ليبيا: أزمة سياسية أم أزمة بناء دولة؟
ليبيا: أزمة سياسية أم أزمة بناء دولة؟

ليبيا: أزمة سياسية أم أزمة بناء دولة؟

 

ليبيا: أزمة سياسية أم أزمة بناء دولة؟

بقلم الباحث والمحلل السياسي الليبي ادريس احميد

 

في سلسلة مقالاتي التي تتمسك برؤية واقعية للحل في ليبيا، أطرح مقاربة تقوم على أولوية بسط الأمن كمدخل أساسي لأي مسار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، من خلال دور المؤسسة العسكرية باعتبارها عنصرًا حاسمًا في استعادة الاستقرار على الأرض.

ويأتي هذا الطرح في ظل ما يعتبره كثيرون فشل المسار السياسي خلال السنوات الماضية في تحقيق نتائج ملموسة، إلى جانب غياب نخب سياسية وثقافية قادرة على تشخيص الأزمة الليبية بعمق، والاعتراف بجذورها الحقيقية، بعيدًا عن التبريرات أو اختزالها في عناوين سياسية ضيقة.

ومن هنا تنطلق هذه السلسلة من محاولة قراءة الواقع كما هو، لا كما يُفترض أن يكون، بحثًا عن حلول عملية قابلة للتطبيق داخل السياق الليبي المعقد.

منذ عام 2011، ما تزال ليبيا تعيش حالة من الانقسام والصراع وعدم الاستقرار، وسط تعدد الحكومات، وتضارب الشرعيات، وتدخلات خارجية، وانقسام مؤسسات الدولة بين الشرق والغرب والجنوب. وعلى امتداد السنوات الماضية، جرى توصيف ما يحدث في ليبيا بأنه “أزمة سياسية”، لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه اليوم هو:

هل ما تعيشه ليبيا مجرد أزمة سياسية عابرة، أم أننا أمام أزمة أعمق تتعلق ببناء الدولة نفسها؟

في تقديرنا، فإن الأزمة الليبية لم تعد مجرد خلاف سياسي حول السلطة أو الانتخابات أو الدستور، بل أصبحت أزمة دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأن السياسة في النهاية جزء من الدولة، وليست الدولة كلها.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة بناء الدولة، وأن إسقاط رأس السلطة لا يكفي إذا لم تكن هناك مؤسسات قوية، وثقافة دولة، ووعي وطني جامع قادر على حماية البلاد من الانقسام.

فما حدث بعد 2011 كشف بوضوح أن ليبيا كانت تمتلك سلطة مركزية قوية، لكنها لم تمتلك بالقدر الكافي دولة مؤسسات راسخة تستطيع الاستمرار عند اهتزاز النظام السياسي. ولهذا، ومع أول فراغ أمني وسياسي، عادت الانتماءات الفرعية لتتصدر المشهد: القبيلة، والمدينة، والجهة، وحتى المطالب المناطقية والمكوناتية.

ولم يكن ظهور هذه الانقسامات صدفة، بل نتيجة طبيعية لغياب مشروع وطني حقيقي يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء في الوطن والثروة والقرار.

كما أن الاقتصاد الريعي القائم على النفط عمّق الأزمة، لأن الصراع تحول من تنافس سياسي طبيعي إلى صراع على السيطرة على الموارد ومؤسسات الدولة المالية، في ظل ضعف الإنتاج الحقيقي وغياب التنمية المتوازنة.

وبعد خمسة عشر عامًا من المرحلة الانتقالية، أثبتت التجربة الليبية أن أول انتخابات جرت عام 2012 لم تنجح في تأسيس مسار سياسي مستقر، ليس لأن الليبيين يرفضون الديمقراطية أو التداول السلمي على السلطة، بل لأن السلاح كان أقوى من السياسة، ولأن القرار السياسي بقي خاضعًا لتوازنات المجموعات المسلحة والتدخلات الخارجية.

لقد سيطرت جماعات مسلحة على المشهد تحت مسميات مختلفة، بعضها رفع شعار الثورة، وبعضها رفع شعارات دينية ومتشددة، وتحولت مؤسسات الدولة في كثير من الأحيان إلى رهينة لهذه التشكيلات التي فرضت نفوذها بقوة السلاح، في ظل غياب مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة قادرة على فرض القانون وحماية الدولة.

وفي تلك المرحلة، شهدت مدينة بنغازي واحدة من أخطر الفترات في تاريخها الحديث، حيث انتشرت الاغتيالات والتفجيرات، وتوقفت مظاهر الحياة الطبيعية، وسيطرت جماعات متشددة وتنظيمات مسلحة على أجزاء واسعة من المدينة، في ظل عجز واضح لمؤسسات الدولة.

وفي خضم هذا الواقع، برزت في شرق ليبيا قوة عسكرية بقيادة المشير خليفة حفتر، انطلقت استجابة لنداءات اجتماعية وشعبية وقبلية طالبت بإنهاء سيطرة الجماعات المسلحة والمتشددة، وإعادة الأمن والاستقرار للدولة.

وخاضت هذه القوة معارك استمرت لسنوات ضد التنظيمات المتشددة والجماعات المسلحة، وتمكنت من استعادة السيطرة على معظم مناطق الشرق الليبي، قبل أن تمتد إلى مناطق واسعة من الجنوب والوسط، مع العمل على إعادة بناء المؤسسة العسكرية وتأمين الحدود والمنشآت النفطية ومحاربة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

ويرى أغلب الليبيين الذين عاشوا تلك المرحلة الصعبة أن أهم ما تحقق لم يكن فقط الجانب العسكري، بل عودة الأمن والاستقرار وإعادة فكرة الدولة وهيبتها في مناطق واسعة من ليبيا، بعد سنوات من سيطرة الجماعات المسلحة والانقسام الأمني.

كما ساهم الاستقرار الأمني النسبي في فتح المجال أمام: عودة مؤسسات الدولة، وإطلاق مشاريع الإعمار، وتحسين البنية التحتية، وتحريك عجلة الاقتصاد، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا للاستثمار الداخلي والخارجي.

وفي هذا السياق، يعتقد كثير من الليبيين أن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون أمن، وأن الاستثمار لا يمكن أن يأتي في ظل الفوضى والسلاح والانقسام، ولذلك فإن أي مشروع اقتصادي أو تنموي يحتاج أولًا إلى دولة قادرة على فرض الاستقرار وحماية مؤسساتها وحدودها وثرواتها.

كما أثبتت التجربة الليبية أن غياب المؤسسة العسكرية الموحدة كان أحد أهم أسباب انهيار الدولة بعد 2011، وأن إعادة بناء الجيش أصبحت ضرورة وطنية لا يمكن تجاوزها إذا أرادت ليبيا الخروج من دائرة الفوضى والصراع.

ولهذا، فإن دعم المؤسسة العسكرية لا يعني فقط دعم خيار أمني، بل دعم مشروع لإعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار وتهيئة الظروف لقيام مؤسسات قادرة على إدارة البلاد.

وفي المقابل، يبقى التحدي الحقيقي أمام أي مشروع وطني في ليبيا هو كيفية تحويل هذا الاستقرار الأمني إلى استقرار سياسي ومؤسساتي دائم، يضمن: وحدة البلاد، وسيادة القانون، وعدالة توزيع الثروة، ومشاركة جميع الليبيين في بناء الدولة دون إقصاء أو تهميش.

فليبيا اليوم لم تعد بحاجة فقط إلى إنهاء الحرب، بل إلى الانتقال من مرحلة الفوضى والانقسام إلى مرحلة الدولة القادرة على حماية الوطن وتحقيق الاستقرار والتنمية.

وربما لهذا السبب، يزداد داخل الشارع الليبي من يرى أن الواقعية السياسية تفرض دعم أي مشروع استطاع أن يحقق الأمن على الأرض، باعتبار أن الأمن أصبح المدخل الأساسي لأي حل سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي حقيقي.

وفي ظل هذا الفشل السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والأمني الذي عاشته ليبيا، يرى قطاع واسع من الليبيين أن “مشروع الكرامة” لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل تحول إلى تجربة استعادة للدولة في مناطق واسعة من البلاد.

فقد أعادت هذه العملية الأمن إلى مناطق كانت تعيش انهيارًا كاملًا، ووفرت بيئة سمحت بعودة مؤسسات الدولة، وفتحت الباب أمام التنمية والإعمار، وأعادت الاعتبار لفكرة الدولة بعد سنوات من الفوضى.

وفي هذا السياق، يبرز منطق يرى أن أولوية المرحلة ليست في تعدد المشاريع السياسية، بل في وجود قوة قادرة على حماية الدولة ومنع انهيارها، باعتبار أن الأمن هو الشرط الأول لأي استقرار أو تنمية أو انتقال سياسي حقيقي.

ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر أمام ليبيا هو كيفية تحويل هذا الواقع الأمني إلى دولة مستقرة كاملة الأركان، تقوم على المؤسسات والقانون وتوحيد القرار السيادي، بدل استمرار حالة الانقسام وتعدد مراكز القوة.

وفي هذا السياق، يرى بعض الليبيين أن أي مسار سياسي أو ديمقراطي لا يمكن أن ينجح في ظل غياب الأمن واستمرار الفوضى المسلحة، وأن الأولوية في هذه المرحلة هي استكمال فرض الاستقرار وبسط سلطة الدولة على كامل التراب الليبي، بما في ذلك المناطق التي ما زالت تعاني من هشاشة أمنية، حتى تتوفر بيئة واقعية تسمح ببناء مؤسسات دائمة ودولة قادرة على الاستمرار.

وفي المقابل، يرى آخرون أن الاستقرار الأمني، يدعم المسار السياسي من خلال انفتاح المؤسسة العسكرية على كل الحلول والمقترحات التي قدمت وطنيا ودوليا من اجل الذهاب الى انتخابات رئاسية وبرلمانية ..

وفي النهاية، يبقى السؤال المطروح:

هل نحن أمام أزمة سياسة فقط، أم أمام أزمة بناء دولة لم تكتمل بعد؟

عن admin

شاهد أيضاً

السودان وروسيا: علاقات تاريخية متجددة للعبور نحو المستقبل

السودان وروسيا: علاقات تاريخية متجددة للعبور نحو المستقبل

  السودان وروسيا: علاقات تاريخية متجددة للعبور نحو المستقبل ​بقلم المحلل السياسي السوداني سعد محمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *