السلطة الرابعة بين حماية الدستور ومكافحة الفساد: قراءة تحليلية للمشهد الإعلامي في تونس وإقليم كوردستان
بقلم الباحث القانوني والاعلامي من اقليم كردستان العراق رنج باراوي

لا يعد الإعلام مجرد بوق لنقل الأخبار والوقائع، بل هو المرآة الحقيقية التي تعكس مدى نضج الديمقراطية، وإرادة التغيير، وحيوية أي مجتمع. وحينما نتأمل الخارطة السياسية والثقافية لمنطقتي شمال أفريقيا والشرق الأوسط، تسترعي انتباهنا تجربتان متباينتان لكنهما زاخرتان بالدروس المشتركة: تونس باعتبارها مهد التحولات الكبرى في العالم العربي، وإقليم كوردستان بوصفه كياناً دستورياً خاصاً وتجربة غنية في قلب عراق مليء بالتحديات والتعقيدات.
كمراقب وباحث في الشأن الإعلامي، أرى أن السؤال الجوهري هنا ليس في مدى وجود الإعلام من عدمه، بل في: إلى أي مدى نجحت وسائل الإعلام الجماهيرية (Mass Media) في بناء وعي حقيقي لدى المواطنين؟ وكيف استطاع الإعلام التونسي في تاريخه الحديث بعد “الربيع العربي” أن يرسخ مكانته كسلطة رابعة حاسمة في وجه الفساد؟ وبالمقابل، كيف يمكن لإقليم كوردستان أن يستفيد من هذا النموذج؟
ولادة الإعلام الحديث في تونس: تاريخ جديد بعد الثورة
لفهم القوة الحالية للإعلام التونسي، لا بد من العودة إلى محطة ما قبل عام 2011.
في ظل النظام السابق، كان الفضاء الإعلامي يرزح تحت وطأة رقابة بوليسية مشددة، حيث تم اختزال الإعلام الرسمي في أدوات بروباغندا للسلطة، مع تغييب كامل لصوت الشارع التونسي. إلا أن انفجار ثورة الياسمين في يناير 2011 لم يطح بالنظام السياسي فحسب، بل قلب المرتكزات الهيكلية لمنظومة الإعلام رأساً على عقب.
شهدت تونس بعد الثورة مرحلة ذهبية وُصفت بـ “انفجار الحرية”، حيث تأسس الإعلام الحديث على ركائز دستورية ومؤسساتية متينة، تمثلت في:
-إلغاء وزارة الإعلام: كخطوة أولى وحتمية لإنهاء الهيمنة المطلقة للدولة على توجيه الرأي العام وصياغة الوعي الجمعي.
-إصدار المراسيم 115 و116: واللذين شكلا حجر الأساس للإعلام الحديث، من خلال ضمان حرية الصحافة والنشر، وحماية مصادر الصحفيين، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا الرأي.
-تأسيس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (HAICA): وهي هيئة دستورية مستقلة، أُنيطت بها مهمة تنظيم المشهد الإعلامي، ومنح التراخيص للمؤسسات وفق معايير مهنية، ومكافحة الاحتكار السياسي والمالي لوسائل الإعلام.
هذا التحول التاريخي خلق بيئة خصبة لولادة العشرات من الإذاعات المحلية، والصحف، والقنوات التلفزيونية بأسلوب حديث ومحترف، جعل من “المواطنة” منطلقاً لعمله بدلاً من تلميع الشخوص السياسية.
في تلك المرحلة الانتقالية الحاسة، غدا الإعلام التونسي الحارس الأول لحماية هيبة الدستور. وخلال الأوقات العصيبة التي صاحبت صياغة الدستور الجديد (2012-2014) والمشاحنات الحادة بين التيارات العلمانية والإسلامية التي أنذرت بخطر الانزلاق نحو صدام أهلي، لم ينخرط الإعلام كطرف في النزاع، بل تحول إلى منصة وطنية لإدارة الحوار المجتمعي.
لقد منعت وسائل الإعلام التونسية إقصاء أو كتم الأصوات المخالفة، وساهمت في خلق وعي عام بأن الدستور هو “عقد اجتماعي” يجب أن يضمن حقوق الجميع. ونتيجة لذلك، أُعليت قيمة “المواطنة” فوق كل الانتماءات الحزبية، الجهوية، أو الأيديولوجية، مما جعل المواطن التونسي رقيباً واعياً ومتابعاً دقيقاً لإنفاذ القوانين.
ٲن الإعلام التونسي كسلطة رابعة قامت بمجابهة الفساد وضغط الإصلاحإن استقلالية الإعلام في تونس لم تظل حبيسة الشعارات أو التنظير، بل تحولت إلى قوة تنفيذية مجسدة على أرض الواقع حينما رسخ الإعلام مكانته كـ “سلطة رابعة” فعلية. وقد تحقق ذلك عبر ثلاثة محاور أساسية في مواجهة الفساد ودعم الإصلاح عن طریق:
ٲولا:الارتقاء بالصحافة الاستقصائية : جازفت المؤسسات الإعلامية، بالتعاون مع المنظمات المناهضة للفساد (مثل منظمة أنا يقظ)، في فتح الملفات الأكثر حساسية.
ولم تعد التحقيقات المعمقة حول الفساد المالي، ونهب عقارات الدولة، والتهريب المنظم مجرد أخبار عابرة، بل غدت محركاً للرأي العام، مما أجبر السلطات القضائية على فتح تحقيقات رسمية مع كبار المسؤولين والوزراء.
ثانیا:كشف المال السياسي الفاسد: وقف الإعلام المستقل كحائط صد منيع أمام القوى السياسية التي حاولت استخدام الأموال المشبوهة لشراء ذمم الناخبين أو توجيه الخطاب الإعلامي، مما جعل مفهوم “المساءلة” واقعاً يخشاه أصحاب النفوذ.
ثالثا:تفعيل قانون النفاذ إلى المعلومة: أثمر الضغط المتواصل للمؤسسات الإعلامية عن جعل تونس من الدول الرائدة في المنطقة بإقرار قانون متطور لحق “النفاذ إلى المعلومة” والذي أصبح سلاحاً قانونياً بيد الصحفيين لتعقب أوجه الصرف العام وحماية المبلغين عن الفساد.
حينما تيقن المواطن أن تقريراً تلفزيونياً أو تحقيقاً صحفياً بمقدوره أن يزلزل أركان منظومة فاسدة ويوجه بوصلة القرار، استعاد ثقته في قوة الكلمة، وأدرك أن الفساد ينمو في الظلام وأن الإعلام هو النور الذي يبدده.
واذا ننظر الی التوازن بين الإعلام العمومي والقطاع الخاص في تونسيكمن سر نجاح التجربة التونسية في تحقيق توازن هيكلي دقيق بين فئات المنظومة الإعلامية نجد نوعین من النمط الاعلامي وهما:
-الإعلام العمومي (الحكومي سابقاً): تحول من بوق للسلطة إلى “إعلام الخدمة العامة” (Public Service Media)، يُموَّل من دافعي الضرائب ويلتزم بالحياد والوقوف على مسافة واحدة من جميع المكونات المجتمعية.
-الإعلام المستقل والخاص: يعمل في ظل رقابة قانونية ومالية شفافة، بعيداً عن الوقوع تحت رحمة أموال الأحزاب المظلمة.
واذا تحدثنا عن واقع الإعلام في إقليم كوردستان نجد فضاء واسع ولكن مستقطب على المقلب الآخر، عندما ننظر إلى إقليم كوردستان العراق، نجد أنه منذ انتفاضة عام (1991 )وبشكل أخص بعد عام (2003)، تشكل فضاء واسع للغاية من حرية التعبير والتعددية الإعلامية. فالقنوات الفضائية، ومحطات الراديو، والصحف، والمواقع الإلكترونية تكاد لا تحصى، وللإعلام تأثير سوسيو-سياسي بالغ القوة على الحياة اليومية للمواطنين، لكن الإشكالية تكمن في بنية هذا التأثير وآلياته.
إن المعضلة الجوهرية في إقليم كوردستان تتمثل في أن حصة الأسد من هذه الإمبراطورية الإعلامية الضخمة تدار وتمول من قبل الإعلام الحزبي (أو إعلام الظل) ذي التمويل الهائل والضبابي. هذا الواقع جعل تأثير الإعلام، بدلاً من بذر الوعي القائم على أساس المواطنة، ينزلق في كثير من الأحيان نحو:
الاستقطاب المجتمعي والسياسي الحاد: وتقسيم الشارع إلى جبهات متناحرة.
تشويه الحقائق: نظراً لتقديم المصلحة الحزبية الضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا.
بث روح الإحباط واليأس: بدلاً من تقديم الإعلام كأداة للحل، يتبنى أحياناً أسلوب الحرب النفسية والتنفير من جدوى الإصلاح.
علی الرغم من دور الاعلام المواطنة الی حد ما كفضائیات (Rudaw و AVA و kurdsat و zagros ) لهم بصمة في ٲلاتصال الجماهیري ولكن بسبب هویتهم المعرفة حزبیا لایصنفون كٲعلام المستقل ٲو كٲعلام المواطنة الكوردستانیة، أما الإعلام الأهلي أو المستقل في الإقليم، ورغم محاولاته الجادة وتضحياته الجسام، فإنه يعاني دوماً من أزمات تمويل خانقة، وغياب قانون فاعل وعملي لحق النفاذ إلى المعلومات، فضلاً عن المضايقات المهنية، مما حال دون تمكنه من ممارسة دور الرقيب الشجاع والسلطة الرابعة الحقيقية.
اذن هناك سؤال یطرح نفسه كيف يستفيد إقليم كوردستان من التجربة التونسية؟
لكي يتحول الإعلام في كوردستان من أداة للصراع السياسي إلى محرك للإصلاح وضامن للكيان الدستوري للإقليم، لا بد من استخلاص الدروس من التجربة التونسية عبر هذه الخطوات الأربع:
١.تأسيس هيئة وطنية مستقلة للإعلام (على غرار HAICA): الإقليم بحاجة ماسة إلى هيئة قانونية عليا تُشكل من كفاءات وطنية مستقلة، لتنظيم قطاع الإعلام ومراقبة مصادر تمويل القنوات، لمنع استغلال المال العام أو السياسي في توجيه الخطاب الإعلامي.
٢.تحويل الإعلام الرسمي إلى إعلام الخدمة العامة: يجب إخراج القنوات والمؤسسات الإعلامية الممولة من الحكومة من عباءة الحزبية الضيقة وتحويلها إلى إعلام يخدم الشعب بكافة أطيافه، ليعيد للمواطن ثقته بأن هذه المؤسسات تمثله وتدافع عن كرامته وحقوقه.
٣.إقرار وتفعيل قانون حقيقي للنفاذ إلى المعلومات: لا إصلاح بلا شفافية. يجب تذليل العقبات أمام الصحفيين للوصول إلى الوثائق والمستندات المتعلقة بملفات الفساد والخدمات، مع توفير حصانة قانونية كاملة لهم ولمصادرهم.
٤.توجيه الخطاب الإعلامي نحو “الوعي الدستوري”: ولو لایوجد دستور في اقلیم علی الرغم من محاولاته الجدیرة بالذكر سابقا حول وضع دستور خاص بٲقلیم كردستان ٲنا كٲعلامی سابقا ٳری بدلاً من المناكفات الشعبوية اليومية في الساحة ٲلاعلامیة، يتعين على الإعلام الكوردستاني تخصيص مساحات أوسع لترسيخ مفاهيم “سيادة القانون”، “حقوق الإنسان”، و”واجبات المواطنة”، لبناء مجتمع يحمي كيانه الدستوري بوعي وفكر وبناء جسور ٲلاعلام مع دول ٲلاخری لبث برامج باللغة الكوردیة واللهجة التونسیة مثلا لكی یستكشف دول المغارب العربي ٲن اقلیم كوردستان لیس بجسم غریب في شتی المباحثات والتعاون اذا وجد مشروع ذكر فیه ٲسم ٲقلیم كوردستان.
نحن نعرف إن وسائل الإعلام الجماهيرية سلاح ذو حدين؛ إما أن تكون أداة لتفتيت المجتمع وإضعافه، أو تمسي العمود الفقري للوطن في مجابهة الفساد وترسيخ العدالة. لقد أثبتت التجربة التونسية، لا سيما في تاريخها المعاصر بعد الربيع العربي، أن تحديث قوانين الإعلام، وفتح الباب أمام الصحافة الاستقصائية، وحماية استقلالية المؤسسات، هي خريطة الطريق الحقيقية نحو التغيير الإيجابي.وإقليم كوردستان، بما يملكه من إرث صحفي وثقافي غني، إذا ما استجمع الإرادة المهنية والقانونية لإعادة تنظيم قطاع الإعلام، بإمكانه إحداث نقلة تاريخية تحول المنظومة الإعلامية من ساحة للصراع إلى مؤسسة وطنية فاعلة تخدم المواطن ومستقبل البلاد.
سبق صوتك .. يسبقك