بقلم د. شيماء مجيد بهيه باحثة _ ناقدة
العراق _ بابل

لم يكن العراق في يوم من الأيام دولة عادية في حسابات الجغرافيا السياسية، ولم يكن موقعه مجرد مساحة على الخارطة. فمنذ فجر الحضارات، كانت أرض الرافدين نقطة التقاء القارات، وممر التجارة، ومهد الإمبراطوريات، ومسرحًا تتقاطع فيه المصالح قبل أن تتقاطع فيه الجيوش.
واليوم، وبعد أكثر من قرن على ولادة الدولة العراقية الحديثة، ما زال العراق يقف في قلب واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية تعقيدًا في العالم.
إن الدول لا تختار جغرافيتها، لكنها تختار كيف تتعامل معها. فهناك من يحول الموقع إلى قوة، وهناك من يسمح له بأن يتحول إلى عبء. والعراق يقف اليوم أمام هذا المفترق التاريخي؛ فإما أن يكون جسرًا للتعاون الإقليمي، أو يبقى ساحة تتنافس فيها الإرادات الخارجية.
إن الشرق الأوسط لم يعد مجرد إقليم غني بالطاقة، بل أصبح عقدة استراتيجية تربط الخليج العربي بشرق البحر المتوسط، وتصل آسيا بأوروبا وإفريقيا. وفي قلب هذه العقدة يقف العراق، محاطًا بدول ذات مصالح متشابكة، وممرات تجارية متنافسة، ومشروعات اقتصادية عابرة للحدود، وتحولات أمنية متسارعة، مما يجعل أي تغير في البيئة الإقليمية ينعكس عليه بصورة مباشرة.
غير أن أهمية العراق لا تنبع من النفط وحده، بل من موقعه الذي يربط المشرق بالخليج، ويطل على طرق التجارة والطاقة، ويجاور قوى إقليمية مؤثرة. ولذلك فإن أي مشروع اقتصادي كبير، أو تحول أمني، أو إعادة تشكيل للتحالفات، يصعب أن يتجاوز العراق أو يتجاهل دوره.
لكن الموقع الاستراتيجي يحمل في داخله معادلة مزدوجة؛ فهو يمنح الفرص كما يجلب التحديات. فالدول التي تقع في قلب التوازنات الدولية تصبح أكثر عرضة لضغوط التنافس، ومحاولات التأثير، والاستقطاب السياسي والاقتصادي. ولهذا فإن الجغرافيا ليست نعمة مطلقة ولا نقمة مطلقة، وإنما هي اختبار دائم لقدرة الدولة على إدارة مصالحها الوطنية.
لقد تغيّر مفهوم الصراع في القرن الحادي والعشرين. فلم تعد المنافسة الدولية تُحسم فقط في ميادين القتال، بل أصبحت تُدار عبر الاقتصاد، والتكنولوجيا، والطاقة، والمياه، والمعلومات، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد العالمية.
وهذا يعني أن أمن العراق لم يعد يرتبط بحماية حدوده فحسب، بل بقدرته على حماية اقتصاده، وتعزيز مؤسساته، وتأمين فضائه الرقمي، وصيانة وحدته الاجتماعية.
وفي هذا السياق، لم يعد السؤال: كيف يتجنب العراق الصراعات؟ بل أصبح: كيف يحول موقعه من ساحة تنافس إلى منصة توازن؟
إن الدول الناجحة لا تُقاس بقدرتها على الانحياز لهذا المحور أو ذاك، وإنما بقدرتها على بناء شبكة متوازنة من العلاقات، تحفظ سيادتها وتحقق مصالحها الوطنية. فالعراق يمتلك فرصة تاريخية ليكون نقطة التقاء للمصالح الاقتصادية، وممرًا للتكامل الإقليمي، وشريكًا في مشاريع التنمية والطاقة والنقل، بدل أن يكون ساحة لتقاطع الأزمات.
غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب بناء قوة داخلية متماسكة، لأن السياسة الخارجية لا تكون قوية إلا إذا استندت إلى دولة قوية من الداخل. فالمؤسسات الرصينة، والاقتصاد المنتج، وسيادة القانون، والإدارة الكفوءة، والثقة بين المواطن والدولة، جميعها تمثل عناصر القوة الوطنية الشاملة. وكلما ازدادت هذه العناصر رسوخًا، تراجعت قدرة العوامل الخارجية على التأثير في القرار الوطني.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول الواقعة في البيئات الجيوسياسية المعقدة ليس الصراع الخارجي وحده، بل انتقال هذا الصراع إلى الداخل عبر الاستقطاب، والانقسام المجتمعي، والحروب الإعلامية، والتأثير في الرأي العام. ولذلك فإن حماية الأمن الوطني تبدأ بحماية الوعي الوطني، وتعزيز الهوية الجامعة، وترسيخ ثقافة الدولة بوصفها الإطار الذي يجمع جميع المواطنين.
واليوم، يشهد العالم إعادة صياغة لموازين القوة الدولية، مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتزايد أهمية الممرات التجارية، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا المتقدمة. وفي ظل هذه التحولات، يمتلك العراق فرصة لإعادة تعريف دوره، ليس بوصفه ساحة تتلقى نتائج الصراعات، بل بوصفه دولة تبادر إلى صناعة التوازن، وتوظف موقعها الجغرافي في خدمة التنمية والاستقرار.
إن المستقبل لن يكون ملكًا للدول التي تمتلك الموارد الطبيعية فقط، بل للدول التي تعرف كيف تحول مواردها إلى نفوذ، وجغرافيتها إلى فرصة، وتنوعها إلى مصدر قوة. وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم التفكير الاستراتيجي العراقي في العقود القادمة.
وفي النهاية، يبقى العراق أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: إن الجغرافيا وضعت البلاد في قلب العاصفة الجيوسياسية، لكن التاريخ لم يكتب بعد كيف ستكون النهاية. فالخيار لا تصنعه الخرائط وحدها، بل تصنعه الإرادة الوطنية، والرؤية الاستراتيجية، والقدرة على بناء دولة قوية قادرة على حماية سيادتها، وإدارة علاقاتها بحكمة، وتحويل موقعها من ساحة للتنافس إلى مركز للاستقرار والتكامل الإقليمي. وعندما يتحقق ذلك، لن يكون العراق مجرد بلد يقع في قلب الشرق الأوسط، بل سيكون قلبًا نابضًا لاستقرار المنطقة ومستقبلها.