترك مع المغرب لاستخراج ونقل الحديد من منطقة “غار جبيلات” عبر الموانئ المغربية. إلا أن تطورات ما بعد ١٩٧٥ وتفجر ملف الصحراء دفع بالمغرب إلى تجميد المصادقة النهائية على الاتفاقية في برلمانه لسنوات طويلة، مما عاد بالثقة السياسية بين الطرفين إلى نقطة الصفر.
ثانياً: اتفاقيات المرحلة الانتقالية للصحراء (١٩٧٥ – ١٩٧٩): تمثلت أولى المحطات في “اتفاقية مدريد” (١٤ نوفمبر ١٩٧٥)، وهو اتفاق ثلاثي بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا، نظم انسحاب إسبانيا دون استشارة الأمم المتحدة أو البوليساريو [٢]. رفضت الجزائر الاتفاقية بشدة ووصفتها بـ “المؤامرة لتقسيم أرض شعب أعزل”، وكانت الشرارة التي حوّلت النزاع إلى مواجهات مباشرة وغير مباشرة بين الجزائر والمغرب (مثل معركة “أمغالا الأولى” عام ١٩٧٦ حيث تصادم الجيشان لفترة محدودة). تلا ذلك “اتفاقية الجزائر مع موريتانيا” (٥ أغسطس ١٩٧٩)؛ فبعد أن شنت جبهة البوليساريو حرب استنزاف قاسية ضد موريتانيا أنهكت اقتصادها واستقرارها، قررت السلطة الجديدة في نواكشوط الانسحاب. وتحت رعاية جزائرية، وقعت موريتانيا اتفاقية سلام مع الجبهة في العاصمة الجزائر [٣]، تخلت بموجبها رسمياً عن حصتها في الصحراء الغربية (وادي الذهب) واعترفت بحق الشعب الصحراوي. لكن فور توقيع الاتفاق، بادر الجيش المغربي باجتياح تلك المنطقة وبسط سيطرته الرسمية عليها لمنع قيام أي كيان مستقل.
ثانياً: جهود الأمم المتحدة ومسار السلام (١٩٨٨ – ٢٠٠٣): عقب سنوات من الحرب الطاحنة وبناء المغرب لـ “الجدار الرملي الدفاعي”، رحب طرفا النزاع عام ١٩٨٨ بمقترح مشترك من الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية. وتوجت هذه الجهود عام ١٩٩١ بصدور قرار مجلس الأمن رقم ٦٩٠ [٤] والذي قضى بوقف رسمي ونهائي لإطلاق النار تحت مراقبة دولية، وتأسيس بعثة الأمم المتحدة المعروفة باسم “المينورسۆ” (MINURSO)، والتي كان هدفها الأساسي تنظيم استفتاء في الإقليم لتقرير مصير الشعب الصحراوي (بين خيار الاستقلال أو الاندماج مع المغرب).
لاحقاً، تولى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، جيمس بيكر، مهمة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة وقدم مشروعين لتجاوز معضلة تحديد هوية الناخبين [٥]: “خطة بيكر الأولى” (٢٠٠١) التي اقترحت منح الصحراء حكماً ذاتياً واسعاً تحت السيادة المغربية لمدة خمس سنوات، يعقبه إجراء الاستفتاء، وهي الخطة التي رفضتها الجزائر والبوليساريو بشدة بدعوى انحيازها لرؤية الرباط. ثم تبعتها “خطة بيكر الثانية” (٢٠٠٣) التي اقترحت إنشاء سلطة مؤقتة مشتركة لإدارة الإقليم لخمس سنوات، تليها عملية استفتاء يحق فيها التصويت للاجئين الصحراويين في الجزائر والمستوطنين المغاربة على حد سواء؛ وقبلت الجزائر والبوليساريو الخطة بشرط، لكن المغرب رفضها رفضاً قاطعاً، مؤكداً أن أي استفتاء يتضمن خيار “الاستقلال” قد شُطب نهائياً من القاموس السياسي المغربي، وأدّى هذا الانسداد إلى استقالة بيكر عام ٢٠٠٤.
رابعاً: الجولات والمبادرات الحديثة: رعت الأمم المتحدة سلسلة من المحادثات المباشرة وغير المباشرة في منطقة مانهاست بنيويورك (٢٠٠٧ – ٢٠١٢) بين المغرب وجبهة البوليساريو، وبحضور الجزائر وموريتانيا كجارتين، وذلك بعد أن قدم المغرب مبادرة “الحكم الذاتي” عام ٢٠٠٧ [٦]. لكن هذه الجولات فشلت أيضاً، حيث أصر المغرب على أن يقتصر التفاوض على آليات تطبيق الحكم الذاتي، بينما اشترطت البوليساريو العودة إلى مبدأ الاستفتاء الحر. وفي عامي ٢٠١٨ و٢٠١٩، وبإشراف المبعوث الأممي هورست كولر، عُقدت جولتان من “الطاولات المستديرة في جنيف”، وتكمن الأهمية التاريخية لهاتين الجولتين في إجبار الجزائر على الجلوس كطرف رئيسي ومباشر في المفاوضات وليس مجرد مراقب خارجي، وهو ما كان يطالب به المغرب دائماً. أحيت هذه الخطوة الأمل، لكن الاستقالة المفاجئة لكولر لأسباب صحية، وتدهور العلاقات اللاحق، أعادا المسار إلى نقطة الجمود التام.
٥. هل تم حل القضية؟ (الواقع الراهن للملف)
لا، لم يتم حل القضية؛ بل على العكس، وصلت في السنوات الأخيرة إلى مرحلة جديدة من الانسداد والتعقيد البالغ الذي ينذر بمخاطر الانفجار العسكري [١٢]. وقد تعمق هذا الانسداد نتيجة عدة عوامل مستجدة:
العودة إلى التوتر المسلح (٢٠٢٠): في نوفمبر ٢٠٢٠، إثر قيام الجيش المغربي بعملية عسكرية لفتح معبر “الكركرات” الحدودي الذي أغلقه موالون لجبهة البوليساريو، أعلنت الجبهة أنها لم تعد ملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار لعام ١٩٩١، واستأنفت عمليات عسكرية محدودة المناوشات [١٢].
القطع الرسمي للعلاقات الدبلوماسية (٢٠٢١): في أغسطس ٢٠٢١، أعلنت الجزائر رسمياً قطع علاقاتها الدبلوماسية بالكامل مع المغرب وإغلاق أجوائها أمام الطائرات المغربية، متهمةً الرباط بالقيام بـ “أعمال عدائية وتجسسية” ودعم منظمات انفصالية داخل الجزائر.
تبدل التوازنات الدولية: في أواخر عام ٢٠٢٠، اتخذت الإدارة الأمريكية قراراً بالاعتراف بسيادة المغرب الكاملة على الصحراء الغربية، مقابل إعادة صياغة المشهد السياسي الإقليمي وتطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل. هذا التحول، ومعه تغير موقف إسبانيا (٢٠٢٢) وفرنسا (٢٠٢٤) نحو دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي، جعل المغرب يرى موقفه أكثر قوة ويتمسك بمشروعه، بينما اعتبرت الجزائر هذه التحولات “خرقاً سافراً للقانون الدولي” وزادت من تمسكها بدعم البوليساريو [١١].
٦. التعامل الدستوري والقانوني مع القضية
كيف يعرّف الدستور والقانون الداخلي لكلا البلدين، إلى جانب القانون الدولي، هذا الملف ويصيغان أطر التعامل معه؟
أولاً: من المنظور الدستوري والقانوني للجزائر: يؤكد الدستور الجزائري (في تعديلاته المختلفة، لا سيما المادتين ٢٨ و٣١ من تعديل ٢٠٢٠) على مبدأ “مناهضة الاستعمار، دعم حركات التحرر، وحق الشعوب في تقرير مصيرها” [٧]. وترى الجزائر القضية من الناحية القانونية كـ “ملف تصفية استعمار” (Decolonization) مدرج في اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، وليس نزاعاً حدودياً أو سياسياً بينها وبين المغرب. لذا، من الناحية القانونية، لا يمكن للجزائر التنازل عن دعم البوليساريو دون انتهاك لمبادئها الدستورية العميقة. وعلى صعيد متصل، خلقت الجزائر وضعاً قانونياً نادراً؛ حيث منحت جبهة البوليساريو نوعاً من “السيادة الإدارية والقضائية والأمنية الكاملة” داخل مخيمات تندوف، أي أن شرطة ومحاكم البوليساريو هي من تدير الشؤون الداخلية للمخيمات تحت المظلة القانونية لـ “قبول دولة في المنفى” تعترف بها الجزائر رسمياً.
ثانياً: من المنظور الدستوري والقانوني للمغرب: يشدد دستور المملكة المغربية لعام ٢٠١١ (خاصة التصدير والمادتين ١ و٤٢) على أن الوحدة الترابية للمملكة خط أحمر، تقع مسؤولية حمايتها على عاتق الملك وكافة مؤسسات الدولة [٨]. وتحت الشعار التاريخي “الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه”، يجرّم القانون المغربي أي نشاط أو ترويج داخل البلاد يدعو للانفصال أو يدعم البوليساريو، ويعتبره “خيانة عظمى” ومخالفة دستورية [١٠]. وتُدار مدن الصحراء إدارياً وقانونياً ومالياً كأي إقليم آخر في شمال ووسط البلاد.
وكمخرج قانوني وسياسي، قدم المغرب مبادرة “الحكم الذاتي” للأمم المتحدة عام ٢٠٠٧ [٦]؛ وبموجب هذا المشروع، يحظى سكان الصحراء ببرلمان، حكومة، ومحاكم محلية لإدارة شؤونهم الذاتية (مثل الميزانية، الضرائب، التنمية، والثقافة والشرطة المحلية)، على أن يظلوا تحت سيادة ملك المغرب، وتبقى الشؤون الخارجية، الدفاع الوطني، والعملة بيد السلطة المركزية في الرباط. يحظى هذا المشروع بوصف العديد من القوى الدولية بأنه حل “جدي وذي مصداقية”، لكنه لم يتحول إلى قاعدة مستقرة جراء الرفض الجزائري والصحراوي له.
٧. استنباط ختامي: أين يتجه الجمود المغاربي؟ (الخلاصة والاستنتاج)
تأسيساً على المقاربة التحليلية الشاملة لجذور الأزمة وأبعادها الدستورية والديموغرافية والتدخلات الإقليمية، يمكننا استنباط عدة حقائق جوهرية ترسم الملامح المستقبلية لهذا الملف الشائك:
أولاً، يتضح جلياً أن أزمة الصحراء قد تجاوزت منذ عقود إطارها القانوني الصِرف المتعلق بـ “تصفية الاستعمار” أو “الحكم الذاتي”، لتتحول في العمق إلى أداة لإدارة صراع الهيمنة الإقليمية وتوازن القوى بين القطبين: الرباط والجزائر. فالقضية باتت تمس مباشرة “العقيدة الأمنية والدستورية” لكلا النظامين، مما يجعل التنازل من أي طرف بمثابة تهديد لشرعيته الداخلية واستقراره السياسي.
ثانياً، تشير المعطيات الميدانية إلى تلاشي فعالية الخيار العسكري التام؛ فعلى الرغم من إعلان البوليساريو العودة إلى العمل المسلح عام ٢٠٢٠، إلا أن الواقع التكنولوجي المتطور وسلاح الطائرات المسيرة وحرب الجدران الدفاعية، يجعل من المستحيل ميدانياً إحداث تغيير ملموس على الأرض. وفي المقابل، يدرك الطرفان الجزائري والمغربي أن الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة وشاملة سيكون بمثابة انتحار اقتصادي وسياسي يستنزف مقدرات البلدين.
ثالثاً، يبرز بوضوح نجاح المغرب في فرض “دبلوماسية الأمر الواقع”، مستنداً إلى اختراقات سياسية دولية وازنة كالاعتراف الأمريكي وتحول المواقف الإسبانية والفرنسية. هذا الواقع الجديد عزز من الموقف التفاوضي للرباط التي أضحت ترفض أي صيغة للحل خارج سقف “الحكم الذاتي”، في حين تجد الدبلوماسية الجزائرية نفسها في حالة استنفار مستمر لحشد مواقف القوى التقليدية (مثل روسيا وجنوب أفريقيا) للحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الإقليمي ومقاومة هذا التمدد.
رابعاً، وأمام هذه المعادلات الصفرية، تظل فكرة “الاتحاد المغاربي” هي الضحية الأكبر؛ إذ يفرض استمرار إغلاق الحدود والقطيعة الدبلوماسية الشاملة كلفة اقتصادية باهظة على شعوب المنطقة، ويحرم شمال أفريقيا من سوق مشتركة ضخمة وعمق استراتيجي كان كفيلاً بتحويلها إلى قوة اقتصادية عالمية.
وفي المحصلة، يغدو من الجلي أن ملف الصحراء قد استقر في منطقة “الجمود المستدام”؛ فلا المغرب في وارد التخلي عن مكاسبه الميدانية والدبلوماسية، ولا الجزائر والبوليساريو بمقدورهما التراجع عن مبدأ تقرير المصير وحلم الدولة المستقلة دون المساس بثوابتهما. وعليه، فإن السيناريو الأقرب للمستقبل المنظور ليس الحل السلمي الشامل ولا الحرب المباشرة، بل هو استمرار هذا “الستاتيكو” الراكد، مع بقاء المنطقة بأسرها فوق فوهة بركان جيوسياسي متحفز للاشتعال عند أي خطأ في الحسابات الإقليمية.