الكاتب والمحلل السياسي ادريس احميد – ليبيا

جاء تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش إلى مجلس الأمن قبل إحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، وهو إجراء دوري ومبرمج، لكن مضمونه وتوقيته يمنحانه دلالة سياسية تتجاوز كونه تقريراً روتينياً.
فالتقرير يضع مسؤولية استمرار الانسداد السياسي أمام عجز مجلسي النواب والدولة عن استكمال خارطة الطريق، ويفتح الباب أمام البحث عن مسار آخر إذا استمر تعطيلهما. وبذلك يكون غوتيرش قد وفر لتيتيه أرضية سياسية للتحرك، دون أن يعني ذلك بالضرورة قراراً بتجاوز المجلسين.
لكن المطلوب أن تكون التقارير والإحاطات الأممية منصفة ودقيقة، وألا تجامل الأطراف أو تساوي بينها بصورة مصطنعة. فالحياد لا يعني تجاهل الحقائق على الأرض.
وفي هذا السياق، يبرز دور القيادة العامة للجيش الليبي، التي أثبتت خلال السنوات الماضية أنها طرف فاعل وقادر على أداء أدوار مؤثرة داخل ليبيا وخارجها، وأصبحت بحكم علاقاتها مع الدول الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف الليبي طرفاً رئيسياً يصعب تجاهله في أي تسوية جادة.
كما أن الحديث عن التدهور الأمني في غرب البلاد يجب أن يكون أكثر تحديداً في تحميل التشكيلات والمجموعات المسلحة مسؤولية ما يحدث، بدلاً من الاكتفاء بتوصيف عام للأزمة الأمنية.
من الإحاطات إلى القرار
رغم اتفاق أعضاء مجلس الأمن في الخطاب على دعم الاستقرار والانتخابات وإنهاء الانقسام، فإن لكل دولة حساباتها ومصالحها في ليبيا. ولذلك فإن الوصول إلى قرار ملزم يتطلب توافقاً بين القوى المؤثرة، وليس مجرد عبارات دبلوماسية متشابهة.
وفي تقديري، فإن المسار الأقرب للتنفيذ هو المسار الذي يجمع الولايات المتحدة ومصر وتركيا، إذا نجحت هذه الأطراف في بلورة تفاهم عملي حول السلطة التنفيذية والانتخابات والترتيبات الأمنية وتوحيد المؤسسات.
لكن هذا المسار لن يكون سهلاً، في ظل وجود دول أخرى لها مصالح مباشرة في ليبيا وقد تتحفظ على بعض مخرجاته أو تحاول التأثير في اتجاهه. ومن هنا ستكون مهمة الدبلوماسية الأمريكية والإقليمية هي تحويل هذا التفاهم إلى صيغة أوسع لا تستفز بقية القوى الدولية، وإنما تستوعب مصالحها ضمن تسوية واحدة.
إذا تحقق ذلك، يمكن أن ينتقل مجلس الأمن من مجرد إصدار إحاطات وبيانات متكررة إلى توفير الغطاء الدولي لقرار واضح وملزم، يحدد المسار والجدول الزمني وآليات التنفيذ، ويضع كلفة سياسية أمام من يحاول تعطيل التسوية.
وفي النهاية، فإن ليبيا لا تحتاج إلى إحاطة جديدة بقدر ما تحتاج إلى توافق دولي قابل للتنفيذ، وقراءة أممية واقعية للأطراف القادرة فعلاً على صناعة الحل.
وقد تكون إحاطة تيتيه المقبلة بداية اختبار حقيقي: هل ستبقى الأمم المتحدة في موقع إدارة الأزمة، أم ستتحول إلى شريك في تنفيذ تفاهم دولي جديد، يبدو أن محوره الأقرب هو واشنطن ـ القاهرة ـ أنقرة؟