ليست كل الضمائر تريد استقرار البلاد
ليست كل الضمائر تريد استقرار البلاد

ليبيا: ليست كل الضمائر تريد استقرار البلاد

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي الليبي  ادريس احميد

 

بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على اندلاع الأزمة الليبية، لم يعد من الصعب على أي متابع منصف أن يدرك أسباب استمرارها، كما لم يعد من الصعب الوصول إلى مداخل حقيقية للحل. فالأزمة الليبية ليست معقدة بقدر ما هي رهينة إرادات سياسية ومصالح ضيقة لا تريد للدولة أن تقوم، ولا للمؤسسات أن تستعيد دورها، لأن قيام الدولة يعني نهاية الفوضى وانتهاء مرحلة الاستفادة من الانقسام.

إن الأولوية الوطنية اليوم هي أولوية أمنية قبل أي شيء آخر. فلا يمكن بناء دولة في ظل انتشار السلاح خارج إطار الشرعية، ولا يمكن الحديث عن استقرار بينما تمتلك جماعات وتشكيلات مسلحة، خاصة في غرب البلاد والعاصمة طرابلس، نفوذًا على القرار السياسي والاقتصادي والأمني بعيدًا عن مؤسسات الدولة. وإذا كانت كل منطقة أو جماعة تحتفظ بسلاحها خارج القانون، فكيف يمكن أن يتحقق الأمن والاستقرار؟

لقد أثبتت السنوات التي أعقبت عام 2011 أن كثيرًا ممن تصدروا المشهد السياسي لم يقدموا مشروعًا وطنيًا جامعًا، بل انشغل بعضهم بالصراع على السلطة والمناصب والمصالح، بينما بقيت الدولة غائبة، والمؤسسات منقسمة، والأزمات تتفاقم، رغم استمرار رفع شعارات الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل ما شهدته المنطقة الشرقية من حرب شرسة ضد الإرهاب، عندما تحولت مدينة درنة إلى معقل للتنظيمات الإرهابية، قبل أن يخوض الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر معركة طويلة، تمكن خلالها من القضاء على تلك التنظيمات، رغم محدودية الإمكانات، معتمدًا على الإرادة والتضحيات التي قدمها منتسبوه.

كما لا يمكن إغفال ما تحقق في الجنوب الليبي، الذي كان يعاني من نشاط الجماعات المسلحة والمعارضات الأجنبية والجريمة العابرة للحدود، حيث تمكن الجيش الوطني من بسط سيطرته على مناطق واسعة، وتأمين الحدود، وحماية الموارد والثروات الوطنية التي يعتمد عليها الليبيون جميعًا.

وقد أسهمت هذه التطورات في جعل القيادة العامة طرفًا رئيسيًا في مختلف الاتصالات الإقليمية والدولية المتعلقة بالملف الليبي، باعتبارها أحد الفاعلين الرئيسيين في المشهد الأمني والعسكري.

وفي المقابل، لا تزال الأجسام السياسية القائمة عاجزة عن إنتاج حل شامل، كما لم تتمكن من إنهاء الانقسام أو الوصول إلى انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية، في حين يستمر الإنفاق العام وتتواصل الخلافات السياسية دون نتائج ملموسة يلمسها المواطن.

أما الذين يرفضون كل مبادرة، ويعرقلون أي حل سياسي، فقد مكثوا في المشهد الليبي أكثر من خمسة عشر عامًا دون أن يقدموا مشروعًا وطنيًا حقيقيًا ينهي الأزمة. لقد انشغلوا بالحفاظ على مواقعهم ومصالحهم، ولم يكن هدفهم بناء دولة بمؤسسات قوية، بل البقاء في السلطة بأي ثمن. ورغم حديثهم المتكرر عن الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، فإن الواقع، من وجهة نظر كثيرين، يكشف تناقضًا بين هذه الشعارات والممارسة، وهو ما جعل شريحة واسعة من الليبيين تفقد الثقة في أدائهم.

إن استمرار هذه الأطراف في رفض المبادرات وتعطيل مسارات الحل يجعلها، في نظر أصحاب هذا الطرح، جزءًا من الأزمة أكثر من كونها جزءًا من الحل. ولذلك فإن تجاوز حالة الجمود يتطلب إرادة ليبية مدعومة بجهود إقليمية ودولية، تدفع نحو إنهاء مرحلة الانقسام، وتمكين الليبيين من الوصول إلى تسوية وطنية شاملة، لأن من يرفض جميع المبادرات ولا يقدم بديلًا عمليًا لا يمكن أن يبقى ممسكًا بمستقبل وطن بأكمله.

ما الحل؟

يتمثل الخيار الأول في التخلي عن سياسة التعطيل، والجلوس إلى حوار وطني جاد ينطلق من مصلحة ليبيا، ويأخذ في الاعتبار موازين الواقع، والتفاهم مع القيادة العامة باعتبارها طرفًا رئيسيًا في أي تسوية وطنية، بعيدًا عن الإقصاء واحتكار القرار، وصولًا إلى سلطة موحدة ومؤسسات قادرة على فرض الأمن وبناء الدولة.

أما الخيار الثاني، فيتمثل في إسناد إدارة مرحلة انتقالية إلى القيادة العامة، بهدف استكمال متطلبات الأمن والاستقرار وتوحيد مؤسسات الدولة، على أن تكون هذه المرحلة ممهدة لإجراء انتخابات عندما تتوافر الظروف المناسبة، ويصبح الجميع مستعدًا لاحترام نتائجها والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

إن ليبيا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الصراعات أو المراحل الانتقالية المفتوحة، بل تحتاج إلى قرار وطني شجاع يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية والفئوية. لقد أثبتت السنوات الماضية أن استمرار الانقسام لم ينتج إلا مزيدًا من الأزمات، بينما يتطلع المواطن الليبي إلى الأمن والاستقرار، وتحسين الخدمات، وبناء دولة المؤسسات والقانون.

هذه رؤية أطرحها بكل مسؤولية، ومن واقع متابعة طويلة للشأن الليبي، وإيمانًا بأن مصلحة الوطن يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، وأن أمن ليبيا واستقرارها هما الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه الدولة الحديثة، بعيدًا عن المصالح الضيقة والحسابات الشخصية.

حفظ الله ليبيا، وجمع أبناءها على كلمة سواء، ووفقهم إلى ما فيه خير الوطن واستقراره.

 

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»… حين تتحول إزدواجية القوة إلى أزمة دولة

 بقلم الكاتب والمحلل السياسي سعد محمد عبدالله – السودان      يمثل كتاب «مستقبل بلد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *