“المقاومة الإسلامية في فكر الإمام الشهيد”.. ندوة فكرية بتونس تستشرف آفاق المشروع الحضاري
تغطية صحفية ايمان شهيبي
شهدت العاصمة التونسية وتحديدا مقر المستشارية الثقافية للجمهورية الاسلامية الايرانية بتونس انعقاد ندوة فكرية بارزة بعنوان “المقاومة الإسلامية في فكر الإمام الشهيد”، حيث شكلت الفعالية منصة أكاديمية وفكرية تضمنت مسارات متنوعة بين البحث الأكاديمي، والتجليات الأدبية، والعروض الفنية والوثائقية. سعت الندوة إلى تفكيك ونقد البنية المفاهيمية لـ”ثقافة المقاومة”، مؤكدة أنها ليست مجرد خيار تكتيكي عابر، بل مشروع حضاري استراتيجي متكامل يهدف إلى إعادة صياغة دور الأمة الإسلامية في التاريخ المعاصر.
فعاليات الندوة: مزيج من الفكر والفن
بدأت الفعاليات في أجواء احتفالية وفكرية، استهلت بالنشيد الوطني وتلاوة آيات من القرآن الكريم، تلاها عرض فيديو يحمل شعار “قوموا لله”.
افتتحت المداخلات بكلمة الدكتور جعفر مرواريد، المستشار الثقافي الإيراني بتونس، الذي وضع الإطار العام للندوة عبر مداخلة بعنوان “خطاب المقاومة في فكر السيد علي الخامنئي نحو بناء الحضارة الإسلامية الحديثة”.
تلا ذلك كلمة لسفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتونس، السيد مير مسعود حسينيان، الذي أكد على محورية هذا النهج في السياسة الخارجية والتوجهات الاستراتيجية للجمهورية.
كما شهدت الندوة مداخلات معمقة؛ حيث قدم الدكتور حميد متولي، المستشار السياسي بسفارة إيران في تونس، تحليلاً استراتيجياً لخطابات قائد الثورة حول “طوفان الأقصى”، بينما ركز الدكتور قاسم الغربي، أستاذ الفلسفة، على مفهوم المقاومة كـ “مشروع تحرري شامل”.
ولم يخلُ المشهد من البعد الأنثروبولوجي الذي قدمه الدكتور عادل بن خليفة بالكحلة عبر قراءة في تاريخ تأسيس الجمهورية الإسلامية، وصولاً إلى مداخلة الأستاذ صلاح المصري، رئيس الرابطة التونسية للتسامح، حول القدس كمركز للوحدة الإسلامية.
وتخللت هذه المداخلات فقرات فنية وثقافية، منها عرض مسرحي للممثل نزار كشو، وقصائد شعرية ألقاها نخبة من الشعراء كعبد الرحمن الواتني وبسمة بن عيفة وسيف عمار المداني وطه ياسين العياري، إلى جانب عروض وثائقية حول “بيت الشهيد” وتراثه الحضاري.
المقاومة كنهج عقلاني وفطري
أكد المتحدثون أن المقاومة في الفكر السياسي للشهيد ليست مجرد رد فعل أو موقف لحظي، بل هي “منظومة عقلانية وفطرية وعقائدية شاملة”.
وبحسب السفير الإيراني، فإن هذه الاستراتيجية ترتكز على معادلة أخلاقية مزدوجة تتمثل في
“عدم ممارسة الظلم ضد الآخرين، وفي المقابل الرفض المطلق للخضوع للظلم والاستعمار”.
هذا النهج يهدف بالدرجة الأولى إلى تحرير الإنسان من نير الهيمنة الاستكبارية، وهو ما يتطلب شجاعة وقدرة على الصمود في وجه التحديات والضغوط.
أبعاد المشروع الحضاري: الثقافة والعلم والوحدة
في تحليل للمشروع الحضاري، أوضح المستشار الثقافي أن المقاومة تشكل “مكوّناً أساسياً” لا يتحقق بدون إنسان يمتلك الوعي والإرادة. وتتوزع أبعاد هذه المقاومة وفق ثلاثة محاور حيوية:
-
المقاومة الثقافية: حيث تُعد الهوية الثقافية أحد أهم عناصر قوة الأمة؛ فالمواجهة اليوم لا تقتصر على الميادين العسكرية، بل تمتد لتشمل ميدان “الحرب الناعمة” التي تستهدف القيم والمعتقدات.
-
المقاومة العلمية: يرى الفكر القيادي أن القدرة على الإنتاج العلمي والتقني هي أساس “الاستقلال والاقتدار”، حيث لا يمكن لأمة تستهلك ما ينتجه الآخرون أن تصنع قرارها أو مستقبلها.
-
الوحدة الإسلامية: أكد المحاضرون أن تجاوز الانقسامات المذهبية والطائفية يعد شرطاً أساسياً لفاعلية الأمة، معتبرين أن القدس هي القاسم المشترك الأكبر الذي يجمع المستضعفين ويوحد صفوفهم.
القدس: البوصلة والميزان الأخلاقي
طرح الأستاذ صلاح المصري رؤية ربطت بين الالتزام الديني والمسؤولية الإنسانية، حيث تمثل القدس “الجرح العميق” الذي يمتص تناقضات الأمة ويحيّد التناقضات الثانوية.
وأكد أن قضية القدس تعمل كـ “فرقان” أخلاقي يميز بوضوح بين صفوف المظلومين وصفوف الظالمين. وفي هذا السياق، شدد على أن المعركة بين الظلم والعدل هي “معركة صفرية”، حيث يمثل النصر انتصاراً للمعنى والروح على منظومات الهيمنة المادية.
مقتطفات جوهرية
تضمنت الكلمات مفاهيم عميقة لخصت روح المشروع:
-
عن طبيعة المقاومة: “إن المقاومة في هذا الفكر ليس مجرد شعار خطابي يرفع في المناسبات، بل هي ممارسة عملية واعية تلامس كافة تفاصيل الحياة اليومية.”.
-
عن هوية الإنسان المؤمن: “الإنسان المؤمن ليس كائناً سلبياً ينتظر تغير الظروف، بل هو إنسان فاعل يسعى إلى تغيير الواقع وبناء المستقبل.”.
-
عن جوهر الصراع: “المعركة بين الظلم والعدل معركة صفرية، لا تنازل ولا مصالحة. النصر هو انتصار المعنى وليس انتصار المادة.”.
نحو حضارة إسلامية حديثة
اختتمت الفعاليات بفتح باب التفاعل مع الجمهور، والتعريف بمنصة التضامن “wemustrise.ir”.
لقد خلصت الندوة إلى أن إرث الإمام الشهيد يكمن في تحويل الإيمان إلى طاقة تاريخية فاعلة. إن هذا المشروع ليس مجرد إطار نظري، بل هو طريق نحو “حضارة إسلامية حديثة” تجمع بين الأصالة والتجدد، وبين ثبات المبادئ والقدرة على التكيف مع تحديات العصر، لتظل المقاومة هي اللغة المشتركة التي تقود الأجيال نحو العزة والحرية.







