غاز شرق المتوسط ومعركة الحدود البحرية.. هل تعيد البراجماتية رسم حسابات مصر وتركيا؟
بقلم د محمود سيد محمد المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية
لم تعد معركة شرق المتوسط مجرد خلاف على خطوط ترسمها الخرائط البحرية، بل أصبحت صراعًا على الطاقة والنفوذ وممرات التصدير، وعلى قدرة كل دولة على تحويل موقعها الجغرافي إلى مكاسب اقتصادية وسياسية. وفي هذا المشهد، تتداخل المصالح المصرية والتركية والليبية واليونانية والقبرصية والإسرائيلية، بينما يظل الغاز أحد أهم عناصر التنافس على مستقبل المنطقة.
جاءت موافقة مجلس النواب الليبي في الشرق، يوم 20 أكتوبر 2026، على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا لتعيد هذا الملف إلى واجهة الأحداث. فالخطوة تعني تحولًا في موقف المؤسسة التشريعية التي رفضت الاتفاقية عام 2020، وقطعت العلاقات السياسية مع أنقرة آنذاك. أما اليوم، فإن الموافقة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات التركية مع القوى الموجودة في شرق ليبيا، لكنها لا تنهي الخلافات القانونية والسياسية المحيطة بالاتفاقية، ولا تمنح تركيا وليبيا تلقائيًا حقوقًا بحرية معترفًا بها من جميع الأطراف.
من تصدير الغاز إلى استيراده.. ماذا حدث لمصر؟
تكشف خريطة الغاز في شرق المتوسط عن مفارقة اقتصادية واضحة. فمصر التي تحولت إلى مركز إقليمي لتسييل الغاز وتصديره، أصبحت خلال السنوات الأخيرة تستورد كميات متزايدة لتغطية احتياجات السوق المحلية، بينما تحولت إسرائيل إلى منتج ومصدر للغاز بفضل تطوير حقولها البحرية، وعلى رأسها ليفياثان وتمار.
لم يحدث هذا التحول لأن مصر فقدت ثروتها الغازية، بل نتيجة تغير العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك. فالإنتاج المحلي لم يعد كافيًا لتغطية الطلب المتزايد، الذي يرتبط باحتياجات الكهرباء والصناعة والنمو السكاني. كما أن إنتاج الحقول يتغير بمرور الوقت، ويحتاج إلى استثمارات مستمرة للحفاظ على معدلاته.
وتوضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، المنشورة في سبتمبر 2025، أن مصر تمتلك محطتين رئيسيتين لتسييل الغاز في إدكو ودمياط، وهما تمنحانها ميزة مهمة في سوق الطاقة الإقليمية. وتستفيد إسرائيل من هذه البنية التحتية في تصدير الغاز إلى الأسواق الخارجية، لأنها لا تمتلك منشآت عاملة لتسييل الغاز الطبيعي. وفي الوقت نفسه، اضطرت مصر إلى زيادة وارداتها لتغطية احتياجاتها المحلية.
وتكشف بيانات البنك الدولي عن حجم التغير؛ فقد بلغت قيمة واردات مصر المسجلة من الغاز الطبيعي المسال نحو 4.9 مليار دولار في عام 2024، منها قرابة 2.83 مليار دولار من إسرائيل، وفق بيانات التجارة الدولية. وهذه الأرقام تخص الغاز الطبيعي المسال وفق التصنيف التجاري، ولا تمثل وحدها كامل تجارة الغاز عبر الأنابيب، لكنها تعطي مؤشرًا واضحًا على حجم فاتورة الاستيراد.
هنا تظهر المفارقة: مصر تمتلك محطات التسييل والموقع الجغرافي والبنية التحتية اللازمة لتكون مركزًا إقليميًا للطاقة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى تأمين احتياجاتها من الغاز المستورد. ومن ثم، فإن امتلاك البنية التحتية لا يكفي وحده لتحقيق الاستقلال في الطاقة ما لم يتوافر إنتاج محلي مناسب وحساب اقتصادي يوازن بين الاستهلاك والتصدير.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تأتي الإمدادات من منطقة تتعرض للتوترات العسكرية. فقد أشارت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن التوترات التي أعقبت هجوم حماس في أكتوبر 2023 تسببت في اضطرابات متكررة بإنتاج الغاز الإسرائيلي، بما في ذلك توقفات خلال يونيو 2025. وهذا يعني أن الاعتماد على الغاز المستورد من المنطقة لا يرتبط بالسعر وحده، بل يتصل أيضًا بأمن الإمدادات واستقرارها.
اتفاقية تركيا وليبيا.. هل تخدم المصالح المصرية؟
وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية مذكرة ترسيم الحدود البحرية في نوفمبر 2019، وأثارت الاتفاقية اعتراضات يونانية ومصرية وقبرصية. وتستند أنقرة إلى تصور قانوني يمنح السواحل التركية أثرًا أوسع في تحديد المناطق البحرية، بينما ترى أثينا أن الاتفاقية تتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية الواقعة بين الساحلين التركي والليبي.
وفي أغسطس 2020، وقعت مصر واليونان اتفاقية لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما، في خطوة عكست اختلافًا جوهريًا في تصور البلدين للحدود البحرية عن التصور الذي تتبناه تركيا.
ومع موافقة مجلس النواب الليبي في الشرق على الاتفاقية التركية الليبية، عاد السؤال عن تأثير هذه الخطوة في المصالح المصرية. لكن الإجابة تتطلب التمييز بين ثلاثة أمور: تعزيز الموقف التفاوضي التركي، وتحديد الحقوق البحرية لكل دولة، وإمكانية تحويل أي تفاهم سياسي إلى مكاسب اقتصادية فعلية.
قد ترى القاهرة في التقارب التركي مع شرق ليبيا فرصة لفتح قنوات تفاوض أوسع حول مستقبل ليبيا وشرق المتوسط، خصوصًا إذا أسهم في تقليل الانقسام الليبي. لكن هذا الاحتمال لا يعني أن الاتفاقية ستمنح مصر مساحات بحرية إضافية أو حقوقًا اقتصادية جديدة.
فالحدود البحرية لا تتغير لمجرد توقيع اتفاقية بين دولتين، كما أن موافقة برلمان على اتفاقية لا تحسم وحدها النزاعات القانونية مع الدول الأخرى. وتظل الإحداثيات الجغرافية، وطبيعة السواحل، والحقوق البحرية للدول المعنية، والقواعد ذات الصلة بالقانون الدولي، عناصر أساسية في تقييم أي مطالبة.
وقد رفضت اليونان القرار الليبي الأخير، معتبرة أن الاتفاقية لا تتمتع بأثر قانوني، بينما ترى تركيا وليبيا أن التفاهم يخدم مصالحهما. وهذه المواقف المتعارضة تؤكد أن الملف لم يصل إلى تسوية نهائية، بل دخل مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والقانوني.
وبالنسبة إلى مصر، فإن التعامل مع التطور يجب أن ينطلق من دراسة دقيقة لحدودها البحرية ومصالحها الاقتصادية، لا من افتراض أن كل تحرك تركي يحقق مكاسب للقاهرة، أو أن استمرار الخلاف مع أنقرة يضمن حماية المصالح المصرية تلقائيًا.
القاهرة وأنقرة.. تقارب المصالح لا يلغي التنافس
شهدت العلاقات المصرية التركية تحسنًا بعد سنوات من التوتر، وفتح البلدان مجالات أوسع للتعاون الاقتصادي والسياسي. غير أن تطبيع العلاقات لا يعني انتهاء التنافس الجيوسياسي، خصوصًا في ليبيا وشرق المتوسط، حيث تتداخل حسابات النفوذ مع قضايا الأمن والطاقة والحدود البحرية.
تمتلك مصر سوقًا كبيرة، ومحطات لتسييل الغاز، وعلاقات تعاون مع اليونان وقبرص، وموقعًا يتيح لها الوصول إلى أسواق الطاقة الأوروبية. أما تركيا، فتستفيد من موقعها الجغرافي وشبكات نقل الطاقة وطموحها إلى تعزيز دورها بوابةً للطاقة المتجهة إلى أوروبا.
هذه المصالح قد تفتح المجال أمام تعاون اقتصادي، لكنها لا تضمن اتفاقًا سياسيًا شاملًا. فقد يتفق البلدان على التجارة والاستثمار، بينما يختلفان بشأن ترتيبات النفوذ في ليبيا أو الأسس القانونية لترسيم الحدود البحرية.
لذلك، فإن المطلوب من القاهرة ليس الرهان على تحول العلاقات إلى شراكة استراتيجية كاملة، بل اختبار حدود التعاون الممكن، وتحديد الملفات التي يمكن تحقيق تقدم فيها، مع الاحتفاظ بأدواتها الدبلوماسية والقانونية وعلاقاتها الإقليمية القائمة.
ومن المهم أيضًا ألا تتحول العلاقات المصرية التركية إلى معادلة صفرية تفرض على القاهرة الاختيار بين أنقرة وأثينا ونيقوسيا. فمصالح مصر في الطاقة والبحر المتوسط لا تختزل في علاقتها بدولة واحدة، وأي تفاهم جديد يجب أن يُقاس بما يضيفه إلى الحقوق المصرية وقدرتها على تأمين احتياجاتها الاقتصادية.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الملف
السيناريو الأول: تفاهم تدريجي بين مصر وتركيا.
قد يدفع تشابك المصالح الاقتصادية والرغبة في تجنب مواجهة مكلفة إلى فتح قنوات تفاوض بشأن الطاقة والحدود البحرية وليبيا. وفي هذه الحالة، تستطيع القاهرة اختبار فرص التعاون الفني والاقتصادي مع أنقرة، مع الحفاظ على علاقاتها مع اليونان وقبرص، شريطة أن تستند أي تسوية إلى دراسة قانونية واضحة، وألا تمس الحقوق المصرية.
وقد يبدأ التعاون في مجالات أقل خلافًا، مثل التجارة والاستثمارات والطاقة، قبل الانتقال إلى الملفات البحرية الأكثر تعقيدًا. لكن تحقق هذا السيناريو سيظل مرهونًا بإرادة سياسية متبادلة وبمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات محسوبة.
السيناريو الثاني: استمرار التنافس مع تحسن العلاقات الثنائية.
قد تستمر الزيارات والاتفاقات التجارية والتنسيق السياسي بين القاهرة وأنقرة، بينما تبقى الخلافات قائمة بشأن الحدود البحرية والنفوذ في ليبيا. وهذا احتمال واقعي في العلاقات الدولية؛ فالدول تستطيع التعاون في ملفات محددة من دون أن تتخلى عن تنافسها في ملفات أخرى.
وفي هذه الحالة، سيكون على مصر إدارة خلافاتها مع تركيا من دون تعطيل فرص التعاون الاقتصادي، مع تجنب تقديم تنازلات بحرية أو سياسية مقابل مكاسب غير مضمونة.
السيناريو الثالث: تصاعد التوترات وتعثر التفاوض.
قد يؤدي بدء أنشطة استكشاف في منطقة متنازع عليها، أو اعتراض إحدى الدول على إجراءات بحرية جديدة، أو تجدد الخلافات حول ترتيبات النفوذ في ليبيا، إلى عودة التصعيد الدبلوماسي والقانوني. وقد يمتد أثر ذلك إلى مشروعات الطاقة والاستثمارات الإقليمية، ويزيد من صعوبة بناء ترتيبات مستقرة لتبادل الغاز وتصديره.
ولن تكون مصر بمنأى عن هذا السيناريو، خصوصًا إذا تزامن التصعيد البحري مع اضطراب إمدادات الغاز أو ارتفاع كلفة الاستيراد. ولهذا تحتاج القاهرة إلى بدائل عملية، تشمل تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وعدم ربط أمن الطاقة باستمرار تدفق الإمدادات من مصدر واحد.
ما الذي تحتاجه مصر؟
تبدأ إدارة الملف من الداخل قبل الخارج. فتعزيز إنتاج الغاز المحلي، وتسريع تطوير الحقول، وترشيد استهلاك الطاقة، والاستفادة الاقتصادية من محطات التسييل، كلها عناصر تزيد قدرة مصر على التفاوض وتقلل تعرضها للضغوط الخارجية.
وفي المجال الدبلوماسي، تحتاج القاهرة إلى تحديد مصالحها البحرية بوضوح، وإجراء تقييم قانوني دقيق للتطورات الليبية التركية، وفتح قنوات تفاوض عند توافر فرص حقيقية للتفاهم. كما يتعين عليها الحفاظ على علاقاتها مع شركائها في شرق المتوسط، حتى لا يتحول التقارب مع أنقرة إلى مصدر توتر جديد مع أثينا أو نيقوسيا.
أما في ليبيا، فإن استقرار المؤسسات وتوحيد المواقف الوطنية يمثلان عاملين مهمين لأي ترتيبات إقليمية قابلة للاستمرار. فالاتفاقات البحرية تظل معرضة للتحديات عندما ترتبط بدولة تعاني انقسامًا سياسيًا ومؤسسيًا، أو عندما ترفضها دول ترى أنها تمس حقوقها.
إن البراجماتية السياسية لا تعني افتراض حسن نيات الشركاء، ولا اعتبار كل تطور إقليمي مكسبًا وطنيًا. إنها القدرة على استثمار الفرص من دون تجاهل المخاطر، والحفاظ على قنوات الحوار مع الاستعداد لاحتمال فشلها.
وفي شرق المتوسط، لن تُقاس قوة مصر بمدى تقاربها مع تركيا أو ابتعادها عنها، بل بقدرتها على حماية حقوقها البحرية، وتأمين احتياجاتها من الطاقة، وتحويل موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية إلى نفوذ اقتصادي حقيقي. أما اتفاقية تركيا وليبيا، فستظل اختبارًا لقدرة القاهرة على إدارة التوازنات الإقليمية بعقل سياسي مرن، يستند إلى القانون والمصلحة الوطنية، لا إلى التفاؤل المفرط ولا إلى الخصومة الدائمة.