حين يضيء اليمن أخضرَ..  حكاية أرضٍ ارتبطت بالإسلام منذ فجره ، وقصة شعبٍ جعل من محبة النبي ﷺ ذاكرةً وهوية
حين يضيء اليمن أخضرَ..  حكاية أرضٍ ارتبطت بالإسلام منذ فجره ، وقصة شعبٍ جعل من محبة النبي ﷺ ذاكرةً وهوية

حين يضيء اليمن أخضرَ..  حكاية أرضٍ ارتبطت بالإسلام منذ فجره ، وقصة شعبٍ جعل من محبة النبي ﷺ ذاكرةً وهوية

بقلم الكاتبة نورهان الغرباني – اليمن 

 

____________________________________________________________________

 

 

إذا أردت أن تعرف كيف يبدو المولد النبوي في اليمن، فلا تنظر إلى ساحة واحدة… انظر إلى السماء.

في هذه الأيام، تتحول مدن يمنية إلى مشهد أخضر واسع؛ أضواء تزين الشوارع والمباني، مساجد تتوشح بالأنوار، سيارات تتحول إلى مواكب مضيئة، ساحات تستقبل المحتفلين، ومدائح وأناشيد تتردد في الأحياء، فيما تبدأ وتختتم هذه الاحتفالات بألعاب نارية ضخمة تملأ السماء.

والمشهد الذي قد يبدو غريباً لمن يراه للمرة الأولى ليس وليد هذا العام، ولا يمكن فهمه من خلال الألعاب النارية وحدها ، بل من تاريخ طويل جعل اليمن حاضرة في قصة الإسلام منذ بداياته الأولى.

 

 

اليمن والإسلام.. علاقة بدأت مبكراً 

 

لم تكن اليمن أرضاً بعيدة عن الدعوة الإسلامية في زمن النبي محمد ﷺ. على العكس، كانت من المناطق التي وصلتها الدعوة مبكراً، وارتبطت مباشرة برسائل النبي ﷺ ووفوده وصحابته.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن النبي ﷺ أرسل رسائل إلى ملوك حمير يدعوهم إلى الإسلام، وأن إسلامهم كان جزءاً مهماً من عملية انتشار الإسلام في اليمن.

كما دخل باذان، عامل كسرى على اليمن، في الإسلام، وتبع ذلك إسلام أهل صنعاء والأبناء في أواخر العهد النبوي.

وفي السنة التاسعة للهجرة، وصلت إلى المدينة وفود يمنية، ومنها وفد حمير، معلنة دخول ملوك وقبائل في الإسلام، وأرسل النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن ليعلّم أهلها الإسلام ويقوم بينهم بالفقه والدعوة.

وتوثق دراسة منشورة في جامعة صنعاء روايات وفد حمير، ورسائل النبي ﷺ إلى ملوكهم، وإرساله عدداً من أصحابه إليهم وعلى رأسهم معاذ بن جبل.

وهنا تظهر إحدى أهم الحقائق التي كثيراً ما يغفل عنها من ينظر إلى اليمن من بعيد:

اليمن لم تكن مجرد منطقة دخلها الإسلام، بل كانت إحدى البيئات التي استقبلت الدعوة مبكراً وأسهم أهلها في حملها ونشرها.

 

الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية 

 

ولليمنيين مكانة خاصة في الذاكرة النبوية نفسها؛ فقد ورد في الحديث الصحيح: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية»، وهو من أشهر ما ارتبط بفضائل أهل اليمن في التراث الإسلامي.

ولم يكن ذلك مدحاً عابراً؛ فقد كان اليمنيون حاضرين في مجتمع المسلمين الأول، ومن أبرزهم أبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل،

ووائل بن حجر الحضرمي، وجرير البجلي، والطفيل الدوسي، ومن ذوي أصولها القبلية أبو هريرة رضي الله عنهم جميعاً

وغيرهم ممن ارتبطت أسماؤهم بالعلم والرواية والدعوة.

كما ارتبطت قبائل ومناطق يمنية عديدة بالدعوة الإسلامية منذ العصر النبوي، ومنها همدان وحِمير والأشعريون ومذحج وغيرها. وتشير المصادر إلى أن وفوداً يمنية متتابعة قدمت إلى النبي ﷺ وأعلنت إسلامها، فيما تولى صحابة كبار مهمة التعليم والقضاء والدعوة في اليمن.

 

من أرض الصحابة إلى أرض العلماء 

 

لم تكن اليمن مجرد أرض دخل إليها الإسلام، بل تحولت عبر القرون إلى بيئة علمية أنتجت مدارس وعلماء ومراكز للفقه والحديث.

في صنعاء برز علماء كبار، ومن بينهم هشام بن يوسف الصنعاني، أحد رواة الحديث المعروفين، ثم جاء بعده بقرون محمد بن علي الشوكاني، الذي أصبح واحداً من أشهر علماء اليمن في الحديث والفقه والتفسير وأصول الفقه.

لكن قصة العلم اليمني لا تنتهي عند صنعاء.

ففي حضرموت نشأت مدارس علمية عريقة، وخرج منها علماء ودعاة كان تأثيرهم أوسع من حدود اليمن، خصوصاً مع الهجرة الحضرمية إلى الهند وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

وعدن، المدينة التي كانت بوابة بحرية وتجارية مهمة، فقد احتضنت بدورها الحياة العلمية والدينية، وشهدت مساجدها ومجالسها إحياء السيرة والمدائح والمولد.

أما زبيد، فكانت واحدة من أبرز حواضر العلم في اليمن، وازدهرت فيها حلقات الفقه والحديث واللغة، حتى غدت مركزاً علمياً استقطب العلماء وطلاب العلم من أنحاء مختلفة، وحافظت على مكانتها الدينية قروناً طويلة.

 

المولد في اليمن.. ليس مجرد ليلة 

 

ربما يكون هذا هو الجزء الأكثر إثارة للدهشة بالنسبة لمن يشاهد الاحتفال اليمني للمرة الأولى.

فالمولد في اليمن لا يقتصر على اجتماع في مسجد.

المدينة نفسها تدخل في الاحتفال.

تبدأ مظاهر الاستعداد قبل المناسبة بفترة، فتُزيّن الشوارع والمنازل والمساجد والمحال التجارية والمباني والأشجار بالأضواء والرايات واللوحات الخضراء والبيضاء.

وتتحول السيارات أيضاً إلى جزء من المشهد؛ فتُزيّن بالأعلام والأضواء والعبارات المرتبطة بالمناسبة، ثم تخرج في مواكب ومسيرات ضوئية تجوب الشوارع.

وهناك أيضاً المجالس الدينية، المحاضرات ، والندوات، والقصائد والسيّر والمدائح النبوية والإنشاد، والمسيرات الطلابية، والفعاليات الثقافية والاجتماعية في كل المؤسسات الحكومية والخاصة .

وتتحول الساحات الكبرى إلى أماكن للتجمعات الجماهيرية الغير مختلطة ، والتي يقام بها عدداً من الفعاليات الدينية ، تفوح وسطها روائح البخور والعود والريحان ، و توزع فيها الحلويات والتمر والهدايا ، بينما تستمر مظاهر الزينة والاحتفال في الأحياء والقرى.

وهكذا يصبح المولد مناسبة تراها العين في كل مكان، لا مناسبة تسمع عنها في مكان واحد.

جديراً بالذكر استقبال يوم المولد بألعاب نارية ضخمة في سماء محافظات اليمن المختلفة ،

وهذه الألعاب النارية تحديداً ليست جزءاً من أصل تقليد المولد القديم، بل هي صورة حديثة للتعبير الشعبي عن الفرح بالمناسبة.

لكنها أصبحت اليوم من أكثر الصور التي تلفت أنظار من يشاهد اليمن في هذه المناسبة من البر إلى وسط سواحل البحر.

 

لكن لماذا الأخضر؟

 

قد يكون هذا أكثر سؤال يطرحه العرب والمسلمون الذين يشاهدون اليمن في موسم المولد:

لماذا تتحول صنعاء  وعدد من المحافظات اليمنية إلى مدنٍ خضراء؟

هنا توجد معلومة تاريخية جميلة، ولكنها تحتاج إلى دقة.

فلا يوجد حديث صحيح يقول إن الأخضر هو «اللون الرسمي للنبي ﷺ»، أو أنه أمر المسلمين باتخاذه لوناً خاصاً به.

لكن لدينا شاهد واضح من زمن النبي ﷺ نفسه.

فقد روى الصحابي أبو رِمثة التيمي رضي الله عنه أنه رأى رسول الله ﷺ وعليه بُردان أخضران، والحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد، وحُكم على إسناده بالصحة.

وهناك شاهد آخر من حياته ﷺ

ورد أيضاً أن النبي ﷺ خطب الناس في منى، وكان عليه بردة خضراء، وقد أُخرج هذا الحديث في مسند أحمد وغيره.

أي أن الأخضر كان بالفعل من الألوان التي لبسها النبي ﷺ ، وقد لا يعني هذا بللضرورة أن الأخضر أصبح شرعاً «لون النبي»، لكنه يفسر جزئياً لماذا اكتسب هذا اللون حضوراً قوياً في الذاكرة الإسلامية عبر التاريخ.

ثم جاء ارتباط الأخضر بالمدينة المنورة في الذاكرة المعاصرة من خلال شهرة القبة الخضراء،  وأصبح لوناً شديد الحضور في المناسبات الدينية لدى مجتمعات إسلامية مختلفة.

وفي اليمن، تحول الأخضر إلى هوية بصرية للمولد.

ولهذا، عندما يحل موسم المولد، لا تكتفي المدن بتعليق بعض الزينة؛ بل تكتسي الشوارع والمباني والسيارات والساحات بالأضواء والزينة الخضراء.

وهذا المشهد موجود بالفعل اليوم، حيث توثق التغطيات الحالية ذلك في العاصمة صنعاء وبقية المحافظات اليمنية.

 

المولد بين التاريخ والفقه 

 

من الضروري هنا التفريق بين محبة النبي ﷺ وتعظيم سيرته والصلاة والسلام عليه _ وهي من المعاني الراسخة في وجدان المسلمين _ وبين الاحتفال السنوي بالمولد بصورته المعروفة اليوم، والذي ظهر تاريخياً في عصور لاحقة واختلف العلماء في حكمه.

لذلك لا يصح تاريخياً القول إن المسلمين كانوا يقيمون الاحتفال السنوي بالمولد منذ عهد النبي ﷺ.

الأدق أن نقول إن المولد أصبح تقليداً دينياً واجتماعياً في مجتمعات إسلامية عديدة بعد القرون الأولى، ثم أخذ في اليمن أشكالاً محلية متوارثة تطورت مع الزمن.

لكن هذا لا يعني أن تقاليد المولد في اليمن حديثة.

ففي حضرموت توجد وثيقة تاريخية تعود إلى عام 1379هـ/1959م توثق اجتماع لجنة لتنظيم المولد الشريف، وتذكر خروج طلبة المدارس وهم ينشدون، وإقامة الاحتفال وقراءة قصة المولد ومشاركة المشايخ.

وهذا مهم جداً؛ لأنه يقدم دليلاً أرشيفياً على أن المولد كان مناسبة منظمة ومجتمعية في حضرموت قبل أكثر من ستة عقود.

وبحسب توثيق تاريخي عن مدينة عدن ، كانت الموالد تُقام في جوامع كريتر ومساجد عدن القديمة، ولم تكن مرتبطة بيوم واحد في السنة فقط، بل عُرفت مجالس المولد بصورة متكررة طوال العام.

وهذا يعني أن مشهد اجتماع الناس في المساجد، وقراءة السيرة والمدائح والصلاة على النبي ﷺ، ليس ظاهرة جديدة اخترعتها الاحتفالات الحديثة؛ بل له جذور اجتماعية ودينية موثقة في مدن يمنية قديمة.

وتوجد شواهد حديثة نسبياً على استمرار هذه التقاليد في عدن ،  فقد أُقيمت فعاليات للمولد في مساجد المدينة، ومنها احتفال أقيم في مسجد النور بمدينة الشيخ عثمان عام 2006، كما استمرت مساجد عدن في إحياء المناسبة في السنوات اللاحقة.

وفي زبيد وإب ، عُرفت مجالس المولد في المساجد والمقيل، وأعتاد أهلها على المسيرات البشرية التي تجوب في أوساط الشوارع وتقوم بترديد الابتهالات والمدائح والصلاة على النبي وتوزيع الحلوى على الأطفال واستمرت إقامة هذه الفعاليات الدينية في العقود الماضية حتى يومنا الحالي.

إذن، ما نراه اليوم ليس نسخة مطابقة لما كان يحدث قبل مئات السنين، لكنه امتداد لتقليد ديني واجتماعي تطور شكله مع الزمن.

 

لماذا تبدو الاحتفالات اليمنية ضخمة؟ 

 

عندما يشاهد عربي أو مسلم من خارج اليمن تلك السماء المضيئة ويسأل: لماذا يحتفل اليمنيون بالمولد بهذا الحجم؟

فالإجابة لا تختصر في الألعاب النارية.

إنها قصة  اعتزاز وحب بلد دخل الإسلام في زمن النبي ﷺ  وناصره ، واستقبل صحابته، وخرج منه علماء وفقهاء ومحدثون، واحتضنت مدنه مدارس علمية عريقة، واحتفظت مساجده ومجتمعاته بتقاليد دينية واجتماعية متوارثة.

لهذا تحول المولد في اليمن إلى مناسبة دينية واجتماعية وشعبية واسعة.

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت صنعاء تحديداً من أكثر المدن التي تجذب الانتباه بصرياً في موسم المولد، بسبب اتساع نطاق الزينة والتجمعات والفعاليات. وقد وصفت تقارير حديثة المدينة بأنها تكتسي بالأخضر مع اقتراب المناسبة.

 

ماوراء الضوء 

 

قد يختلف المسلمون في الحكم الفقهي للاحتفال بالمولد، لكن المشهد اليمني اليوم يحكي شيئاً آخر: كيف تتحول الذاكرة الدينية إلى مشهد تراه العين في كل مكان.

في اليمن، لا يبقى المولد داخل جدران المساجد؛ يمتد إلى الشوارع والساحات والبيوت. تُضاء المدن بالأخضر، وتُزيّن السيارات، وتتعالى المدائح والصلوات على النبي ﷺ، وتجتمع العائلات، وتوزع الحلوى والتمور والأطباق المختلفة ، وتقام الفعاليات، ثم تضيء الألعاب النارية السماء.

وراء كل ذلك تقف ذاكرة يمنية طويلة؛ من أرض وصلتها الدعوة الإسلامية في حياة النبي ﷺ، إلى مدن احتضنت العلم والسيرة، إلى مجالس المولد التي حفظت حضور المناسبة في الذاكرة الشعبية، وصولاً إلى الاحتفالات الجماهيرية التي نراها اليوم.

لذلك، حين تضيء صنعاء سماءها في ليلة المولد، لا تكون الألعاب النارية هي الحكاية… بل صورتها الأخيرة.

الحكاية في شعبٍ يرى هذه المناسبة جزءاً من ذاكرته، وفي مدينة ترتدي الأخضر عاماً بعد عام، وفي أجيال تتوارث المدائح والسيرة والصلاة على النبي ﷺ.

قد تختلف الأشكال من زمن إلى آخر، لكن المشهد يبقى واحداً:

اليمن حين يفرح بنبيّه.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاهد أيضاً

كيف تؤثر القراءة على الدماغ؟ حين تتحول الكلمات إلى نشاط عصبي

كيف تؤثر القراءة على الدماغ؟ حين تتحول الكلمات إلى نشاط عصبي

بقلم الكاتبة نورهان الغرباني – اليمن  _____________________________________________________________________   ليست القراءة مجرد نشاط ذهني نمارسه لاكتساب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *