قضية السودان أمام مجلس الأمن الدولي بين جدلية حظر السلاح ومخاطر إضعاف الدولة
قضية السودان أمام مجلس الأمن الدولي بين جدلية حظر السلاح ومخاطر إضعاف الدولة

قضية السودان أمام مجلس الأمن الدولي بين جدلية حظر السلاح ومخاطر إضعاف الدولة

بقلم الكاتب والباحث السياسي سعد محمد عبدالله – السودان 

 

أثارت جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة بشأن السودان جدلية سياسية وإعلامية بالغة الحساسية حول مسألة حظر السلاح، وهي جدلية لا ينبغي تناولها بمنطق المواقف الإنفعالية أو الإصطفافات الضيقة، وإنما من خلال قراءة دقيقة لطبيعة الحرب وتوازناتها ومآلاتها المباشرة وغير المباشرة؛ فالتوسع في فرض الحظر على كامل الأراضي السودانية قد يبدو، في ظاهره، إجراءً يستهدف الحد من تدفق الأسلحة، لكنه سوف يتحول عمليًا إلى أداة تؤثر في قدرة مؤسسات الدولة والقوات النظامية على أداء واجباتها الوطنية في حماية المدنيين والدفاع عن الحدود ومواجهة التهديدات المسلحة التي قد تفتك بالدولة والمجتمع حال إهمال التعاطي معها بحزم وصرامة شديدين؛ وفي المقابل، فإن إستمرار تدفق السلاح إلى مليشيا الدعم السريع دون أي رقابة دولية سيفاقم الكارثة الإنسانية ويطيل أمد الحرب؛ لذلك، فإن القضية تحتاج إلى مقاربات موضوعية ومتوازنة تميز بين السلاح الموجه إلى حماية الدولة ومؤسساتها، والسلاح الذي يُستخدم ضد المدنيين والبنية التحتية؛ ومن هنا، فإن أي قرار دولي ينبغي أن يضع في مقدمة أولوياته حماية الشعب السوداني، ووقف الإنتهاكات، ومنع التسليح غير المشروع للمليشيات، مع إحترام سيادة السودان وعدم تحويل العقوبات إلى وسيلة لإضعاف الدولة، بما يضمن سلامة القرار الوطني، ويمنع توظيف تلك العقوبات سياسيًا ضد الشعب السوداني، ويصون فرص الحوار من أجل السلام.

 

إن المواقف التي طُرحت داخل مجلس الأمن، سواء من السودان أو روسيا أو مصر أو السعودية وغيرها، تعكس فهمًا عاليًا يشير إلى أن الأزمة السودانية ليست ملفًا أمنيًا منفردًا في الساحة، وإنما أزمة مركبة تتداخل فيها السياسة والأمن والإقتصاد والأوضاع الإنسانية، وتمتد إلى الأمن الإقليمي والدولي، ومن المهم التعامل مع هذه المواقف باعتبارها مساحة يمكن البناء عليها نحو تفاهم دولي أكثر واقعية، بدلًا من تحويل المجلس إلى ساحة للتضاد وتبادل الإتهامات أو إستعراض التقارير المليئة بأجندة من كتبوها؛ كما أن الحديث عن حظر السلاح يجب أن يرتبط بآليات تنفيذ واضحة تضمن عدم إستخدام العقوبات بصورة إنتقائية، وألا تتحول إلى عقوبة جماعية يدفع ثمنها المواطن السوداني؛ فالمطلوب هو تشديد الرقابة على مصادر السلاح وشبكات تهريبه، وملاحقة الجهات التي تزود الجماعات المتمردة بالأسلحة بصورة غير مشروعة، وهي جهات معروفة وتمارس عادتها السيئة أمام أنظار العالم أجمع، في ترجمة لمقولة: «من أمِنَ العقاب أساء الأدب»؛ ولذلك، يجب تعزيز عمل لجان الخبراء والتحقيق في الإنتهاكات الموثقة التي أحال السودان بعضها إلى المؤسسات الإقليمية والدولية ذات الصلة؛ وفي الوقت ذاته، ينبغي تشجيع الحوار السوداني ـ السوداني، ودعم المبادرات الإقليمية والدولية المتكاملة بموافقة حكومة السودان؛ لأن إنهاء الحرب لن يتحقق من خلال ممارسة الضغط العسكري أو العقوبات وحدها، وإنما بتسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتعيد بناء الثقة بين السودانيين، مع توفير ضمانات تمنع إستغلال القرار لخدمة أجندات خارجية وإضعاف فرص التسوية السياسية المستدامة فعليًا دون أي تأخير.

 

من زاوية أخرى، فإن حماية سيادة السودان حق أصيل للسودانيين، ولكنها لا تعني منح أي طرف حصانة من المساءلة القانونية، كما أن المطالبة بمحاسبة مرتكبي الإنتهاكات لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل لتقويض مؤسسات الدولة أو إضعاف قدرتها على حماية المواطنين وممتلكاتهم، وهذه المعادلة الدقيقة تستوجب الفصل بين الدولة بوصفها كيانًا وطنيًا جامعًا، وبين الممارسات التي قد تصدر عن أفراد أو مجموعات داخلها، مع إخضاع الجميع للقانون؛ ولذلك، فإن الموقف الأكثر إتزانًا هو الذي يجمع بين حماية مؤسسات الدولة، وضمان حقوق الإنسان، وفتح مسارات العدالة والمحاسبة والشفافية، ومنع الإفلات من العقاب تحت أي ظرف كان، وليس كما تتحدث بعض المجموعات السياسية التي لا تستشعر مخاطر مواقفها على مستقبل البلاد؛ كما أن المجتمع الدولي مطالب بالنظر إلى السودان باعتباره دولة ذات موقع جيوسياسي مؤثر في القرن الأفريقي ومنطقة الساحل والصحراء والبحر الأحمر، وأن أي إنهيارات إضافية في مؤسساته ستكون لها إنعكاسات سالبة تتجاوز حدوده، لا سيما في ظل الهشاشة الأمنية التي تعيشها عدد من دول جوار السودان؛ وعليه، فإن القرارات الدولية ينبغي أن تستهدف إنهاء الحرب لا إدارة إستمرارها، وأن تدعم خطوات منع تمويل الإرهاب من الحكومات الإستعمارية، وحماية المدنيين، ووصول المساعدات، وإطلاق عملية سياسية شاملة، مع رفض تحويل العقوبات إلى غاية في ذاتها أو إستخدامها لإنتاج واقع سياسي مفروض من الخارج، وفي هذا السياق، تصبح العدالة والمصالحة ركيزتين لبناء السلام المستدام الذي يقود الجميع نحو السودان الجديد.

 

إن الحذر من توسيع حظر السلاح لا يعني البتة رفض الرقابة الدولية أو التغاضي عن الإنتهاكات، بل يعني ضرورة التأكد من أن أي إجراء يتخذه مجلس الأمن سيحقق الغرض المعلن منه، ولن يؤدي إلى نتائج عكسية تزيد معاناة السودانيين الذين لا يطيقون بؤسًا على بؤسهم؛ فالسودان يحتاج اليوم إلى مبادرة وطنية صادقة ومواقف دولية أكثر توازنًا، تجمع بين الضغط على المليشيا المتمردة لوقف القتال وإبعادها عن المناطق المأهولة بالسكان، وتجفيف مصادر تمويل وتسليح الجماعات التي تستهدف المدنيين، ودعم مؤسسات الدولة، وتهيئة بيئة مناسبة لحوار سياسي شامل داخل السودان؛ كما أن الخطاب السياسي العام ينبغي أن يبتعد كليًا عن التخوين والإقصاء لمن حملوا رايات الوطن بشجاعة عندما أسقطها الآخرون بوداعة؛ لأن مرحلة ما بعد الحرب ستحتاج إلى مشروع وطني يستوعب الجميع، ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس القانون والحرية والمواطنة والعدالة؛ فمستقبل السودان لن تحدده العقوبات وحدها، ولن تصنعه القوة العسكرية وحدها، وإنما سيصنعه توافق السودانيين جميعًا على تكوين دولة آمنة ومستقرة تحفظ كرامة مواطنيها وتصون سيادتها؛ ومن هنا، فإن الرسالة الأهم إلى مجلس الأمن والمجتمع الدولي هي أن أي سياسة تجاه السودان يجب أن تكون جزءًا من حل سياسي شامل، لا عاملًا إضافيًا في تعقيد الأزمة وإطالة أمد الحرب، وهذا ما يجعل الحوار الوطني أكثر ضرورة.

شاهد أيضاً

كيف تؤثر القراءة على الدماغ؟ حين تتحول الكلمات إلى نشاط عصبي

كيف تؤثر القراءة على الدماغ؟ حين تتحول الكلمات إلى نشاط عصبي

بقلم الكاتبة نورهان الغرباني – اليمن  _____________________________________________________________________   ليست القراءة مجرد نشاط ذهني نمارسه لاكتساب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *