الذكرى 63 لعيد الجلاء: ملهمة النضال الوطني ومحطة افتصال تاريخية لتكريس السيادة التونسية الكاملة
تونس العاصمة – “سبق”:
يجمع المؤرخون والدارسون للتاريخ التونسي المعاصر على أن يوم 15 أكتوبر 1963 يمثل إحدى أكثر المحطات إشراقاً وتأثيراً في مسار بناء الدولة الوطنية الحديثة؛ حيث جسد خروج آخر أميرال في البحرية الفرنسية، “فيفيان مينار”، من القاعدة العسكرية والبحرية ببنزرت، الإعلان الرسمي لانتهاء الوجود العسكري الأجنبي، واكتملت به أركان السيادة الوطنية فوق كامل التراب التونسي.
ويرى خبراء التاريخ أن هذا التحول المفصلي لم يكن وليد صدفة أو تسوية معزولة، بل تشكل عبر سلسلة متكاملة الأركان من التراكمات النضالية والتضحيات الشعبية؛ بدءاً من قرار المقاومة المسلحة خوض النهج العسكري وتأسيس حركة “الفلاقة” في 18 جانفي 1952، مروراً بدماء شهداء مجزرة ساقية سيدي يوسف في 8 فيفري 1958، وصولاً إلى قرار الدولة الفتية عقب استقلال 1956 بدحر الثكنات والقواعد الأجنبية المرابطة بآلاف الجنود لحماية أمن البلاد وسيادتها.
دماء الشهداء وأرقام المعركة: تكاتف ميداني وتضحيات جسام
وفي هذا السياق، أكد المعز بالله العلايمي، الباحث والأكاديمي المتخصص في علم الاجتماع السياسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن معركة الجلاء حسمت القناعة التاريخية للتونسيين بضرورة ترجمة الاستقلال السياسي ميدانياً على الأرض، رغم عدم تكافؤ موازين القوى بين “الجندية التونسية الوليدة” آنذاك والآلة العسكرية الاستعمارية.
وأوضح العلايمي أن الأرشيف الوطني يوثق رسمياً سقوط نحو 700 شهيد وإصابة أكثر من 1500 جريح في معركة بنزرت الدامية، مرجحاً وفق تقديراته التحليلية أن الرقم الحقيقي للشهداء والمتطوعين قد يتجاوز ذلك بكثير ليلامس سقف 5000 شهيد.
وساهمت الشرائح الشعبية وقطاع الفلاحة بالمناطق المتاخمة لبنزرت ومدن الساحل التونسي في إرفاد سريات التطوع والتعبئة الميدانية؛ حيث استعاد الحاج محمد الهادي المسعودي (من مواليد 1936 وإحدا القامات المشاركة ميدانياً في المعركة) لحظات الاختباء بالخنادق ومواجهة الغارات الجوية الفرنسية، مشدداً على أن معركة بنزرت ستبقى وسام فخر متوارثاً عبر الأجيال.
الحنكة الدبلوماسية والتعبئة الأممية: الورقة الرابحة
ولم تقتصر المعركة على المواجهة الميدانية، بل خاضت الدولة التونسية معركة دبلوماسية رفيعة أجهضت المخطط الجيو-استراتيجي الباريسي القاضي بالإبقاء على ميناء بنزرت كقاعدة عسكرية متقدمة جنوب حوض المتوسط.
ونجحت تونس في تدويل القضية وجعلها مسألة رأي عام عالمي عبر:
-
قرار مجلس الأمن رقم 164 (22 جويلية 1961): القاضي بوقف فوري لإطلاق النار وعودة جميع القوات إلى مواقعها المبدئية.
-
استقطاب حركة عدم الانحياز: حشد الدعم الإقليمي والدولي والدول المستقلة حديثاً للضغط على باريس.
-
الجلسة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة (أوت 1961): المطالبة الرسمية بفتح مفاوضات إجلاء القوات الفرنسية، وهو ما وضع باريس في عزلة دبلوماسية أجبرتها على التوقيع والتراجع النهائي يوم 15 أكتوبر 1963.
من الجلاء العسكري إلى “الجلاء الزراعي”: هندسة استقلال مكتمل الأركان
من جهتها، وصفت الأستاذة والباحثة في التاريخ المعاصر سعاد بن سعد حقبة الستينيات بـ “عشرية الملاحم” التي صاغت الشكل النهائي لدولة الاستقلال، مشيرة إلى أن الانتصار الرمزي والميداني في بنزرت مهد الطريق لنصر سيادي آخر لا يقل أهمية، وهو “الجلاء الزراعي” في 12 ماي 1964.
وأوضحت بن سعد أن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة تعمد اختيار يوم 12 ماي لإمضاء قانون تأميم الأراضي الفلاحية واستعادة 320 ألف هكتار من المعمرين الفرنسيين، في نفس القاعة وعلى نفس الطاولة التي وقعت عليها “معاهدة باردو” (معاهدة الحماية) سنة 1881، وذلك لرد الاعتبار الوطني ومحو الذكرى الاستعمارية رمزياً.
واختتمت الباحثة تصريحها بالتأكيد على أن الاحتفاء بعيد الجلاء ليس مجرد استذكار للماضي، بل هو محطة إلهام متجددة تطرح شعار “لكل عصر معركته وجلاؤه”، داعية الأجيال الشابة للاستلهام من دروس نضال الستينيات لخوض معارك العصر الحديث القائمة على الاستقلال التكنولوجي، والتنمية الذاتية، وصون مقومات السيادة الوطنية.