لبنان بين مطلب نزع سلاح المقاومة وهاجس الأمن: هل تُبنى الدولة بالحوار أم بالإملاءات؟
بقلم المحلل السياسي الليبي ادريس احميد

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: من يثق اليوم بالولايات المتحدة أو بإسرائيل، بعد عقود من الحروب والاحتلال والعدوان الذي شهدته المنطقة العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية منذ وعد بلفور عام 1917، مرورًا بنكبة 1948، والحروب العربية الإسرائيلية المتعاقبة، وصولًا إلى ما جرى بعد عملية “طوفان الأقصى” وما تبعها من حرب ودمار مستمر في غزة ولبنان؟
لقد خاضت الجيوش العربية حروبًا منذ عام 1948، وظلت القضية الفلسطينية محور الصراع في المنطقة، فيما بقي العدوان الإسرائيلي حاضرًا بأشكال مختلفة، سواء في فلسطين أو لبنان أو غيرهما. ومن ينظر إلى ما تعرض له لبنان لا يمكنه تجاهل أن جزءًا كبيرًا من أزماته ارتبط مباشرة بالصراع مع إسرائيل، وبالاحتلال الإسرائيلي لجنوبه، وبوجود أطراف لبنانية تعاونت مع الاحتلال، مثل قوات سعد حداد وأنطوان لحد، التي لعبت دورًا في حماية الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.
كما شهد لبنان محطات سياسية مفصلية، من بينها اتفاق 17 أيار الذي وقّعه الرئيس أمين الجميل عام 1983، والذي سقط لاحقًا تحت ضغط القوى اللبنانية الرافضة له. كذلك لا يمكن تجاهل التدخلات الخارجية المتعددة في لبنان، ومنها دخول القوات السورية ضمن ما عُرف بقوات الردع العربية بغطاء من جامعة الدول العربية، في مرحلة كانت البلاد تعيش حربًا أهلية وانقسامًا خطيرًا، ويرى كثيرون أن هذا التدخل ساهم في منع انهيار الدولة واحتواء الفوضى، رغم ما رافق تلك المرحلة من ملاحظات وانتقادات تتعلق ببعض السياسات والانحيازات.
ومن الوقائع السياسية أن مختلف القوى اللبنانية، على اختلاف توجهاتها، تعاملت مع سوريا في مراحل متعددة، سواء بحكم الجغرافيا أو التوازنات السياسية أو طبيعة الأزمة اللبنانية نفسها، ما يجعل قراءة تلك المرحلة أكثر تعقيدًا من اختزالها في موقف واحد. كما أن هناك من يرى، من منطلق قومي عربي، أن الدور السوري – رغم ما أُخذ عليه – يبقى، في نظرهم، أقل خطرًا من الاحتلال الإسرائيلي الذي قام على احتلال الأرض وشن الحروب والاعتداءات، في إطار علاقة عربية لبنانية فرضتها ظروف تلك المرحلة.
وفي عام 1982، وصل الاحتلال الإسرائيلي إلى بيروت، وتم إخراج المقاومة الفلسطينية، وشهد لبنان واحدة من أبشع المجازر في صبرا وشاتيلا، في مشهد لا يزال محفورًا في الذاكرة العربية.
في هذا السياق، برزت المقاومة اللبنانية، بقيادة حزب الله وبدعم من إيران وسوريا، باعتبارها قوة رفعت شعار مقاومة الاحتلال والدفاع عن لبنان، إلى جانب واقع إقليمي شهد تدخلات متعددة، لم تقتصر على إيران وسوريا، بل شملت أيضًا أطرافًا عربية ودولية مثل السعودية وفرنسا وغيرها.
ومن الوقائع التي يعترف بها كثيرون أن الاحتلال الإسرائيلي انسحب من جنوب لبنان عام 2000 تحت ضغط المقاومة، وهو حدث شكّل محطة مفصلية في تاريخ الصراع اللبناني الإسرائيلي، بغض النظر عن المواقف السياسية اللاحقة تجاه دور المقاومة وسلاحها.
وفي ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، يطرح كثيرون سؤالًا جوهريًا: هل يمكن مطالبة طرف لبناني بالتخلي عن عناصر القوة والدفاع، فيما لا تزال التهديدات قائمة، والعدوان الإسرائيلي حاضرًا في الذاكرة والواقع؟ فبالنسبة لشريحة واسعة، لا يمكن فصل النقاش حول سلاح المقاومة عن طبيعة الصراع مع إسرائيل، وعن المخاوف المرتبطة بأمن لبنان وسيادته.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الدعوة إلى نزع سلاح المقاومة، في ظل غياب ضمانات حقيقية لوقف الاعتداءات أو حماية لبنان، تثير تساؤلات مشروعة حول البديل، وحول قدرة الدولة أو المجتمع الدولي على توفير الأمن ومنع تكرار الحروب والاحتلال. بل إن هناك من يذهب إلى القول إن أي لبناني وطني لا يمكن أن يقبل بتسليم عناصر القوة في ظل عدو لا يزال يحتل ويعتدي ويهدد، وأن أي نقاش من هذا النوع يجب أن يرتبط أولًا بإنهاء أسباب الصراع، لا أن يكون استجابة لضغوط خارجية أو إملاءات سياسية.
وفي المقابل، هناك من يدعو إلى معالجة هذا الملف ضمن حوار وطني لبناني شامل، يوازن بين مقتضيات السيادة، ودور الدولة، والهواجس الأمنية التي لا تزال قائمة، بحيث يكون القرار نابعًا من توافق اللبنانيين أنفسهم، لا من تدخلات أو ضغوط خارجية.
إن استعادة الثقة بين اللبنانيين لا تكون عبر التخوين أو الإقصاء، بل عبر حوار وطني جامع يجلس فيه الجميع على طاولة واحدة، ويتجادلون من أجل المصلحة المشتركة، إذا كانت النوايا فعلًا تتجه نحو “لبنان أولًا”.
فلبنان لا يحتاج إلى وصاية جديدة، ولا إلى استدعاء اتفاقات الماضي، بل يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة، ويحصّن وحدتها، ويعالج هواجس جميع اللبنانيين، في بلد أنهكته الطائفية والانقسامات والتدخلات الخارجية.
إن اللبنانيين، مهما اختلفوا، يجمعهم هدف واحد: لبنان موحّد، مستقل، سيد على أرضه، بعيدًا عن الطائفية والانقسامات، بهوية وطنية جامعة، وقرار سيادي لا يُصنع إلا بإرادة اللبنانيين أنفسهم، وبما يحفظ أمن لبنان وكرامة شعبه وسيادته.
سبق صوتك .. يسبقك