من قرطاج تونس إلى القلعة اربیل: رحلة روح بين ثقافات إفريقيا وآسيا
بقلم : الباحث الاقتصادي والحقوقي: رنج باراوی

بصفتي كرحال متواضع وكناشط دولي في مجال حقوق الانسان أمضى سنوات عمره يتجول بين الأزقة التاريخية للشرق الأوسط وشواطئ شمال إفريقيا وخصوصا جزیرة الاحلام في تونس الخضراء ، وحبا للشعب التونسي وعاداتهم وتقالیدهم وٲنتماهم الوطني وٲحترامهم للغریب والقریب ،ترسخ في داخلي إيمان عميق بأن الجغرافيا لا يمكنها أبدًا أن تمنع تلاحم أرواح الشعوب.
عندما كنت في تونس، وأنا أتنقل بين معالمها الأثرية الضاربة في القدم من تونس مرورا بالمدن التونسیة ٲلی ولایة التطاوین، كان موطني ذو الفصول الأربعة، كوردستان، حاضرًا دائمًا نصب عيني. إن مزج الثقافة الإفريقية الغنية (التي تمثل تونس قلبها النابض) والثقافة الآسيوية الأصيلة (التي يتجلى إقليم كوردستان كبوابة فريدة لها)، ليس مجرد تبادل رسمي، بل هو اندماج بين حضارتين عميقتين بحاجة إلى فتح قناة حقيقية للتفاهم المتبادل؛ وكما يقول المثل التونسي الشعبي الشهير: “القلوب عند بعضها”، وهو ما يترجمه الكورد في أدبهم بالقول: (قلب یحس بالقلب).
ومن هنا، ورغبةً في تجسيد هذا العشق لثقافة الجانبين، ٱحبذ وأدعو ٲیضا ٱیوجد ٲذان صاغیة إلى صياغة برنامج رسمي واستراتيجي مشترك بين وزارة الثقافة التونسية ووزارة الثقافة والشباب في إقليم كوردستان، لتنظيم “أسبوع الثقافة السنوي للشعبين التونسي .والكوردي”، على أن يقام بالتناوب كل عام بين تونس وأربيل وبقية مدن كوردستان.
عندما أنظر إلى خارطة العاطفة والتاريخ لكلا البلدين، أرى العديد من المناطق التي تؤهلها قواسمها المشتركة لتصبح رسمياً “مدناً شقيقة” وتوائم لبعضها البعض:
۱.السليمانية وتونس العاصمة: حواضر الفكر والابداع والمنع الثقافي عامل مشترك بینهما.
۱-محافظة السليمانية: العاصمة الثقافية لإقليم كوردستان، والمصنفة من قبل منظمة اليونسكو كـ “مدينة مبدعة في الأدب”، وتشتهر بحراكها المسرحي، الشعري، والموسيقي العميق.
-مدينة تونس (العاصمة): وبخاصة مدينتها العتيقة وشارع “الحبيب بورقيبة” ومراكزها الفكرية، والتي تشبه إلى حد كبير الأجواء الثقافية لمدينة السليمانية.
معاً ستصبح هاتان المدينتان مركزاً للندوات الحوارية الفكرية، الأماسي الشعرية، والدراسات المعمقة حول الأدب المعاصر التونسي والكوردي، تجسيداً للمثل الكوردي: (الإنسان يجمّله العلم والفكر)، وتناغماً مع الحكمة التونسية: “الّي يقرأ قراته، يربح حياته”.
-قلعة أربيل وسيدي بوسعيد: شموخ التاريخ وسحر الفن:
۲-قلعة أربيل في محافظة اربیل العاصمة الاداریة لحكومة ٱقلیم كوردستان العراق،واحدة من أقدم القلاع المأهولة باستمرار في العالم والمسجلة على لائحة التراث العالمي (اليونسكو)، وتمثل مساحة ذهبية للتاريخ.
-قرية سيدي بوسعيد (تونس)،بجدرانها البيضاء وأبوابها ونوافذها الزرقاء الأسطورية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، والتي تجذب الفنانين من كل بقاع الأرض.
معاً هذان المكانان هما الأنسب لاحتضان “السوق الثقافي المحلي”، حيث تمتزج الحرف اليدوية، السجاد والكليم الكوردي، والأزياء التقليدية لكلا الطرفين، مع الخزف والنقوش التونسية، والمأكولات الشعبية كـ (الكسكسي التونسي) والأطباق الكوردية العريقة. وهنا يتجلى المثل التونسي: “صنعة في اليد أمان من الفقر”، ليلاقيه المثل الكوردي: (الحرفة والمهنة رأس مال دائم).
٣- بلدة بيارة (هورامان) وقرية تكرونة الأثرية:
-بيارة في هورامان: بهندستها المعمارية الحجرية المدرجة وطبيعتها الجبلية المحمية والمدرجة ضمن قائمة اليونسكو.
-قرية تكرونة (تونس): قرية أمازيغية تاريخية ديرية مبنية فوق قمة صخرية شاهقة، حافظت على أصالتها الثقافية عبر العصور.
معاً: يمنح هذان الموقعان بعداً تاريخياً وفلكلورياً فريداً للمهرجان، ويفتحان آفاقاً واسعة للسياحة الجبلية والأثرية.
٤-مناطق رابرين، كرميان، وحلبجة مقابل القيروان ومطماطة:
منطقتا كرميان ورابرين: بتاريخهما المليء بالأصالة والفلكلور الكوردي ورمزيتهما للحرية، تلتقيان مع مدينة -القيروان في تونس، مهد الأصالة وصناعة الزرابي (السجاد) التاريخية، لتشكلا معاً جسراً لحفظ الفلكلور.
٥-محافظة حلبجة: كرمز للسلام والبعث من وسط الرماد،
يمكن أن توأم ثقافياً مع -منطقة مطماطة في الجنوب التونسي، وهي المدينة التاريخية المحفورة تحت الأرض، وكلاهما يعبر عن صمود الإنسان في وجه قساوة التاريخ والظروف، مصداقاً للمثل التونسي: “امشي صحيح، لا تعثر لا تطيح”، والمثل الكوردي: (الإصرار والمقاومة مفتاح النجاح).
المحاور الأساسية للأسبوع الثقافي
خلال رحلاتي، أدركت أن اللغة عندما تتحول إلى فن، يفهمها الجميع دون ترجمان. لذلك يجب أن يستند هذا الأسبوع إلى المحاور التالية:
-السينما المترجمة: عرض السينما التونسية الرائدة والحاصلة على جوائز دولية، إلى جانب الأفلام والقصص الإنسانية الكوردية العميقة، على أن تكون جميع العروض مصحوبة بـ الترجمة النصية (Subtitles) لخلق تفاهم مباشر.
-موسيقى ذات طابع مشترك: دمج الآلات الشرقية كـ (العود والناي التونسي) مع (الطنبور، الدهل، والزرنا الكوردية) في حفل موسيقي مشترك يعكس الهوية اللحنية للشعبين.إن هذا الجهد ليس مجرد حلم فكري، بل هو بوابة تسويقية واقتصادية قوية للمنتجات المحلية بين البلدين. كوردستان بطبيعتها ذات الفصول الأربعة، وخاصة فصلي الربيع والصيف، تمثل بيئة نموذجية لجذب السياح من شمال إفريقيا.
أقترح: أن يتزامن وقت إقامة هذا الأسبوع الثقافي في كوردستان مع يوم 20 مارس (رأس السنة الكوردية – عيد النوروز). كرحالة، لم أرَ في حياتي مشهداً يضاهي جمال إيقاد شعلة النوروز فوق قمم الجبال، والمهرجانات وحلقات الدبكة الكوردية المشتركة (الهەڵپەڕکێ)؛ إنها لوحة ثقافية وفنية نابضة بالحياة ستكون تجربة لا تُنسى لضيوفنا التونسيين.
وكما يقول المثل الكوردي ترحيباً بالضيف: ” (الضيف هدیة الله)، ليجيبه الكرم التونسي بالقول: “يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل”.هذا المقترح هو رحلة من قلب التاريخ نحو المستقبل. عندما تفتح آفاق السياحة والتسويق بين تونس وإقليم كوردستان عبر بوابة الدبلوماسية الثقافية، ستنشأ قناة للتفاهم تجعل إفريقيا وآسيا تلتقيان وتتكاملان، لتختفي المسافات بين أسوار قلعة أربيل، وشوارع السليمانية، وأزقة تونس العتيقة
سبق صوتك .. يسبقك