الموقف الأمريكي تجاه إيران
الموقف الأمريكي تجاه إيران: بين استئناف الحرب أو تأجيلها أو إنهائها

الموقف الأمريكي تجاه إيران: بين استئناف الحرب أو تأجيلها أو إنهائها

 

الموقف الأمريكي تجاه إيران: بين استئناف الحرب أو تأجيلها أو إنهائها

بقلم المحلل الجيوسياسي الليبي ادريس احميد

ادريس احميد
ادريس احميد

 

نواصل متابعة تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في ظل حالة الترقب القائمة بين احتمالات تأجيل أو استئناف الهجوم، وسط مشهد إقليمي ودولي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، خاصة بعد التحركات الدولية الأخيرة، والحديث عن تفضيل واشنطن خيار التفاوض وإدارة الأزمة بدلاً من الانزلاق إلى حرب واسعة ومفتوحة.

 

ويبدو أن توقف التصعيد العسكري خلال المرحلة الأخيرة لم يكن مجرد قرار تكتيكي عابر، بل جاء نتيجة مجموعة من المعطيات التي فرضت نفسها على الواقع السياسي والعسكري، وفي مقدمتها فشل تحقيق الحسم السريع أو الوصول إلى الأهداف الأمريكية والإسرائيلية بالشكل الذي كان متوقعاً منذ بداية المواجهة.

 

فالتقديرات التي بُنيت على أن الضغوط الاقتصادية والضربات العسكرية والاختراقات الأمنية يمكن أن تؤدي إلى إنهاك إيران سريعاً، اصطدمت بواقع مختلف تماماً، أظهر قدرة طهران على الصمود وإدارة المواجهة والحفاظ على تماسك مؤسساتها رغم حجم الضغوط التي تعرضت لها.

 

وقد يكون هذا أحد أهم أسباب التردد الأمريكي الحالي، لأن واشنطن ومعها إسرائيل اكتشفتا أن الحرب مع إيران ليست معركة تقليدية سهلة أو قصيرة، بل صراع معقد ومفتوح على احتمالات عديدة.

ورغم أن إسرائيل حققت اختراقات أمنية داخل العمق الإيراني، إلا أن استمرار قدرة إيران على الرد، وتطوير استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، وتحسين قدراتها الدفاعية، كشف أن طهران ما زالت تمتلك أدوات قادرة على إرباك الحسابات العسكرية والسياسية.

وهنا يمكن القول إن عنصر المفاجأة لم يعد حكراً على الولايات المتحدة وإسرائيل، بل إن إيران نفسها فرضت عنصر مفاجأة في قدرتها على الصمود وإدارة الحرب، وهو ما خلق حالة من القلق داخل إسرائيل التي تنظر إلى المشروع الإيراني باعتباره تهديداً وجودياً يتعلق بأمنها ومستقبلها الاستراتيجي.

كما أن استمرار الحرب واستنزاف إسرائيل في غزة ولبنان، إضافة إلى التوتر مع إيران، خلق حالة إنهاك سياسي وأمني وعسكري داخل المجتمع الإسرائيلي، وأعاد طرح أسئلة تتعلق بحدود القوة العسكرية وقدرتها على تحقيق الحسم الكامل.

وفي المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر ميلاً إلى خيار التفاوض وإدارة الأزمة، وليس إنهاء الحرب بصورة شاملة، لأنها تدرك أن الدخول في حرب طويلة ومفتوحة قد يهدد مصالحها الاقتصادية والسياسية، خاصة في ظل:

  • الضغوط الداخلية،
  • وقرب الاستحقاقات الانتخابية،
  • والانقسام السياسي الداخلي،
  • وتراجع الرأي العام عن دعم الحروب الطويلة.

لكن الأخطر من تراجع الحماس الأمريكي للحرب هو حالة التردد نفسها، لأنها تخلط الأوراق وتفتح المجال أمام سيناريوهات غير متوقعة، في وقت تحاول فيه مختلف القوى الدولية والإقليمية إعادة ترتيب حساباتها وتحالفاتها.

 

فالتردد الأمريكي يعكس إدراكاً متزايداً بأن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالقنابل والصواريخ والطائرات، بل أصبحت تُدار أيضاً بالاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والتحالفات الدولية.

 

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن:

  • العقوبات الاقتصادية وحدها لا تكفي لإسقاط الدول،
  • والتفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية،
  • والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة قادرة على إرباك جيوش متطورة،
  • والتحكم بالطاقة والممرات البحرية يمكن أن يهز الاقتصاد العالمي بأكمله.

 

ومن هنا، تبدو واشنطن أكثر حذراً في الذهاب نحو مواجهة شاملة قد تخرج عن السيطرة، خاصة أن أي حرب واسعة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل قد تمتد إلى الخليج والبحر الأحمر وأسواق الطاقة والملاحة الدولية.

كما لا يمكن تجاهل المتغيرات الدولية التي فرضت نفسها بقوة على المشهد.

فالصين باعتبارها من أكبر الدول المستفيدة من استقرار الطاقة والتجارة العالمية ترفض انفجار المنطقة بشكل شامل، لأن أي اضطراب كبير سيؤثر مباشرة على الاقتصاد العالمي ومشاريعها الاستراتيجية.

أما روسيا فهي تسعى إلى استثمار هذه التحولات لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية، وتقليص الهيمنة الغربية، وبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب.

وفي هذا السياق، تبدو القمم والتحركات الصينية الروسية ذات أهمية كبيرة، خاصة في ظل توافق البلدين على رفض الحرب الواسعة، والدفع نحو حلول سياسية تمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة قد تعيد رسم النظام الدولي بالقوة.

أما أوروبا فهي تدرك أن أي تصعيد جديد ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد والطاقة والأمن الداخلي، وهو ما يفسر حالة الحذر الأوروبي تجاه توسيع الحرب.

ومن المتغيرات المهمة أيضاً التحول النسبي في الموقف العربي، حيث باتت العديد من الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية أكثر ميلاً إلى التهدئة ورفض توسيع دائرة الصراع، انطلاقاً من إدراك متزايد بأن المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من الفوضى والاستنزاف.

كما أن المواقف العربية الجديدة تعكس قناعة بأن المصالح الاقتصادية والاستقرار الداخلي أصبحا أولوية، وأن الحروب المفتوحة لم تعد تخدم أحداً في ظل عالم تتشابك فيه المصالح بصورة غير مسبوقة.

ومن هنا يمكن القول إن العالم بدأ فعلاً يدخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها قادرة على فرض الإرادات السياسية كما كان يحدث بعد الحرب الباردة.

فالحروب الحديثة أصبحت تُدار بمنظومات متكاملة تشمل:

  • الاقتصاد،
  • الطاقة،
  • الإعلام،
  • التكنولوجيا،
  • والقدرة على الصمود والاستنزاف، إلى جانب القوة العسكرية التقليدية.

 

وربما لهذا السبب تبدو الولايات المتحدة تتجه نحو إدارة الأزمة أكثر من حسمها، بينما تواصل إسرائيل الدفع باتجاه استمرار الضغط والمواجهة، انطلاقاً من مخاوفها الأمنية والاستراتيجية.

لكن في النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن المنطقة والعالم يمران بتحولات كبرى، وأن السياسات القديمة التي بُنيت على الهيمنة المطلقة والقوة الخشنة بدأت تواجه تحديات جديدة تفرض إعادة التفكير في شكل النظام الدولي وطبيعة العلاقات بين الدول وأدوات إدارة الصراعات.

وربما تكشف المرحلة المقبلة ما إذا كان العالم يتجه فعلاً نحو توازنات جديدة تقوم على المصالح والشراكات والتفاهمات بدلاً من الحروب المفتوحة والصدامات المباشرة، في ظل إدراك متزايد بأن كلفة الصراعات أصبحت أكبر من قدرة الجميع على تحمل نتائجها

عن admin

شاهد أيضاً

ثورة الكرامة في ليبيا: 12 عاماً من التحولات الأمنية ومسارات إعادة بناء الدولة

ثورة الكرامة في ليبيا: 12 عاماً من التحولات الأمنية ومسارات إعادة بناء الدولة

في الذكرى الثانية عشرة لثورة الكرامة في ليبيا بقلم المحلل السياسي الليبي ادريس احميد   …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *