في ذكرى غرة جوان: عندما حاول “صنّاع المابعد” وضع عيد النصر في قفص الاتهام
بقلم: فريق التحرير — منصة “سبق” الرقمية
يظل تاريخ غرة جوان حدثاً مفصلياً حياً لا يمكن تجريفه من وجدان الشعب التونسي المعاصر. ففي مثل هذا اليوم من سنة 1955، عاد الزعيم الحبيب بورقيبة إلى أرض الوطن بعد أربع سنوات قضاها في المنافي الفرنسية، لترسو الباخرة الشهيرة «مدينة الجزائر» بميناء حلق الوادي، حيث احتشد مئات الآلاف من التونسيين والتونسيات في استقبال تاريخي مهيب قدّره المؤرخون بنحو نصف مليون شخص. وكان الهتاف العفوي الأبرز الذي زلزل أرجاء الميناء تعبيراً عن نشوة الانتصاف واستعادة الكرامة هو «انتصرنا»، ومن رحم هذه الصرخة الشعبية ولدت تسمية «عيد النصر» لتلتصق بهذا الحدث الجلل. وفي لفتة رمزية تجسّد الالتحام بين القائد والقاعدة، أصرت فيالق فرسان قبائل الجلاص —التي زحفت على ظهور الخيل يتقدمها القائد العجيمي— على أن يغادر بورقيبة الميناء ممتطياً جواداً عربياً أصيلاً رمزاً لعزة الوطن وعنفوانه، قبل أن يتوجه مباشرة إلى قصر محمد الأمين باي بحلق الوادي ليحظى باستقبال رسمي بحضور الأمراء والأميرات.
ولم تكن معارك ما بعد 14 جانفي 2011 في تونس صراعاً على ملامح الحاضر وصياغة المستقبل فحسب، بل امتدت شظاياها لتشمل قراءة التاريخ الوطني ومحاولة تفكيك معالمه الرمزية.
وفي هذا السياق الجدلي، برزت مساعٍ حثيثة من قِبل النخب الحاكمة آنذاك لتهميش ذكرى “عيد النصر”، ليس فقط عبر إسقاطه من مفكرة الاحتفاء الرسمي، بل وأيضاً من خلال محاولة تشريعية غير مسبوقة رامت محاكمة الحقبة التاريخية التي تأسست عليها الدولة الوطنية الحديثة.
وتجلّى هذا الاستهداف بوضوح عندما تضمّن مشروع قانون العدالة الانتقالية، في إحدى مسوداته وصياغاته الأولى، فصلاً أثار ذهول المؤرخين والمراقبين؛ إذ نص على أن أعمال هيئة الحقيقة والكرامة «تغطي الفترة الممتدة من 1 جوان 1955 إلى غاية صدور هذا القانون».
كان اختيار هذا التاريخ بالذات كنتقة انطلاق لعدالة المحاسبة خطوة سياسية مشحونة برمزية إقصائية؛ لكونه يوافق تماماً يوم عودة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة من منفاه، مما فُهِم منه محاولة مبطنة لتجريم لحظة التحرر والانعتاق الوطني.
لكن هذه المناورة التشريعية جابهت موجة عارمة من الاعتراضات والانتقادات الواسعة التي قادها وطنيون غيورون، وأنصار الحركة التحريرية، وأبناء وبنات الفكر البورقيبي الحداثي؛ ممّا أجبر الجهات المشرّعة على التراجع والتقهقر، ليتم تعديل النص ويصبح تاريخ بدء الفترة المشمولة بالعدالة الانتقالية هو غرة جويلية بدلاً من غرة جوان.
امتداد الرمزية وتخليد الذكرى
تخليداً لتلك اللحظة الفارقة، أقرّ بورقيبة يوم 1 جوان عيداً وطنياً رسمياً للدولة، وألحق به “عيد الشباب” في اليوم الموالي (2 جوان)، كما جُسِّد الحدث عبر النصب التذكاري الشهير للزعيم وهو يمتطي جواده بقلب الشارع الرئيسي للعاصمة الذي يحمل اسمه.
وعلى مدار العقود اللاحقة، تعاقبت على تونس تحولات سياسية كبرى تركت ظلالها على قائمة الأعياد الوطنية والرموز التاريخية تبعاً لأهواء المراحل الإيديولوجية المختلفة.
ورغم كل محاولات التوظيف السياسي، والتهميش الممنهج، والنسيان العمدي الذي طال المناسبة عقب المحطات الانتقالية، يثبت “عيد النصر” مع كل إشراقة لغرة جوان أنه عصيٌّ على المحو والاندثار صلب الذاكرة الجماعية التونسية؛ ذلك أنه لم يكن يوماً مجرد ذكرى لشخص، بل توثيقاً للحظة عبقرية نادرة التقى فيها شعب كامل حول حلم التحرر، السيادة، وبناء ركائز الدولة الوطنية المدنية الحديثة.
سبق صوتك .. يسبقك