بقلم الأستاذة: سارة عليّان – لبنان

“لم تعد المشكلة أن الناس لا يقرؤون… بل أنهم لم يعودوا يرون ما يستحق القراءة.”
ليس من المبالغة أن نقول إننا نعيش عصرًا تُصنع فيه الشهرة بالعدسات أكثر مما تُصنع بالعقول، وأن الإنسان أصبح يمرر إصبعه على الشاشة كما يمرر أحكامه على البشر؛ في ثوانٍ قليلة، يقرر من يستحق أن يُرى، لا من يستحق أن يُسمع.
لقد ماتت الفكرة… أو هكذا يبدو.
لم تمت لأنها فقدت قيمتها، بل لأنها أصبحت عاجزة عن منافسة صورة ذات إضاءة مثالية، أو وجه جميل، أو مشهد مصمم بعناية ليصطاد انتباه العين قبل أن يمنح العقل فرصة للتفكير.
ذات يوم، كانت الكلمة تصنع الثورات، وتؤسس الحضارات، وتُسقط الطغاة، وتُخلّد أصحابها في ذاكرة التاريخ. أما اليوم، فكثير من الكلمات العميقة تُدفن تحت ركام منشورات لا تحمل من المضمون سوى الفراغ المغلف بالإبهار البصري.
لقد تغيرت معايير النجاح بصمت.
لم يعد السؤال: ماذا تعرف؟
بل أصبح: كيف تبدو؟
ولم يعد السؤال: ما الذي أضفته إلى وعي الناس؟
بل: كم شخصًا توقف عند صورتك؟
وهكذا، انتقلنا من حضارة كانت تقدّس الفكرة، إلى ثقافة تكافئ الانطباع الأول، ولو كان مضللًا.
الأخطر من هيمنة الصورة، أنها لم تعد مجرد وسيلة لعرض المحتوى، بل أصبحت هي المحتوى نفسه.
كم من كاتب أفنى عمره في القراءة والبحث، ثم نشر خلاصة سنوات من المعرفة، فلم يحصد إلا عشرات الإعجابات؟
وفي المقابل، كم من صورة لوجه جميل أو مشهد استعراضي اجتاحت المنصات في ساعات، دون أن تترك في عقل أحد فكرة واحدة تستحق البقاء؟
ليست هذه إدانة للجمال، فالجمال نعمة، والفن حاجة إنسانية، والصورة لغة عالمية. لكن الكارثة تبدأ حين يصبح الجمال بديلًا عن الفكر، وحين تتحول الصورة من نافذة على الحقيقة إلى ستار يحجبها.
وسائل التواصل لم تخلق هذه الظاهرة من العدم، لكنها غذّتها.
فالخوارزميات لا تسأل عن قيمة ما تكتب، بل عن سرعة تفاعل الناس معه.
إنها لا تكافئ دائمًا الأكثر عمقًا، بل الأكثر قدرة على خطف الانتباه.
ومع مرور الوقت، بدأ كثير من صناع المحتوى يكيّفون أنفسهم مع هذه القاعدة.
صاروا يختصرون الأفكار حتى تفقد روحها، ويبالغون في الاستعراض حتى يضمنوا الانتشار، ويهتمون بالخلفية والإضاءة أكثر من اهتمامهم بالحجة والمنطق.
وللمفارقة، أصبح بعضهم يكتب كلمات لا يؤمن بها أصلًا، لأنها ببساطة… “تجلب التفاعل”.
ثم جاءت الضربة الأقسى.
لم نعد نقيّم المحتوى وحده، بل أصبحنا نقيم صاحبه من شكله.
فإذا كان أنيقًا، حسن التصوير، متقنًا للظهور، افترضنا أنه ناجح، وربما حكيم.
وإذا كان بسيطًا في مظهره، متواضعًا في حضوره الرقمي، تعاملنا مع أفكاره وكأنها أقل قيمة.
أي منطق هذا؟
منذ متى أصبحت العدسة أكثر عدلًا من العقل؟
ومنذ متى صار الوجه شهادة كفاءة؟
كم من العقول العظيمة لو ظهرت اليوم بملابس بسيطة وكاميرا رديئة، لتجاوزها الناس دون اكتراث، بينما يمنحون وقتهم وثقتهم لمن يجيد صناعة المشهد أكثر من صناعة المعنى.
المؤلم أن الضحية ليست الكُتّاب وحدهم.
الضحية هي القارئ نفسه.
لأنه حين يعتاد عقله على الاستهلاك السريع، يفقد تدريجيًا القدرة على التأمل.
وحين يربط الحقيقة بما يراه، لا بما يفهمه، يصبح أكثر قابلية للخداع.
وحين يطلب المتعة من كل شيء، حتى من المعرفة، فإنه يرفض أي فكرة تحتاج إلى صبر، أو قراءة، أو مراجعة للذات.
وهكذا، لا يموت التفكير دفعة واحدة، بل يذبل بهدوء.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تصنع وهمًا جماعيًا.
توهمنا أن عدد المتابعين دليل على القيمة.
وأن كثرة الإعجابات تعني صحة الفكرة.
وأن الشهرة مرادف للتأثير.
لكن التاريخ كله يثبت العكس.
فأعظم المفكرين، والعلماء، والمصلحين، لم يكونوا الأكثر تصفيقًا في زمانهم، بل كانوا في كثير من الأحيان أكثر الناس رفضًا وسوء فهم.
أما الضجيج… فله عمر قصير.
أنا لا أطالب بإلغاء الصورة، ولا بمحاربة الجمال، ولا بالعودة إلى عالم يخلو من التكنولوجيا.
إنما أدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات.
أن تعود الصورة إلى مكانها الطبيعي… خادمةً للفكرة، لا سيدةً عليها….
وأن نستعيد شجاعتنا في قراءة مقال طويل، والاستماع إلى رأي مختلف، واحترام إنسان بسبب عقله، لا بسبب عدد متابعيه أو جودة صوره.
لأن الأمم التي تكتفي بالنظر، ولا تتعلم كيف تُبصر، قد تملأ شاشاتها بالألوان… لكنها تُفرغ عقولها من النور.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يؤرقنا جميعًا:
إذا كانت الصورة قادرة على أن تخطف أعيننا لثوانٍ، فمن سيحرس عقولنا من أن تُختطف أيضًا؟!