إعداد: د. شيماء مجيد بهيه باحثة _ناقدة
العراق _ بابل

الملخص التنفيذي
لم تكن زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي إلى واشنطن مجرد زيارة بروتوكولية، بل تمثل بداية مرحلة جديدة في إعادة صياغة موقع العراق ضمن النظام الإقليمي والدولي. فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى العراق بوصفه ساحة عمليات عسكرية كما كان بعد عام 2003، وإنما باعتباره شريكًا يمكن أن يؤدي دورًا محوريًا في أمن الطاقة، واستقرار الشرق الأوسط، وربط المشرق العربي بالممرات الاقتصادية الجديدة.
في المقابل، يدرك العراق أن استمرار اعتماده على الاقتصاد الريعي والصراعات الإقليمية يهدد استقراره، لذلك جاءت الزيارة لمحاولة بناء معادلة جديدة تقوم على الاستثمار مقابل الاستقرار، والإصلاح مقابل الشراكة.
أولاً: البيئة الاستراتيجية
تزامنت الزيارة مع خمسة متغيرات كبرى:
استمرار الحرب في غزة وتداعياتها الإقليمية.
تصاعد التنافس الأمريكي–الصيني.
استمرار الضغوط على إيران.
التحول العالمي نحو أمن الطاقة.
سعي دول الخليج إلى بناء ممرات اقتصادية جديدة.
كل هذه العوامل جعلت العراق يتحول من دولة هامشية إلى دولة عقدة (Strategic Hub).
ثانياً: الرسائل الأمريكية
يمكن تلخيص الرسائل الأمريكية في أربعة محاور:
1– دعم الحكومة
واشنطن أعلنت دعمها للحكومة الحالية باعتبارها الأكثر قدرة على تنفيذ الإصلاحات.
2– السلاح
أكدت الولايات المتحدة أن استقرار العراق لا يمكن أن يتحقق بوجود تعدد مراكز القوة المسلحة.
وهذا يعني أن ملف حصر السلاح سيبقى المعيار الأساسي لتقييم نجاح الحكومة.
3– الاقتصاد
تركزت المباحثات على:
الطاقة
الكهرباء
المصارف
الاستثمار
الذكاء الاصطناعي
الأمن السيبراني
أي أن الاقتصاد أصبح أداة للأمن القومي.
4– الشراكة طويلة الأمد
أرادت واشنطن الانتقال من:
علاقة أمنية إلى شراكة استراتيجية شاملة.
ثالثاً: الرسائل العراقية
سعت بغداد إلى إيصال رسائل متعددة:
العراق ليس ساحة صراع.
العراق يريد علاقات متوازنة.
العراق يحتاج إلى الاستثمار لا الوصاية.
الحكومة تمتلك رؤية للإصلاح الاقتصادي.
رابعاً: ماذا تريد أمريكا؟
وفق التحليل الاستراتيجي فإن واشنطن تسعى إلى:
منع عودة الإرهاب.
تقليل النفوذ الإيراني.
حماية المصالح الأمريكية.
تأمين مصادر الطاقة.
احتواء الصين اقتصادياً.
خامساً: ماذا يريد العراق؟
العراق يسعى إلى:
استثمارات بمليارات الدولارات.
إنهاء أزمة الكهرباء.
تطوير المصارف.
نقل التكنولوجيا.
دعم القطاع الخاص.
خلق فرص عمل.
سادساً: الفرص
إذا نجحت مخرجات الزيارة فقد يحقق العراق:
نمو اقتصادي.
انخفاض البطالة.
زيادة الاستثمار.
تحسين الخدمات.
تطوير البنية التحتية.
رفع التصنيف الائتماني.
تعزيز الثقة الدولية.
سابعاً: المخاطر
هناك خمسة مخاطر رئيسية:
1– التصعيد الأمريكي الإيراني
قد يتحول العراق مرة أخرى إلى ساحة رسائل متبادلة.
2– تعطيل الإصلاحات
المقاومة الداخلية للإصلاح أخطر من الضغوط الخارجية.
3– الفساد
قد يبتلع الاستثمارات الجديدة إذا لم تترافق مع رقابة فعالة.
4– التوتر السياسي
الاستقطاب الداخلي قد يؤخر تنفيذ الاتفاقيات.
5– ضعف الإدارة
نجاح الاتفاقيات يعتمد على كفاءة المؤسسات العراقية.
ثامناً: السيناريوهات
السيناريو الأول (65%)
نجاح تدريجي
يتضمن:
استثمارات أمريكية.
إصلاحات مالية.
تحسن الكهرباء.
استقرار سياسي نسبي.
السيناريو الثاني (25%)
نجاح محدود
يتم تنفيذ بعض الاتفاقيات بينما تتعطل أخرى بسبب الخلافات الداخلية.
السيناريو الثالث (10%)
الفشل
ويحدث إذا تصاعد الصراع الإقليمي أو تعثرت الإصلاحات بشكل كبير.
تاسعاً: مؤشرات الإنذار المبكر
ينبغي مراقبة:
مستوى تنفيذ الاتفاقيات.
حجم الاستثمارات الأمريكية.
تطورات ملف حصر السلاح.
استقرار أسعار النفط.
الإصلاحات المصرفية.
الموقف الإيراني.
موقف الكونغرس الأمريكي.
مستوى العنف الداخلي.
عاشراً: التوصيات لصانع القرار
1. إنشاء غرفة متابعة عليا لتنفيذ مخرجات الزيارة.
2. وضع جدول زمني معلن لكل اتفاق.
3. تسريع إصلاح القطاع المصرفي.
4. جذب الشركات الأمريكية الكبرى.
5. دعم القطاع الخاص.
6. تسريع مشاريع الطاقة.
7. تطوير الأمن السيبراني.
8. تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.
9. بناء خطاب سياسي موحد يدعم الشراكة ويحافظ على استقلال القرار العراقي.
10. اعتماد لوحة قيادة وطنية (National Dashboard) لقياس تقدم تنفيذ الاتفاقيات عبر مؤشرات أداء شهرية تُرفع إلى رئاسة الوزراء.
التقدير الاستراتيجي النهائي
تمثل زيارة واشنطن نافذة استراتيجية قد تعيد تموضع العراق كدولة محورية في المنطقة، إلا أن النجاح لن يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى نتائج ملموسة. إن المرحلة المقبلة هي مرحلة اختبار لقدرة المؤسسات العراقية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص.
ومن المرجح أن يشهد العراق خلال الأشهر المقبلة ضغوطًا متوازية من القوى الدولية والإقليمية، ما يتطلب سياسة خارجية متوازنة، وإصلاحًا داخليًا متسارعًا، وحوكمة فعالة لضمان ألا تتحول الفرصة الحالية إلى فرصة ضائعة.
التقييم النهائي: إذا نجحت الحكومة في تنفيذ التزاماتها، فقد يدخل العراق مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية واستعادة دوره الإقليمي. أما إذا أخفقت، فإن الزيارة ستبقى حدثًا سياسيًا مهمًا دون أن تُحدث التحول الاستراتيجي المنشود.
